islamaumaroc

الألفاظ الآرامية في القرآن الكريم

  دعوة الحق

129 العدد

  القرآن العظيم كتاب عربي مبين، ما في ذلك من شك، و وجود ألفاظ أجنبية عن لغة الضاد لا تغير من عربيته إلا بقدر ما تغير من ذوق البحر قطرات من عسل مصفى ترمى في اليم.
و جائز أن يرد علينا راد فيقول : « رأيناك تبحث في اللهجات العربية، غير القرشية، زاعما أنها شركت بألفاظها في القرءان(1) : فقلنا أنه لم يخرجه عن كونه عربيا و إن كان لم يبقه مبينا. أما وقد أبعده الأن عن عروبته بعد أن بدأ يذكر ألفاظها منه يدعي أنها غير عربية، فأمر لا يمكن السكوت عنه بحال من الأحوال».
  ففي أذن هؤلاء أحب أن أهمس : « لا ضير علينا أن نقول أن ألفاظا غير عربية وزعت في القرءان الكريم، أن توفر لدينا البرهان الصحيح على وجودها فيه، و ما أعتقد أننا بذلك نخالف نصا صريحا في القرءان الكريم، فليس معنى الآيات : « و كذلك أنزلناه حكما عربيا، و لئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي و لا واق »(2)  و « و لقد نعلم أنهم يقولون أنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين(3)  » و « إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(4)  » و « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين(5)  » و « و كذلك أنزلناه قرآنا عربيا و صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا(6) » و « و قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون(7) » و « كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى و من حولها و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة و فريق في السعير(8) » و « إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(9) » و « و لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته، أعجمي و عربي، قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يومنون في ءاذانهم وقر و هو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد(10)» و « و من قبله كتاب موسى أماما و رحمة، و هذا كتاب مصدق لسانا عربيا لتنذر الذين ظلموا و بشرى للمحسنين(11) » ليس معنى هذه الآيات أن ال  77 934  المشتمل عليه هذا الكتاب العظيم كلها، بدون استثناء، عربية أو كلها قرشية، و إنما يوجد من بينها كلمات، من أصل غير عربي، قليلة العدد إذا قيست بهذا القدر الضخم من الكلمات. و « بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه غير عربي(12)  ».
و ليس في هذا الاعتقاد الذي ذهبنا إليه عرابة أو بدعة، ما دام علماء أجلاء، قانتون اعتقدوا ذلك و جهروا به و أعلنوه.
 أخرج ابن جرير بسند صحيح، عن أبي مسيرة، التابعي الجليل قال : « في القرءان من كل لسان » و لقد نقل السيوطي كلاما مقنعا في هذا الباب رواه عن ابن النقيب قال(13) : « من خصائص القرءان على سائر كتب الله تعالى المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم    لم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، و القرءان احتوى على جميع لغات العرب، و أنزل فيه بلغات غيرهم من الروم و الفرس و الحبشة شيء كثير».
  و من منا أو من غيرنا يستطيع أن يقول معتمدا على حجج سليمة أن العربية التي قصدها القرءان في الآيات الشريفة السالفة الذكر، هي اللغة القرشية الفصيحة لا لغة جرهم أو لغة كنانة أو غيرها ؟ فالاختلاف في هذا الموضوع على أشده، و لا يمكن أن يكون إلا كذلك.
 أخرج الحاكم في المستدرك، و صححه، و البيهقي في شعب الإيمان عن بريدة رضي الله عنه في قوله تعالى : « بلسان عربي مبين » قال : بلسان جرهم. فاللغة العربية حسب هذا الحديث الذي وصل إلى درجة من الصحة لا يستهان بها هي اللغة الجرهمية.
و أخرج الحاكم أيضا في المستدرك و صححه، و البيهقي في شعب الإيمان من طريق سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جاب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تلا « قرآنا عربيا لقوم يعلمون » ثم قال : « ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما » أتدرون متى كان إسماعيل ؟ و كم من أجيال مرت قبل أن ينزل القرءان الكريم ؟ و ما هي التأثيرات التي يمكن أن تؤثر في لغة إسماعيل طيلة هذا الأمد الطويل ؟ و هل تدرون كم من ألفاظ أجنبية دخلت لغة إسماعيل منذ ألهمها إلى يوم بعث الله نبيه محمدا ؟
 فإذا كان الحديث الذي رواه بريدة يقول أن اللسان العربي المبين هو لسان جرهم، و إذا كان إسماعيل هو الجد الأكبر لجرهم و لغيرهم من قبائل العرب فما بال محمد ابن سلام يقول(14) : « أخبرني يونس عن أبي عمرو بن العلاء، قال : العرب كلها ولد إسماعيل إلا حمير و بقايا جرهم ».
فلهذا كله و لغيره لم يبق البحث مجديا الآن في هل القرءان كله بألفاظ عربية لا تشاركها فيه و لو لفظة أعجمية واحة أم لا ؟ ما دامت الحجة العلمية والبرهان الصحيح يتوفران الآن على وجود مفردات كثيرة غير عربية فيه.
  و ما من شك أيضا أن الألفاظ الآرامية(15) في القرءان و التي سأبينها في هذا الحديث تشارك العربية الفصيحة في الأصل الأصيل الموحد و هي اللغة السامية الأم.
و من المحتمل أن يكون تأثير اللغة الآرامية في اللغة العربية آت من اختلاط العرب بالسريان(16)  منذ العصر الجاهلي. و معلوم أن السريان شعب في مقدمة الشعور الآرامية، و يظهر أن هذا التأثير بدأ مفعوله في وقت مبكر من العصر الجاهلي(17)، و نكاد نكون على يقين أنه انقطع في القرن الرابع الهجري، و هو الوقت الذي وقفت فيه حركة الترجمة من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية عن طريق علماء سرانيين و كذلك كانوا يتكلمون باللغة الآرامية.
                                                        ***
  حوى القرءان الكريم عددا لا يستهان به من ألفاظ هذه اللغة، سنحاول ذكرها، مبينين مكانها فيه، مشيرين إلى معناها في الأصل الآرامي، مثبتينها بالخهط السرياني و مرتبيها حسب النظام الأبجدي.
1- « أ ب « و فاكهة و أبا »(18) التي معناها ثمرة في هذه اللغة  ......
أن النظام الأبجدي الذي اخترته لدراسة المفردات الآرامية في القرءان الكريم، حتم علي أن أبدأ بحثي بهذه الكلمة، و لا أدري هل من حسن حظ  هذه الدراسة أو من سوء حظها، أن تكون هذه الكلمة في أولها، هذه الكلمة التي يمكن أن يكون من قيل حول تفسيرها رادعا قويا لكل من تسول له نفسه تتبع معاني القرءان و البحث عن مشكلاته، ذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، مثله مثل عمر الفاروق، قد ابتعد عن ذلك، يروى عن الأول أنه سئل عن الاب، فقال : « أي سماء تظلني، و أي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به » و يروى عن الثاني رضي الله عنه قرأ هذه الآية فقال : « كل هذا قد عرفناه فما الاب ؟ » ثم رفع عصا كانت بيده و قال : « هذا لعمر الله التكلف، و ما عليك، يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الاب » ثم قال : « اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب و ما لا، فدعوه ».
  ها أنا ذا أرشدتك للسلاح الذي يمكنك أن تقاتلني به، أما أنا فسأجعل من رد الزمخشري على الروايتين المذكورتين درعا تقيني ضرباتك القاتلة، و ما أمتنها من درع !! و لا خاب من اتقى بها! قال جسار الله(19) : « فإن قلت فهذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرءان و البحث عن مشكلاته، قلت : « لم يذهب إلى ذلك، و لكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، و كان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم، فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه و استدعاء شكره، و قد علم من فحوى الآية أن الاب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له أو لأنعامه، فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله على ما تبين لك، و لم يشكل مما عدد من نعمه، و لا تتشاغل عنه بطلب معنى الاب و معرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، و اكتف بالمعرفة الجميلة إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت، ثم وصى الناس بأن يجروا على هذه السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرءان ».
  غير أن ما وجب استنتاجه من كل ما تقدم أن هذه المفردة لم تكن معروفة، متداولة بين الناس، تداول الكلمات التي نزلت معها : فاكهة، متاعا، أنعام، و إلا لما وقع هذا الاستفسار الطويل حولها، و لم يكن منتظرا غير ذلك ما دامت المفردة غريبة عن هذه اللغة، الأمر الذي يصحح ما نقول. و شيء آخر يثير الانتباه، و يعزز غرابتها في نفس الوقت، هو أن المفسرين و الشراح يعطونها معنى المرعى. فيقول الجوهري : « الاب : المرعى(20) » و يقول الراغب الأصفهاني « الاب المرعى المتهيئ للرعي و الجز(21) ». و يقول الزمخشري : « و الاب المرعى لأنه يؤب أي يؤم  و ينتجع. و الاب و الام إخوان(22) ».
أما الإمام جلال الدين السيوطي فيقول(23) : « أب : قال بعضهم هو الحشيش بلغة أهل الغرب، حكاه شيدلة».
و أحسن شرح يمكن أن يرتاح له إنسان هو ما قاله المرحوم جرجي زيدان في كتابه « اللغة كائن هي، صفحة 52، قال يبحث عن تطور هذه الكلمة : و «أنبو» كانت تدل في اللغة السامية الأصلية على « الثمر » عموما، و ما زالت تدل على ذلك في اللغة الأشورية، و الآرامية. أما في العبرية فقد أدغمت النون في الباء و عوض عنها بالتشديد فصارت ( آبة ) بتشديد الباء، عملا بقاعدة جارية في نحو ذلك باللغة العبرية، ثم شقوا من هذه اللفظة فعلا فقالوا : ( أيب ) بمعنى أثمر، و أما في السريانية فقد أصاب هذه اللفظة نفس ما أصابها في العبرية، و صارت (أبا) و هي تدل عندهم على الفاكهة، كالتين و البطيخ، و الزبيب، و اللوز، و الرمان، و أما في العربية، فقد حدث نحو ذلك، و لكن « الاب » صار عندهم للدلالة على الكلأ و المرعى أو ما أنبتت الأرض. و قالوا : « الاب للبهائم، كالفاكهة للناس ».
2- « أفك » ينطقون بها في الآرمية  ....... و معناها بهذه اللغة الكذب، ثم وسعوا معناها فشملت معنى تغيير الرأي و إفساده و ردت في القرءان الكريم، بصيغة أفك دالة على الكذب سبع مرات، في قوله تعالى : « إنما تعبدون من دون الله أوثانا و تخلقون أفكا، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا، فابتغوا عند الله الرزق، و اعبدوه و اشكروا له، إليه ترجعون(24) ». و في قوله : « أفكا آلهة دون الله تريدون(25)  ». و في قوله تعالى : « إن الذين جاءوا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم، لكل أمريء منهم ما اكتسب من الإثم، و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم(26). ثم قال في الآية بعدها : « لولا إذ سمعتموه ظن المومنون و المومنات بأنفسهم خيرا و قالوا هذا أفك مبين ». و في الآية : « و قال الذين كفروا أن هذا إلا أفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون، فقد جاءوا ظلما(27)  و زورا ». و في قوله عز شأنه : « و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذه إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، و قالوا ما هذا إلا أفك مفترى، و قال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين(28) ». و قوله : « و قال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه و إذ لم يهتدوا به، فسيقولون هذا أفك قديم(29) ». و تأتي كما سبق أن قلت بمعنى تغيير الرأي و إفساده(30)، و به وردت في قوله تعالى : « قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعد إن كنت من الصادقين(31) » و هي مستعملة بكثرة في القرءان بصيغ غير ما ذكرت.
3- « آمن » و معناها صدق حقيقة أوحاها الله تعالى(32) و العثور عليها في القرءان الكريم لا يشكل أية صعوبة لكثرة ورودها في على صيغ مختلفة، و هي تكتب و تقرأ في الآرامية :  ......... وردت على صيغة :
- آمن : 33 مرة
- آمنت : مسندة للمؤنثة الغائبة خمس مرات
- آمنت : مسندة للمتكلم ثلاث مرات.
- آمنتم : 10 مرات
- آمنا : 33 مرة
- آمنوا : 248 مرة
- يؤمن : 3 مرات
- تؤمنون : و تؤمنوا : 20 مرة
- نؤمن : 13 مرة
- لتؤمنن : مرة واحدة(33)
- يؤمنون : 105 مرة

4- « بارك » ألتي بمعنى سبح ......... و قد وردت بكثرة في القرءان الكريم، في أماكن مختلفة كقوله : « إن ربكم الله الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق و الأمر، تبارك الله رب العالمين(34) »
5- كلمة « بعير » و قد وردت في القرءان الكريم مرتين ، الأولى في قوله تعالى : « و لما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا و نمير أهلنا و نحفظ أخانا و نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير(35) » و الثانية في قوله عز من قائل : « قالوا نفقد صواع الملك و لمن جاء به حمل بعير و أنا به زعيم(36) ».
معنى هذه المفردة في اللغة الآرامية : « كل دابة تحمل أحمالا أو تجر مركبة(37) ». و لقد تنبه كثير من الباحثين لغرابتها عن لغة الضاد كالفريابي و مجاهد و مقاتل، و عنهم روى الإمام جلال الدين السيوطي حين قال متحدثا عن كلمة بعير(38) « و أخرج الفريابي عن مجاهد في قوله تعالى : « كيل بعير » أي كيل حمار. و عن مقاتل « أن البعير كل ما يحمل عليه بالعبرانية ». و الرجاء ألا يظن ظان أن بين ما يعتقده مجاهد، و ما ذهبنا إليه فرقا كبيرا يذكر، إذ العبرية – الفينيقية أخت شقيقة للآرامية. بقول Henri Fleisch  أن الآرامية قريبة الصلة بالعبرية، من الناحية الصوتية، في سلسلة من الصفات، نذكر من بينها على الأخص، سقوط حركات الإعراب، و إضعاف حركات وسط الكلمات(39) .. »
و يقتقد «  G. Bergtrasser » أن النطق التقليدي للغة العبرية لم يحتفظ به و لم يدون إلا بفضل أساس كانوا يتكلمون الآرامية ».(40)
كما يحسن ألا يعزب عن أذهاننا أن الآرامية و العبرية كنتا في حقبة من تاريخهما لغتين تمتزجان الواحدة بالأخرى امتزاجا يصعب التميز بينهما ثم تفترقان لتعود للمزج مرة أخرى. قال محمد عطية الأبراشي : « و بالمثل نجد في سفر الأخيار و في عزرا انتقالا من الآرامية إلى العبرية و من هذه إلى تلك. و في الجزء الأخير من نجميا استعير مقدار كبير من اللغة الآرامية(41) »
و تكتب كلمة بعير و تقرأ في هذه اللغة على هذا الشكل ............. و تطلق في اللغة العربية على الجمل الناقة بلا تمييز. و الملاحظ أن كثيرا من المفسرين سكاتوا عن تفسير هذه المفردة و من بينهم الأئمة جلال الدين محمد ابن المحلي و أبو بكر السيوطي و الزمخشري.
و أحب أن أثير الانتباه إلى أن هذه المفردة لم ترد في القرءان الكريم إلا في سورة يوسف، و هي موافقة تمام الموافقة للغة التي كانت سائدة زمن حدوث هذه القصة. و هذا جانب آخر من إعجاز القرءان العظيم جليل، نأمل أن يتفرغ له اختصاصيون فيبرزنه حجة أخرى – إن كان الشاكون في حاجة إليها – قاطعة على صدق نبوة النبي الأمي الأمين، صلاة الله و سلامه عليه.
6- كلمة : « بقعة » في قوله تعالى : « فلما أتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين(42) » و معناها في اللغة الآرامية حقل أو سهل، و تكتب و تقرأ ............... و تدل في اللغة العربية على قطعة أرض، و لم ترد في القرءان الكريم إلا مرة واحدة،و تقرأ فيه بالفتح و الضم(43). و يروي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزاباذي فيها لغتين فيقول(44): « بالضم و الفتح : القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلي جانبها » و يجعل الجوهري البقعة من الأرض : « واحدة البقاع(45) »  و هو كلام لا يجدي فتيلا.
7- لفظة : « بيت » الموجودة في عدد كبير من الآيات البينات. و لقد وردت هذه المفردة 69 مرة على صيغ مختلفة في القرءان الكريم. و لا شك أن أصلها آت من الفعل الآرامي ........... بمعنى أقام في المكان و الذي أعطانا .................. و يظهر أن مادة « بيت » مادة من اللغة السامية الأم و لهذا فهي موجودة، بتغييرات طفيفة، في سائر اللغات المتفرعة عن لغة الام.
يقول « J. Lecerl » أن الأسماء الجغرافية المركبة من بيت ( و كلمات أخرى ) كثيرة الاستعمال، و أن الجزء الأول ( وهو بيت(46) يتقلص، في كثير من الأحيان داخل أسماء الأماكن الشامية – الفلسطينية إلى « ب » آخذا أصله من الآرامية ( السريانية ) « Be » و لكنه معروف في اللغة الكنعانية إذا نحن اعتبرنا بعض الأمثلة الموجودة في عبرية – الإنجيل(47)».
8- كلمة : « بيع » الموجودة في الآية : « الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثير و لينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز(48)».
و معناها باللغة العربية المكان الذي يتعبد فيه النصارى أما في الآرامية فتدل ............... « على « بضة» قبة كانت في كثير من الكنائس القديمة(49)».
و اعتقد الجوالقي، نقلا عن بعض العلماء أن البيعة و الكنيسة فارسيان معربان و عنه نقل الإمام جلال الدين السيوطي الشافعي(50) ، و هو وهم ليس إلا.
9- لفظة : « التبار » و قد وردت في عدة آيات من القرءان الكريم، جاءت في قوله تعالى : « و كلا ضربنا له الأمثال، و كل تبرنا تتبيرا(51) » و في قوله تعالى : « إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، و إن أسأتم فلها، فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة و ليتبروا ما علوا تتبيرا(52)» و في قوله تعالى : « إن هؤلاء متبر ما هم فيه، و باطل ما كانوا يعملون(53) » و في قوله تعالى : « رب اغفر لي و لوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا و للمؤمنين و المؤمنات و لا تزد الظالمين إلا تبارا(54) ».
يفسر الزمخشري هذه اللفظة بقوله : « و التتبير : التفتيت و التكسير، و منه التبر و هو كسار الذهب و الفضة و الزجاج(55) ».
و لقد صادف جار الله الصواب فيما ذهب إليه، لأن المادتين في الآرامية، كما سنرى، متقاربتان جدا، و يقول إسماعيل بن حماد الجوهري : « التبار الهلاك، و تبره تتبيرا أي كسره و أهلكه(56) » و تبر مأخوذة من الآرامية ................ التي بمعنى كسر، و منها كما قال الزمخشري، التبر و هو كسار الذهب و الزجاج الذي أتى من اللفظة الآرامية .................. و جعله جلال الدين السيوطي من اللغة النبطية نقلا عن ابن حاتم عن سعيد بن جبير.
10- لفظة : « تجارة » الكائنة في تسع آيات بينات من القرءان الكريم. ثمانية، على صيغة تجارة غير مضافة و هي أولا، في أطول آية في البقرة، التي يقول فيها سبحانه : « يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، و ليكتب بينكم كانت بالعدل، و لا يأب كانت أن يكتب، كما علمه الله فليكتب و ليملل الذي عليه الحق و ليتق الله ربه و لا يبخس منه شيئا، فإن كان الذين عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل، و استشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتين ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى، و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا، و لا تساموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، ذلك أقسط عند الله و أقوم للشهادة و أدنى ألا ترتابوا، إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها، و أشهدوا إذا تباعيتم، و لا يضار كاتب و لا شهيد، و أن تفعلوا فإنه فسوق بكم، و اتقوا الله، و يعلمكم الله، و الله بكل شيء عليم(57) ». و ثانيا في قوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، و لا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما(58) » . ثالثا، في قوله تعالى : « قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين(59) ». رابعا، في قوله تعالى : « في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، يخافون يوما تنقلب فيه القلوب و الأبصار(60) ». خامسا، في قوله عز و جل : « إن الذين يتلون كتاب الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سرا و علانية يرجون تجارة لن تبور(61) ». سادسا، في قوله تعلى : « يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم(62) » سابعا، وثامنا في قوله تعالى : « و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها و تركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة، والله خير الرازقين(63) ». و لم ترد إلا مرة واحدة مضافة إلى الجمع الغائب في قوله تعالى : « أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين(64)». و إذا كان معنها في اللغة العربية معروف و به وردت في القرءان الكريم، فإنها كانت تدل في الآرامية، في أول عهدها على بائع خمر .............. و هو معنى أغفلنا عنه في هذا العصر، وإن كانت العرب قد استعملته أثرا من آثار أصل الكلمة. قال الجوهري(65) : « و العرب تسمي بائع الخمر تاجرا قال الأسود بن يعفر :
   و لقد أروح على التجار مرجلا
      بذلا بما لي لينا أجيادي
و تبعه في ذلك الفيروزاياذي فقال(66) : « التاجر الذي يبيع و يشتري و بائع الخمر ».
11- كلمة : « تنور» الكائنة في قول الله تعالى : « حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين و أهلك إلا من سبق عليه القول و من ءامن، و ما ءامن معه إلا قليل(67) ». و في قوله تعلى : « فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا و وحينا، فإذا جاء أمرنا و فار التنور، فأسلك فيها من كل زوجين اثنين و أهلك إلا من سبق عليه القول منهم و لا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون(68)».
و لقد تعرض لشرح هذه الكلمة كبار اللغويين عندنا، كان جني الذي قال في الخصائص : « أن التنور لفظة اشترك فيها جميع اللغات من العرب و غيرهم، و إن كان كذلك فهو ظريف، و على كل حال فهو فعول ( بتشديد الواو )(69)  أو فعول ».
كما نقل لنا عبد الرحمن جلال الدين السيوطي(70) جل أقوال الذين درسوا هذه الكلمة كأحمد بن يحيى الذي يرى أن التنور وزنه تفعول من النار، وكابن سيدة الذي يقول : « و هذا من الفساد بحيث تراه، و إنما أصل، لا يستعمل إلا في هذا الحرف و بالزياد، و صاحبه تنار ».
و لكن السيوطي هذا، ينقل في الإتقان عن الجواليقي و الثعالبي أنه فارسي معرب(71) ».
 و أحب أن ألاحظ في هذه الكلمة « تنور » لم ترد إلا مرتين في القرءان الكريم، و دائما في سياق قصة نوح عليه الصلاة و السلام، و حين الحديث عن الطوفان الذي وقع آنذاك، و هي ملاحظة أكاد أقول أنها شبيهة بالملاحظة التي أبديتها آن تحدثي عن لفظة البعير، و أملي هنا كما كان هناك، أن ييسر الله الأمر لمن يريد أن يستوفي هذا الموضوع الجليل حقه من الدرس.
و أعتقد أن ليس هناك شيء بمعنى – في انتظار ذلك – أن أبدأ في إلقاء الأضواء على هذه المفردة، عساها أن تكون حافزا متواضعا لمن يريد من علمائنا أن يغوص إلى أعماقها، فيخدم بذلك هذا الكتاب الجليل، المحفوظ بحفظ الله، دستور المسلمين الأزلي، الذي لم تعرف، و لن تعرف البشرية أسمى و أعظم منه.
تتركب هذه اللفظة في اللغة الآرامية من كلمتين اثنتين ، من كلمة « بيت » .......... التي سبق الإشارة إليها في رقم 6، و كلمة « نار » ........... الدالة على مكان النار، ركبتها تركيبا مزجيا لا يختلف في شيء عن التركيب المزجي في اللغة العربية و هكذا تكون عندنا « تنور » ...................
12- كلمة : « تين » في قوله تعلى : « و التين و الزيتون(72) » و لم ترد إلا مرة واحدة في القرءان الكريم. و هي في الآرامية ................
13- مفردة « مثقال » في قوله تعالى : « إن الله لا يظلم مثقال ذرة، و إن تك حسنة يضاعفها و يوت من لدنه أجرا عظيما(73)  » و قد وردت سبع مرات أخرى في القرءان الكريم(74) . معنى مثقال الشيء : « ميزانه من مثقله(75) » أو « ما يزن به و هو من الثقل، و ذلك اسم لك سنح(76) » و يقال له في الآرامية ...............


(1)  وهو بحث ينتشر تباعا في مجلة دعوة الحق : ظهرت أول حلقة منه بصدور العدد الثاني من السنة التاسعة ولا زال إخراجه مستمرا حتى اليوم.
(2)  سورة الرعد الآية 38.
(3)  سورة النحل الآية 103.
(4)  سورة يوسف الآية 2.
(5)  سورة الشعراء الآيات 193-194-195.
(6)  سورة طه الآية 113.
(7)  سورة الزمر الآية 28.
(8)  سورة الشورى الآية 7.
(9)  سورة الزخرف الآية3.
(10)  سورة فصلت الآية 44.
(11)  سورة الأحقاف الآية 12.
(12) الاتقان في علوم القرآن، الجزء الأول صفحة 137.
(13)  المصدر أعلاه نفس الصفحة.
(14)  المزهر في علوم اللغة وأنواعها، الجزء الأول صفحة 33 الطبعة الثالثة.
(15)  تحيل من أراد أن يعرف تاريخ تطور هذه اللغة وعلاقاتها باللغات السامية القديمة على كتاب :       Introduction de l’étude des langues sémitiques لمؤلفه Henri Fleisch حيث سيجد القارئي الكريم جميع المراجع القديمة والحديثة التي تناولت بالدرس هذه اللغة في الصفحات 131،86،79،73،72،71،67،55،50،49،19.
(16)  لقد تعرض جرجي زيدان إلى مدارس السريان التي من المحتمل أنها كانت قنطرة مرت عليها علوم اللغة الآرامية إلى اللغة العربية في كتابه تاريخ التمدن الإسلامي، الجزء الثالث صفحة 150 ذبعة دار الهلال.
(17)  أما تطور وتاريخ هذه التأثيرات وما آلت إليه من ازدهار أو انحطاط فقد طرقه بكثير من التفصيل الأستاذ محمد عطية الابراشي في كتابه الآداب السامية ابتداء من الفصل الرابع صفحة 42 إلى 55 كما أوضح حلول اللغة الآرامية محل اللغة العربية في صفحة 29.
(18)  الآية 31 من سورة عبس.
(19)  الكشاف، الجزء الرابع، صفحة 187.
(20)  الصحاح الجزء الأول صفحة 86.
(21)  المفردات في غريب القرءان صفحة 8.
(22)  الكشاف الجزء الرابع صفحة 186.
(23) الاتقان في علوم القرآن الجزء الأول صفحة 136.
(24)  17 العنكبوت.
(25)  الصافات 86.
(26)  النور 11.
 (27)  الفرقان 4.
(28)  سورة سبأ 43.
(29)  الأحقاب 11.
(30)  الأب رفائل نخلة اليسوعي في كتابه غرائب اللغة العربية صفحة 173.
(31) الأحقاف 22.
(32)  غرائب اللغة صفحة 173.
(33)  آل عمران 81.
(34)  الأعراف 54.
(35)  يوسف 65.
(36)  يوسف 72.
(37)  غرائب اللغة العربية صفحة 174.
(38)  الاتقان في علوم اللغة صفحة 139.
(39)  Introduction à l’étude des langues sémitiques صفحة 67.
(40)  Entrihrung in die Semitichen Sprachen صفحة 60 طبعة منيخ سنة 1928.
(41)  الآداب السامية صفحة 29.
(42)  30 القصص.
(43)  الزمخرشي في الكشاف صفحة 165 من الجزء الثالث.
(44)  القاموس المحيط الجزء الثالث الطبعة الأولى لسنة 1330 هـ صفحة 7.
(45)  الصحاح الجزء الثالث صفحة 1187.
(46)  الزيادة في كتاب السطور.
(47)  Encyclopédie de l’Islam صفحة 1174 الجزء الاول الطبعة الأخيرة (1959).
(48)  الحج الآية 40.
(49)  غرائب اللغة العربية صفحة 175.
(50)  الاتقان في علوم القرآن، الجزء الأول صفحة 139.
(51)  الفرقان 39.
(52)  الإسراء 8.
(53)  الأعراف 139.
(54)  نوح 28.
(55)  الكشاف الجزء الثالث صفحة 98.
(56)  الصحاح الجزء الثاني صفحة 600.
(57)  البقرة 282.
(58)  النساء 29.
(59)  التوبة 24.
(60)  النور 37.
(61)  فاطر 29.
(62)  الصف 10.
(63)  الجمعة 11.
(64)  البقرة 16.
(65)  الصحاح الجزء الثاني صفحة 600.
(66)  القاموس الجزء الأول صفحة 379.
(67)  هود 40.
(68)  المؤمنون 27.
(69)  الزيادة من كاتب السطور.
(70)  المزهر في علوم اللغة وأنواعها الجزء الاول صفحة 167.
(71)  الإتقان في علوم القرآن الجزء الأول صفحة 139.
(72)  التين 1.
(73)  النساء 40.
(74)  61، يونس، 47 الأنبياء، 16 لقمان، 3 و 22 سبأ، 7و8 الزلزلة.
(75)  الصحاح الجزء الرابع صفحة 1647.
(76)  المفردات في غريب القرءان صفحة 80.


        

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here