islamaumaroc

واعتصبوا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

  دعوة الحق

129 العدد

  من الجلي الواضح أن أمة الإسلام في حقيقة أمرها أمة واحدة في أولها و ءاخرها، قائمة على الحق باعتبار مجموعها، و قوية بإيمانها و طبيعة دينها، و أن المسلمين شرع سواء لا يتميزون عن بعضهم بعضا إلا بما اكتسبوه من علم و فضل، و بما قدموه من خير و نفع « إن أكرمكم عند الله أتقاكم » و التقوى هي العمل الصالح القائم على الإيمان بالله، و الطاعة لرسول الله، و لقد أسبخ الله نعمته على المسلمين بالإسلام، و أكمل دينه بمحمد صلى الله عليه و سلم، فعظم بمكانه جانب الحق، و رفع بنظامه مستوى الخلق حتى بلغ بالإنسان درجة التطور و الاختيار، و حركة التقدم و الازدهار، و لم يكن ذلك مفاجأة و لا مصادفة، بل جاء نتيجة تنشئة الناس على الخلق الفاضل و الأدب الكامل، و تربيتهم على دين الفطرة الواضح، و ممارسة شؤون العمل الصالح، و اعتبار الظروف و الملابسات، و اكتشاف الأحوال و الطاقات، و إنما شجرة الإيمان في القلوب، و إحياء الموات بكل قوة و بكل أسلوب، حتى يكون العمل الاجتماعي ناشئا عن قصد و إخلاص، و ناتجا عن معرفة و اختصاص، و تلك هي التربية التي يمكن بواسطتها إن شاء الله كسب الحمد و المجد، و حسم مادة الشرور و الغرور، التي تفشت في حياة المسلمين، و أصبحت حجة على الإسلام في نظر الملاحظين، الذين ينكبون على دراسة أحوالنا و أعمالنا و في قلوبهم مرض، و الذين يصدون أحكامهم علينا و في نفوسهم غرض.
  و غير خاف أن حياة الإسلام تقوم على الإيمان بالله إيمانا صادقا، و الجهاد في سبيل الله جهادا ناطقا، و تدور على قاعدة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر – و غاية الإيمان بالله شعور الإنسان بعزته و كرامته – و بحريته واستقلال فكره، فلا يخاف أي مخيف، و لا يخضع لأي مخضع و إنما يخاف سطوة الله، و يخضع لأمر الله، و الغرض من الجهاد دفع عداء غلو الطبيعة، و إقناعها بضرورة احترام الحق و الحقيقة، و هدف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سلامة المجتمع من كل ءافة تعرضه للخطر في حاله أو في مآله، و تهدئة أفكاره، و تنمية أنظاره لاستكشاف طرق النهضة في حياته.
  و من البدائة أنه لا يقوم بناء تام الأركان صحيح الجوانب إلا على أساس متين من الإيمان و التقوى « أفمن أسس بنيانه على شفا جرف هار » فالإيمان و التوحيد، و التقوى و الاستقامة، و العدل و المعرفة، و الوحدة و الاجتماع، و الصدقة و الإخلاص، هي مكارم الأخلاق، و هي فضائل الدين و محامده، و عليها تترتب، و بها تتحرك كل حياة في مادة الأشياء، فلا دين بغير هذه المعاني، و لا نهوض بدون علم، و لا حياة بدون عدل، و لا قوة بدون اجتماع، فإذا كنا ننشد الوحدة لأنها قوة الإنسان في الحياة، فإننا لا ننشدها من طريقها، و لا نطلبها من موضعها، و لذلك ستظل أملا ضائع، و حلما باطلا، اللهم إلا إذا استندت إلى نظام الإسلام الصحيح
و نبتت جذورها من أصل التربية التي بثها الإسلام في نفوس أصحابه، و قررها بواقع حياته، و كيف تتحقق و حدة المسلمين و نحن منحرفون عن جادة الإسلام، ناكبون عن صراطه المستقيم، و كل منا ينظر بمرءاة خاصة إلى جهة من الجهات، يستمد منها العزة و القوة، و يستوحي برامج الحياة و النظام، و كيف نترجاها و لا نستطيع أن نؤدي معناها في نفوسنا، و لا أن نرسم الخطوط لها في حياتنا، و كيف نراها قريبة من  و لغة القراءن تستغيث، و معالم الحق تختفي، و صور المكارم تنمحي، فأين هي مقومات الوحدة ؟ و أين هو الوجود الصحيح لأصحاب هذه الدعوة ؟ فلقد قسونا على تراثنا، و لبسنا جلدا غير جلدنا، و استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
  و نقول في صراحة و نصاحة : أن العلماء و الزعماء قد عجزوا أن يمهدوا السبيل في هذا العصر إلى غيرهم من عوام الناس، و قد ضعفوا أن يمثلوا الإسلام على وجهه في حياتهم فلم يستطيعوا مقاومة التيارات الخارجية، و الاعتبارات الأجنبية بالوسائل الإيجابية المقنعة، و لم يقدروا أن يقرروا للناس الأخلاق بقانون حياتهم، و أن يظهروا لهم المعاني بأسلوب عملهم، و قد غلب هذا الدين أيام كان رجاله قوامين على حياته، و قد أثر هذا الدين حينما كان الناس يتمتعون بروحانيته – و بدون هذه القوة السارية في الحياة – سريان الماء في الطبيعة – لا تتأثر النفوس بالأقوال المجردة، و لا تتحول عن قانون المادة .
  فجهل المسلمين بحقائق دينهم و مقاصد شريعتهم أولا. و تأخر العلماء عن البيان و الهداية و جمودهم ثانيا. و تبرم القادة و الزعماء عن سياسة القصد و الرشد ثالثا. و سيرة الاستعمار المنكرة في بلدان الإسلام رابعا. كل ذلك سبب الوقوع في هاوية الفرقة و الوحشة، و خيب أمل الإسلام في أهله و ذويه.
  إن هيبة المسلمين و وحدتهم منوطة بالعودة إلى الإسلام الصحيح و التسلح بأخلاقه، و التمشي على صراطه، و لا شك أن فيه من الإمكانيات و المعطيات ما يرسم المقاييس الصحيحة و يحقق المعجزات. فإما الدين فهو أساس الخلق الاجتماعي في الأمة، يخلق قانون الضمير، و يشيد محكمة العدل في كل إنسان، و يحقق فضائل الحياة، و وسائل السعادة، و يضع القلوب موضعا واحدا على اختلاف مظاهر أصحابها و منابت أشجارها،و يلعن قانون الإلحاد و الاستعباد، و يطلب العمل من كل فرد بقوة و نشاط، و يفرض استقامة النفوس على طاعة الحق و القانون، و بدون هذه الطاعة لا يستقيم أمر، و لا يستقر نظام، و كلما ضعفت هذه الصيغة في الدولة اختل نظامها، و اضطرب حبلها، و كفر بعضها ببعض.
  وأم اللغة فهي حياة الأمة و صورتها الناطقة من قبل و من بعد تتوحد بها صور تفكيرها و أساليب حياتها. و إذا ما ضاعت اللغة انقطعت الصلة بالماضي الجميل، و تعذرت الوسيلة إلى استيحاء تاريخ الآباء و الأجداد، و إذا كان الشعب لا يكبر شأن لغته، و لا يقيم وزنا للسانه فلا ينتظر منه أن يقوم بدور السيادة، و لا أن يسهر على عناصر العزة و الكرامة، و من السهل احتلال عقله، و استغلال أرضه، فيؤدي ذلك إلى انقلاب في الأخلاق، و تغيير في السلوك، و تبذل في الاتجاه، و بذلك تصبح القومية صورية لا حقيقة لها، و الحياة وهمية لا أهمية لها.
  فالصور الحقيقية للوحدة لا تأتي إلا من قوم أخلصوا لعقيدتهم، و ءامنوا بوجودهم، و اعتمدوا على جهودهم، و حكموا بعدل الإسلام في محاكمهم و ردوا اللغات ما أمكن إلى لغتهم و أخذوا العلوم ما استطاعوا بلسانهم، فإن المعارف لا تمضغ و لا تهضم إلا باللسان الطبيعي، و لذلك قال الله تعالى : « و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم » فالبيان لا يكون إلا بلسان القوم، و من تم قدم أسلافنا رحمهم الله على ترجمة علوم اليونان و غيرها إلى لغتهم، فتمكنوا منها، و تأتى لهم بذلك أن يكتشفوا، و أن يخترعوا، فهؤلاء هم الذين تظللهم راية الوحدة، و تربطهم روابط النسب، و تهيمن على مظاهر حياتهم سلطة الروح، و قوة الإيمان، و مما زاد في بعد الشقة و طول المسافة بني المسلمين وجود المشاغبات و المنازعات بين الفرق الإسلامية و المذهبية،  مع أنه لا داعي إلى ذلك ما دام الكل يعتصم بكتاب الله عز وجل، و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و يجتهد في أخذ جملة الأحكام منهما. و المجتهد مأجور أصاب أو أخطأ، و من شأن هذا التنازع أن يزيد في إضعاف قوة المسلمين،و أن يساعد عليهم أعداءهم و أضدادهم و نحن في أمس الحاجة على شد أواخي الإخاء، و إلى الجمعة و الوحدة بدلا من الفتنة و النفرة التي قد تفضي بنا إلى مزيد من القلاقل و كثير من المشاكل، و قد حذرنا الله سبحانه من ذلك بقوله : « و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا »
.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here