islamaumaroc

الفاضل ابن عاشور من القلائل الذين لا يأتي الزمان بنظائرهم الا الفينة بعد الأخرى

  دعوة الحق

129 العدد

سماحة الشيخ الوالد
أصحاب السعادة و الفضيلة
سيداتي سادتي
ما كان أقساها علي، تلك اللحظات التي بلغني فيها نعي الأخ الحميم و الصديق الكريم الشيخ الفاضل ابن عاشور. لقد فزعت فيه لا مالي إلى الكذب، و لكن هيهات أن يفر المرء من الواقع المرير.
و زاد في ألمي أنني حين كنت زرته بعد عودته من باريس إلى تونس سالما أملت أن تكون أزمة المرض انتهت و أن يكون الله تعالى قد من على والده الكريم و على طلبته و الأمة التونسية و علينا نحن أصدقاءه الكثيرين في المغرب و المشرق بإبقائه حيا لمواصلة الرسالة التي تحملها في سبيل خدمة العلم و الدين.
  و لكن ضربة القدر كانت قاسية علينا، و النكبة به شديدة مؤلمة، و ليس لنا نحن البشر العاجزين إلا أن نستسلم للقدر و نتخلق بأخلاق القرءان و نقول إزاء هذه المصيبة العظمى : ( إنا لله و إنا إليه راجعون ).
  و إنه لعزيز على نفسي أن أقف في هذا المقام راثيا مؤبنا لمن لا تعبر الكلمات عن مبلغ الألم به، و لا يجمل الصبر في فقد مثله، لأنه رحمه الله من القلائل الذين لا يأتي الزمان بنظائرهم إلا الفينة بعد الأخرى. و قد اختطفته المنية قبل إنهاء مرحلته التاريخية التي كان على موعد معها، و قبل أن يتمم بلاغه للأجيال التي وثقت بعمله و استمدت من فضله، و لذلك كان المصاب به أعظم من أن يعزى فيه أو يسلى عنه.
  كان الفقيد رحمه الله مثال الفضل و النبل، و عنوان العمل الجاد و النشاط المتواصل، بدأ نضاله باكرا و بزغت قيمته الفكرية منذ عهد الشباب، و عرفه إخوانه و رفاقه ثاقب الذهن ناضج الرأي. و كان أول ما سمعت عنه يوم انعقاد المؤتمر الأول لطلبة شمال إفريقيا المسلمين في فرنسا في تونس سنة 1931 و كان قدم تقريرا مفصلا عن حالة الزيتونة و التعليم العربي و الإصلاح الذي يلزم إدخاله على الجامعة التاريخية. و قد أعرب فيه عن أفكار نيرة و آراء سديدة في مسائل التربية، و أن محتوى ذلك التقرير لا يزال وقتيا صالحا للاستفادة منه.
  و منذ الساعة و الفقيد يواكب الحركة الفكرية في تونس و يعمل مع الشباب على خدمة النهضة التونسية الموفقة حتى أصبح من أقطاب الحزب الحر الدستوري و من رجال التوجيه و التنوير في وسط الأجيال التونسية عموما، و الزيتونية على الخصوص، و من دعاة وحدة المغرب العربي الصادقين.
  و إذا كنت لا أرمي في هذه الكلمة العاطفية للحديث عن حياته و أعماله لأن ذلك يتطلب مؤلفا خاصا، فإنني لن أترك الحديث عن ثلاثة جوانب للفقيد لمستها بنفسي و خبرتها من اتصالاتي به و معاشرتي له.
الجانب الأول : ما يرجع لثقافة الأستاذ، فقد كان رحمه الله مثقفا بكل معنى الكلمة مطلعا على شتى العلوم الإسلامية مقتدرا جادا في إبرازها درسا و إملاء و كتابة.
  و كان من أحب العلوم إلى نفسه علم الكلام و علم الأصول فقد كان يتحدث فيهما حديث مطلع متعمق
في فهم مسائلهما، مدرك لأسرارهما. و هذا الميل إلى المعقول عنده هو الذي كون منه الرجل المفكر صائب التفكير، و العالم المدقق في ترتيب العلوم العارف بمداخلها و أغوارها. و الأستاذ المنظم الذي يعرف كيف يوجه الدراسة و ينسق فنونها. و لقد تبرز في دروسه التي كان يلقيها في كلية الشريعة، و في الدروس المسجدية التي سمعناها منه، حين حضوره للمجالس السلطانية في المغرب و في المحاضرات و الأمالي التي ألقاها في كثير من النوادي و المحافل. و أبحاثه في المجامع اللغوية. لقد كان خير مبلغ للفكر التونسي و خير مرب للشباب و داعية للحق، و إنه لقليل أولئك العلماء في هذا العصر الذي ينسجمون مع طلبتهم إلى الحد الذي يصبح هؤلاء مريدين لهم متشبعين بمبادئهم متطلعين لأن يكونوا على غرارهم. و الحق أن الشيخ ابن عاشور كان من أولئك الرجال الذين يطبعون تلامذتهم بطابع المعرفة التي ينقلها إليهم، و إن تلامذته الذين اجتمعت بهم ليتحدثون عنه بكل إعجاب و تقدير و يتلقفون كلماته و أفكاره بكل عناية و تعطش، و ينسجون على منواله في الدرس و المواظبة.
  و حينما دعاني رحمه الله في السنة الماضية لإلقاء محاضرات عن المدخل الديني في كلية الشريعة و أصول الدين، أرسل إلي المنهج الرسمي للكلية، و ما أمعنت النظر فيه حتى أعجبت به و قد علمت أن الفقيد كان في طليعة اللجنة التي وضعته و أنه لجدير أن ينقل إلى الكليات الإسلامية لما فيه من المنهجية العصرية و البرمجة التي من شأنها أن تكون طلبة معبئين بمبادئ العلوم الإسلامية المعقول منها و المنقول مهيئين لأن يتخصصوا في أي ناحية أرادوها من العلوم الإنسانية الأدبية و القانونية، و ذلك ما يشهد بعظيم مقدرته التربوية و دربته في تنظيم التعليم و حسن توجيهه.
  أما الجانب الثاني : ففي روحه الوثابة التي دفعته للمساهمة مع أبناء وطنه داخل الحركة الوطنية الدستورية طيلة أمد الكفاح الأول من أجل الإصلاح و في سبيل الاستقلال. و كان رحمه الله يؤمن بضرورة الوحدة المغربية و يعمل لها و يرى في بعث اللغة العربية و إنمائها خير رباط لهذه الوحدة. و يلذ لي أن أنقل من طليعة تقريره الذي أشرت إليه ما يلي : ( إن المشكلات العديدة التي تعرض علينا صباح مساء في أشكالها المختلفة حول وحدة الشمال الإفريقي و الطرق التي نتوصل بها إلى حفظ ذاتيته و إبقائه كما كان وطنا واحدا لهي ناطقة من نفسها بأهمية هذا الموضوع الجليل و منزلة هذه المشكلة الكبرى منها منزلة الرأس من الجسد، مشكلة التعليم القومي و اللغة العربية لشمال إفريقيا.)
  و لقد تمخضت الجهود إلى الجهاد في سبيل إحياء العربية و إعزازها حفظا لرابطة العروبة السائدة بين أقطار وطننا الأكبر و التي لا تزال أمتن روابط الإتحاد و أقوى أواصر القرابة، و جمعت كلمة مفكرينا على أن العربية بجب أن تكون لنا لسان التعليم القومي و هي الأساسية في كل مدرسة قومية، لذلك نرى من أهم المسائل التي تشغل بال هذا المؤتمر مسألة التعليم العربي في حالته الحاضرة بتونس و ما يجب أن تكون عليه ).
تلك فترة واحدة من كلماته النيرة تحمل برنامجا كاملا لوحدة المغرب العربي و على أساس إبقائه كما كان وطنا واحدا عربيا مسلما.
  و من المعلوم أن الفقيد انتخب مستشارا أمينا في الديوان السياسي كما كان له و إخوانه طلبة الزيتونة موقف حاسم من المؤامرات الاستعمارية على الإسلام و القومية التونسية في المؤتمر الأفخارستي و ما يرمز إليه من غارة منظمة على العالم الإسلامي.
أما بعد الاستقلال فقد بذل جهودا مشكورة في التوفيق بين تعاليم الإسلام و مقاصد الدولة في إصلاحاتها، و كان في ذلك مرنا واسع الأفق، و قد مثل تونس في كل المؤتمرات و المجتمعات التي تعمل لخير الإسلام و لإيقاظ الشعوب الإسلامية و توحيدها.
و لقد لمست روحه الطيبة و إيمانه بقضية الجامعة الإسلامية حين انتخب ممثلا لتونس في المجلس التنفيذي لرابطة العالم الإسلامي التي انعقدت بمكة المشرفة فجاء يحمل إلينا رسالة التضامن التام من تونس دولة و شعبا، تلك الرسالة التاريخية التي وقعها المجاهد الأكبر مقدما بها الشيخ ابن عاشور و مؤكدا مصادقة رئيس الجمهورية على ما يبذله من نضال باسم تونس في سبيل القضايا الإسلامية و ما تدعو إليه الرابطة من أعمال نافعة.
  لقد التقينا مرارا في اجتماعات الرابطة و اشتركنا في دراسة الخطط التي يقرر تنفيذها، لتحقيق دعوة الحق التي تنادي الرابطة بها. فكان الشيخ رحمه الله من الحواريين الصادقين في خدمة تلك الدعوة بالفكر الصحيح و الإشارة المفيدة، و الحماس القوي و الإخلاص العميق، و قد أبلى البلاء الحسن في نشر فكرة التضامن الإسلامي و الدعوة إلى عقد مؤتمر قمة للدول الإسلامية
و إن محاضرته العظيمة التي ألقاها في تونس بمحضر من المجاهد الأكبر و رجال الدولة و الحزب لمثال صادق للمفهوم الصحيح الذي كان يعبر عنه، لوحدة المسلمين و تضامنهم في إقامة بعث إسلامي يعيدهم إلى الخط المستقيم الذي كانوا عليه في العهود الأولى، و ليسيروا مع التاريخ في بناء الحضارة الإسلامية الجديدة، و مع الإنسانية في خدمة الخير و السلام و الإخاء بين الأفراد و الشعوب.
  و رأيته رحمه الله في المؤتمر التأسيسي لجمعية الجامعات الإسلامية الذي دعت إليه جامعة القرويين يناصر فكرة التنسيق بين الجامعات و توحيد البرامج و المناهج فيما بينها. و يناضل من أجل استمرار الدراسة الإسلامية متفوقة في مواردها و في أساليبها، حتى تواصل تكوين العلماء الأفذاذ الذين يستطيعون مواجهة العصر بما يحتاجه من شرح لتعاليم الإسلام و توضيح لمقاصده، و دفع لشبهاته الجديدة بمنطق العصر الجديد أيضا. و قد أضطلع رحمه الله بعد ذلك بتقديم هذه الجمعية إلى مؤتمر المنظمات الإسلامية العالمية المنعقدة بمكة، و إلى مطالبة رابطة العالم الإسلامي بإمدادها بالمساعدة المادية حتى تستطيع القيام بواجبها المنوط بها.
و في مؤتمر المنظمات الإسلامية العالمية المنعقد أخيرا في مكة قام بجهود مشكورة للتوفيق بين مختلف الآراء التي كانت تعرض كما طرحت قضية شائكة من قضايا المسلمين.
  أما جانبه الثالث : فهو تدينه الصادق و مواظبته على القيام بشعائر الإسلام على الصفة التي يجب أن يقوم بها المؤمن التقي و العالم العامل. و قد جمعني الله به في مواسم الخير فحججنا معا مرتين و اشتركنا في أداء العمرة مرارا، و كان نزل الرابطة يجمع بيننا في بيت واحد بمنى، فكنت أرى من حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها و من القيام بالنوافل و تلاوة القرآن و قراءة الدعوات النبوية الصالحة، ما حببه إلى قلبي و رفع من قيمته في نفسي.
و جمعتني الأقدار كذلك معه في نزل شبرا بمكة فكنت أراه في كل الأوقات  الليلية و النهارية مسرعا إلى البيت الحرام مؤديا للفريضة على وجهها ذاكرا خاشعا و طفنا معا في البيت الكريم فرأيت من تعلقه بالله و تخنثه بجواريته و دعائه، و ضراعته و بكائه، ما يدل على قلب عامر بالتقوى و نفس مطمئنة بالدين.
  إن شخصية الشيخ ابن عاشور تتمثل أكثر في هذا الجانب الديني الذي أصبح التمسك به اليوم غريبا و عزيزا. و إن ليلذ لي أن أروي هنا تجربة روحية جرت لنا معا. ففي شهر رجب من السنة الفارطة، اعتمرنا و اجتمعنا في الرابطة ثم دعانا الأمير مشعل للمشاركة في غسل الكعبة المشرفة كالعادة في مثل هذا الوقت من كل عام، فدخلنا الكعبة و صلينا ركعات في جوانبها الأربعة تحقيقا لقوله تعالى ( فأينما تولوا فثم وجه الله) ثم بدأنا نفيض على الأرض من الماء الطيب، في خشوع يذهل الواحد منا عن الآخر، و أخذت مكنسة من ذوات العصي لأعمم بها الماء المطيب بالورد و الزهر على الأرض الطيبة. و إذا بالفقيد يبحث عن مكنسة مثلها فأخذت بيده، و قلت له لنشترك معا في هذه، و أخذنا نواصل العمل معا. و إذا بالشيخ يخشع و يأخذه البكاء و يأخذ بيدي يقبلها فقبلت يده و أصابني من الوجد و البكاء ما أصابه و وقفنا نسبح و نحمد الله و دعوناه سبحانه للإسلام و المسلمين بما نرجو من الله قبوله و قد استحضرت بعد ذلك قول الشاعر :
                            فلو قيل مبكاها بكيت صبابة
                                             بسعدي شفيت النفس قبل التندم
                            و لكن بكت قبلي فهيج لي البكا
                                             بكاها فقلــت الفضــل للمتقــدم
 
   إن هذه الروحانية التي كان الفقيد يحملها، تنعكس على أخلاقه.
فقد كان حسن الصفات طيب النعوت، و كان يقبل الحق متى تعين، و يرجع عن رأيه إذا تبين له غيره. و لذلك أصبح محبوبا عند عارفيه مقبولا عند مخاطبيه، فكانت المصيبة به كبيرة و النكبة بفقده جسيمة.
  و إنا لنرجو الله سبحانه أن يثيبه على إيمانه بربه و صدق طويته في خدمة دينه. و أن يجعل البركة في والده الكريم و البقية الباقية من علما ء تونس و رجالها، و أن يجعل من ولده و ذريته خير خلف له، ليسير على منواله، و يقتفي أثره.
كما نسأله سبحانه أن يطيل عمر المجاهد الأكبر و رفقائه المخلصين و يوفقهم لمواصلة العمل لصالح تونس و المغرب العربي و العالم الإسلامي، و صدق الله العظيم : « إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم و يغفر لكم ).

          

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here