islamaumaroc

من أطوار الاستشراق ومراميه -1-

  دعوة الحق

129 العدد

  في نطاق المهرجانات الثقافية التي تنظمها كل أسبوع، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي، ألقى فضيلة الأستاذ السيد محمد الطنجي رئيس قسم الوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية محاضرة قيمة تحت عنوان: "من أطوار الاستشراق ومراميه" وقد لقيت هذه المحاضرة استحسانا كبيرا من الحاضرين الذين غصت بهم قاعة المحاضرات بنفس الوزارة.
 
ويسرنا أن نقدم لقرائنا المحترمين القسم الأول من هذه المحاضرة القيمة شاكرين للأستاذ محمد الطنجي فضله وتلبيته...
 
أيها السادة الأفاضل والسيدات الفضليات، السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: فقد شرفتني وزارة الدولة المكلفة بالثقافة والتعليم الأصلي بانتدابي لأتحدث إليكم في موضوع أختاره، فأشكرها على دعوتها الكريمة وأقدر جهودها المباركة في نشر الوعي الثقافي، راجيا من المولى سبحانه التوفيق في القول، والإصابة في الرأي والنقل.

 
وجهة اختياري لموضوع هذا الحديث:
بما أن العالم الثالث المتخلف صناعيا كما يقولون أخذ ينهض من كبوة هذا التخلف العلمي والصناعي ويأخذ بأساليب التطور الذي تفوقت فيه أوربا، ونظرا إلى أن العرب وقت ازدهار مدنيتهم وحضارتهم كانوا تبنوا علوم الأوائل من الإغريق والروم والفرس والهند ونموا تلك العلوم وزادوا فيها وجعلوا القسم الذي يقبل التطبيق منها تطبيقيا لا نظريا فحسب، فأخذت أوربا جميع ما كان عند العرب كما سيتضح وذلك بواسطة علماء تخصصوا في اللغة العربية واطلعوا على جميع ما نقله العرب أو استحدثوه، نظرا لهذا كله جعلت موضوع هذا الحديث: (من أطوار الاستشراق ومراميه) حتى تتصل حلقات النهضة العلمية بين الماضي والحاضر تاريخيا، وحتى نتعرف في الجملة على بعض الأطوار التي مر فيها الاستشراق وبعض مراميه، لأن استيعاب الكلام عليه يحتاج إلى طول وقت وبحث مستفيض ذلك أن العلماء الذين تخصصوا في هذه الميادين هم من دول متعددة مختلفة الجنس واللغة فحسبي أن آخذ صورة واضحة عنهم وعن مقاصدهم من نفس تصريحات بعضهم، وما كتبه الباحثون المسلمون عن إنتاجهم. 

  لفظ الاستشراق:
والاستشراق بزيادة السين والتاء على لفظ الشرق، وهما للطلب كقولنا استفهم أي طلب الفهم، يشتق منه وصف المستشرق الذي يطلق على الشخص الذي اطلع على لغة وأحوال العرب وعلومهم وحضارتهم بوجه خاص أو على المطلع على لغة وأحوال الشرق وعلوم أهل الشرق بوجه عام والاستشراق مثل الاستعراب استعمال قديم فقد استعمله ابن الفرية، وهو من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، فإنه قال لما سأله الحجاج عن أهل البحرين نبط استعربوا قال فأهل عمان، قال عرب استنبطوا وذلك يكون إما لغة أو انتسابا أو لعلاقة أخرى.

الإشارة إلى مبدأ نقل العلوم الفلسفية:
ولا بأس أن نشير هنا إشارة خفيفة إلى مبدأ عناية الدولة الإسلامية وقت ازدهارها بعلوم الأوائل ونقلها بكل أمانة والتوسع في دراستها حتى كانت نهضتها شاملة عامة دينا ودنيا. فقد التفتت الأمة العربية الناهضة إلى ما عند الأمم القديمة من علوم
وفلسفة وفنون فانتدبت لها جماعة ممن يعرفون هذه اللغات ذكر ابن النديم في الفهرست جملة منهم، ومن هؤلاء من كان يعرف اليونانية أو السريانية أو الرومانية، وقد ابتدأت ترجمة العلوم قبل عهد المأمون العباسي، وكانوا يسمون الترجمة نقلا، يقول ابن النديم حكاية عن خالد بن يزيد بن معاوية الذي يسمى حكيم آل مروان، كان فاضلا في نفسه وله همة ومحبة للعلوم، وخطر بباله الصنعة، - لعل المراد هنا خصوصا كتب الكيمياء وتحويل المعادن الذي كان خالد مغرما به- فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر وقد تصفح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، قال وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان وكان بالفارسية إلى العربية في أيام الحجاج وذكر من نقله ثم قال: فأما الديوان بالشام فكان بالرومية ثم قال ونقل الديوان في زمن هشام بن عبد الملك ثم ذكر قولا آخر أنه نقل في زمن عبد الملك نفسه، ويذكر ابن النديم عنوان المترجمين هكذا "أسماء النقلة من اللغات إلى اللسان العربي"، ويقول في ترجمة ابن زرعة أحد المتقدمين في علوم المنطق والفلسفة والنقلة الموجودين، كما كانوا يسمون أحيانا الترجمة تفسيرا في بعض الأحيان يقول ابن النديم في ترجمة متى بن يونس "له تفسير من السرياني إلى العربي" وإليه انتهت رياسة المنطقيين في عصره.  وكان هذا النقل من لغة الإغريق والفرس والسريان والهند والقبط إلى اللغة السائدة في ذلك العهد وهي العربية، وقد يشتبه في صحة إطلاق القول بالنقل من كل هذه اللغات بما ذكر الفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون حيث قال: إن العلوم التي وصلت إلينا هي أقل من العلوم التي لم تصل إلينا فأين علوم الفرس والكلدانيين والبابليين والأشوريين والأقباط القدماء فإنها كلها ذهبت ولم يبق من العلوم التي وصلت إلينا سوى علوم اليونانيين التي انتهت إلينا بسبب اجتهاد الخليفة المأمون في ترجمتها وإنفاق الأموال الطائلة عليها.
 
فيرد هذا الاشتباه بما ذكره المستشرق البارون كرادوفو حيث قال أن فيه شيئا من المبالغة لأنه وصل إلى المسلمين أشياء لا تنكر أهميتها من معارف الفرس والهنود واليهود، ولكنه على كل حال كلام يدل على سعة علم ابن خلدون من جهة العلم بالمدنية البشرية انتهى كلام هذا المستشرق نقله الأمير شكيب أرسلان رحمه الله في ملحقه على تاريخه ابن خلدون، وقد رأيت بنفسي في فهرست ابن النديم أسماء عدة كتب ذكر أنه نقلت من اللسان الفارسي أو السرياني إلى العربي، وبناء على هذا يكون الواقع ما ألمعنا إليه من تعميم النقل من معارف الأمم التي ذكرت وقد مر عن ابن النديم ما يؤيد ذلك فأتحف الساهرون ترجمة تلك العلوم المكاتب والمعاهد الإسلامية بها فعكف المسلمون وفهموها وفحصوها واستنبطوا منها وزادوا في تنميتها ما زادها قيمة ورفعة حتى صارت بلادهم قبلة للطلاب الراغبين في المعرفة من كل أنحاء العالم سواء في الشرق أيام العباسيين أو في الأندلس أيام ازدهارها في عهد الأمويين والمرابطين والموحدين وحتى في شمال إفريقيا إلا أن الزمان دار دورته بسكان المعمور عن التبادل الثقافي في هذه الحقبة من التاريخ أمم اعتراها الهرم أو الكسل، ونهضت أمم أخرى من غفلتها بالجد والمثابرة والعمل ففاقت غيرها في مختلف العلوم والفنون. فكما وجدت جماعة من العارفين باللغات القديمة في صدر الدولة الإسلامية جهود المستشرقين في الاطلاع على علوم العرب حتى ترجموا علوم غير العرب إلى اللسان العربي تعلم جماعة من الأوربيين وغيرهم اللسان العربي وغيره فبحثوا في علوم العرب وحضارتهم وتاريخهم وترجموا ما رأوا فيه فائدة، وما عادت به عليهم خير عائدة في نهضة أوربا الحاضرة، وهؤلاء هم الذين يسمون في هذا العهد بالمستشرقين أو المستعربين، وقد أدوا خدمات جلى للسان العربي والعلوم العملية وحتى للعلوم الدينية الإسلامية من قرآن وحديث، يقول الدكتور منصور فهمي أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية رحمه الله في تقديمه لكتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لواضعه محمد فؤاد عبد الباقي: ولقد اتجه نفر من مفكري الغرب إلى التنزيل الحكيم حين استبانوا منزلته وتأثيره العظيم في طبقة كبيرة من البشر، وحين توثق الاتصال بين الشرقيين من المسلمين وبين الغربيين لمختلف الدواعي والأغراض، فعمل هؤلاء الغربيون على تيسير الرجوع إليه واستخراج ما يحتويه، فأنشأوا فهارس مختلفة الضروب كان من أكبرها نفعا كتاب نجوم الفرقان في أطراف القرآن لمؤلفه فلوجر المستشرق الألماني المطبوع في ليبسك عام 1842. ويقول فؤاد واضع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن في مقدمة كتابه في حق كتاب (فلوجر) المذكور فقد اعتضدت   به وجعلته أساسا لمعجمي، وهذا المستعرب هانري لاهوست الفرنسي يضع بحثا عن الحركة السلفية بالفرنسية فيعربه الأستاذ الكبير السيد محمد بن الحسن الوزاني ونشرته مجلة المغرب الجديد التي كانت تصدر بتطوان تباعا.
 
ومن المستشرقين من وضع فهارس لمجموعة كبيرة من أحاديث الرسول مع بيان من أخرجها من أئمة المحدثين ووضع فينسنك مفتاح كنوز السنة كما وضع تفصيل آيات القرآن حسب الموضوعات، وقد أشار المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل مؤلف (حياة محمد) في محاضرة ألقاها بدار الأيتام ببيروت تحت عنوان (حضارة أوربا وحضارة الإسلام) إلى كتاب "وجهة الإسلام" الذي ألفه خمسة من المستشرقين واعترفوا فيه بمسايرة الحضارة الإسلامية لكل العصور، ويوجد عدد غير قليل من المنصفين المستشرقين الذين اعترفوا في أبحاثهم بفضل الحضارة الإسلامية وأنها الأساس الواضح لنهضة أوربا الحاضرة.
 
ويقول جوزيف ماكيب في كتابه (مدنية المور) بالأندلس وكانوا أي مسلمو الأندلس يعرفون جميع ضروب الفلسفة هندية كانت أم يونانية إلا أن أرسطو كان هو المعلم الأكبر في نظرهم، لما تكلم الشاعر الكاثوليكي دانتي في القرن الثالث عشر على الفلسفة لم يذكر ولا رجلا واحدا نصرانيا وإنما ذكر بعده ابن سينا وابن رشد وساوى بينهما وبين المعلم الأكبر في الشرق حيث سمى الجميع آل بيت الحكمة، قال جوزيف ماكيب: وهذا يدلنا على أن الفضل في النهضة الفكرية في أوربا يرجع إلى المور الذين أحيوا فلسفة اليونان بعد دروسها قبل النهضة الأخيرة الأوربية بأربعة قرون، كما ذكر أن ابن رشد هو الذي ألف الشرح الشهير لكتاب أرسطو، وقال جوزيف ماكيب في حق كتابه (مدنية المور) وتأليف صغير كهذا لا يسع شرح ما عمله المور في خدمة العلم ولو بغاية الاختصار ولاسيما خدمتهم للرياضيات والفلك والكيمياء والطب. 
 
وعليه فخدمة المستشرقين للحضارة العربية والمدنية الإسلامية وحتى لعلوم الدين الإسلامي لا تنكر، وقد فتحوا بأبحاثهم وترتيبهم لموضوعات هذه الحضارة والمدنية مجالات شتى أمام أهل هذه المدنية العريقة في العظمة والمجد، والتي خلفت للعرب ذكرا خالدا شاهدا بما كان لهم من خدمة للعلم والفلسفة والمعرفة.

بعض المستشرقين جاوزوا حدود البحث العلمي
إلا أن الكثير من هؤلاء المستشرقين جاوزوا حدود البحث العلمي كما يدعون إلى ميادين أخرى مشوبة بأغراض ومطامع لا يرتضيها علم صميم ولا خلق قويم، ومن الملاحظ أن كثيرا من مفكري المسلمين أخذوا يكتبون عن الغزو الفكري الذي مهد للغزو المادي الأوربي وصاحبه وقت سيطرته واستغلاله للعالم الثالث المتخلف صناعيا، ثم بقي الغزو الفكري بهذا العام الثالث بعد استقلال أغلب أقطاره بآثاره السيئة ورواسبه المقيتة وربما كان من آثاره أنه فكك وحدة بعض الشعوب وأضعف قوتها فاضطربت سياستها وضعفت عقيدتها الدينية فأصبحت في فوضى أخلاقية لا يبقى معها الضمير الحي والوازع الداخلي فشاع الانحراف في السلوك واضطرب الاستقرار الاجتماعي وقامت في بعض الشعوب ثورات لا مبرر لها غير حب السيطرة وحب الرئاسات فاقتضى الحال مراجعة المواقف ودراسة العوامل والأسباب التي نتج عنها الاضطراب والفوضى الفكرية.

مراجعة العواقب التي خلفها الاستعمار:
وقديما قال الحافظ بن الجوزي في كتابه صيد الخاطر: "أنه لاحظ أن من عثر في مشيه بشيء التفت إليه لينظر ما أصابه منه" فلذلك ينبغي أن نلم بالبواعث التي بعثت هؤلاء المستشرقين على دراسة اللغات الشرقية بوجه عام والعربية بوجه خاص حتى نتعرف على قصدهم لنتخذ الحيطة فيما نقبله أو نعيد النظر فيه من الأبحاث التي قدموها للعالم الإسلامي كأبحاث علمية بعيدة عن الشهوات والأغراض، فإنه يجب على كل عاقل أن يميز بين ما يقدم إليه ليأخذ النافع ويمتنع عن الضار في جميع المجالات.

كلمة توجيهية لطاغور شاعر الهند:
وفي العهد الأخير وجه شاعر الهند ومربيها الكبير طاغور كلمة قيمة في مؤتمر عام لطلبة المدارس عقد تحت رئاسته في حاضرة البنجات في الهند، ينبغي لفت نظر طلبتنا إليها حيث قال: كانت الهند في زمن من الأزمان تسيطر على شؤون حياتها سيطرة تامة كان ذلك عندما كان وجدانها حيا، وعقلها نيرا، فكان يتحرك ويشتغل بنفسه، ويخترع أفكارا نافعة، ويضع مبادئ صالحة ولا يدع النور يختفي بل يحافظ عليه ويزيده رونقا وبهاء.
  لقد خلق الإنسان ليبني عصره في كل زمن بقواه العقلية، وبتضحياته التي يفرضها عليه الحب العام الطاهر، وإن الإنسان الهمجي المنحط هو الذي يعيش على كل ما يقدمه إليه الغير.
ثم قال نحن معشر الهنود قد وقعنا في العهد الحاضر فرائس باردة لما ينتجه العقل الغربي وسبب ذلك أنا فقدنا الثقة بقوانا العقلية، وليس هذا فحسب بل يوجد بيننا أناس يرون الفخر كله في تقليد الغربيين دون أن يشعروا بأنه ليس كل شيء أجنبي يصلح لنا بل هناك أمور تضر بنا ضررا بليغا، ولا يجوز لنا أن نفتخر إلا بعد أن نستطيع أن نجود على الآخرين بما أنتجناه بأنفسنا. انتهى كلامه، وفي هذا التوجيه ما يحفز همة الشباب الحي إلى الاعتماد على النفس وتقدير مسؤولياته حتى يؤدي مهمته في نهضة أمته وتاريخها على أحسن وجه ويبني لها من المكرمات ما تعتز وتفخر به بين الأمم من العلوم والفنون والآثار التاريخية العمرانية التي تلفت إليها الأنظار، وتبهر الأبصار كما بنى أسلافنا من قبل مما لا يزال خالدا عظيما في الوجود.
 
وقد سمعتم في أثناء محاضرة الأسبوع الماضي ذلك العرض التاريخي القيم من أخينا ورفيقنا في الكفاح الوطني الأستاذ الجليل السيد محمد الخطيب أن بعض الإسبانيين اندمجوا في المجتمع المغربي وفي الوسط العلمي بالخصوص وأتقنوا اللغة العربية والعلوم الدينية وانتحلوا دين الإسلام ظاهرا ليتوصلوا لأغراض دولتهم ولبسط نفوذها على أطراف هامة من المملكة المغربية كما سمعتم بأن القصد الحقيقي هو نشر العقيدة المسيحية، وبالطبع لا يتأتى ذلك في وسط إسلامي إلا بمحاربة عقيدة التوحيد التي هي عماد دين الإسلام وبالطعن في شريعة الإسلام بما يتأتى من الوسائل، وذلك جزء من المخطط الاستعماري الذي جعله السياسيون الغربيون من أهم وسائلهم لامتلاك البلاد الإسلامية والسيطرة على أهلها، حتى إذا انتهت السيطرة المادية خلفتها السيطرة الفكرية، ولذلك لا زالت المؤسسات الكنيسية تمون البعثات التبشيرية في صور مختلفة في العالم الثالث إما في شكل إسعافات طبية أو ملاجئ خيرية أو مدارس تعليمية أو غير ذلك من الوسائل، ومن المهم جدا أن نستمع إلى نفس أحاديث المستشرقين أنفسهم عن أطوار الاستشراق وغاياته وما سجلوه على أنفسهم في مؤلفاتهم الخاصة في هذا الموضوع. 
 
مستشرق كبير يتكلم على نشأة الاستشراق وسببه في أول الأمر ديني وفي آخر الأمر ديني واستعماري انتدبت الجامعة المصرية المستشرق الكبير نليثو الأستاذ في جامعة روما بإيطاليا لإلقاء محاضرات على طلاب الجامعة المصرية، فأجرى معه مندوب مجلة الهلال حديثا قيما نشر في مجلة الهلال عدد 5 من مجلد 36 بتاريخ مارس 1928 نقتطف منه فقرات توضح لنا السبب الذي بعث المسيحيين على دراسة اللغة العربية، ففي حديث المستشرق الإيطالي نليثو أن رجال الدين في أوربا كانوا إذا درسوا التوراة أو الإنجيل وكلاهما شرقي عثروا فيها على مجازات واستعارات غريبة عن العقلية الأوربية، فشرعوا لهذا السبب يدرسون اللغات الشرقية التي تتصل بثقافة الساميين مثل العبرانية والعربية ووجدوا من درس العربية مثلا كثيرة من العبارات التي كان يشق عليهم فهمها في التوراة، وليس هذا غريبا فإن التوراة كتبت على الأنماط والتعابير التي كتب بها كثير من الشعر الجاهلي.
 
ولهذا السبب شرع البابوات منذ القرنين الثالث عشر والرابع عشر أي قبل اختراع المطبعة يأمرون بدرس اللغة العربية في جامعتي روما وبولونيا، والأرجح أن بعض الباباوات كانوا يعرفون العربية. 
 
يقول المستشرق نليثو ولكن إيطاليا سبقت أوربا في درس العربية لجملة أسباب أخرى غير السبب الديني الذي ذكرناه منها أنها كانت السابقة في النهضة الأوربية ومنها أنها بطبيعة مركزها قريبة من تونس والجزائر، ومنها أن العرب احتلوا صقلية مدة طويلة حتى أن الإدريسي ألف كتابه المشهور عن الجغرافية للملك روجر صاحب صقلية وحتى أن فيبوناتشي رحل إلى بجاية في الجزائر وعاد إلى إيطاليا في القرن الحادي عشر فأدخل الجبر والمقابلة إلى أوربا. 
 
وأذكر بهذه المناسبة ما صرح به الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله حفظه الله في بحث نشر في كتاب ذكرى القرويين مما يقال بأن جلبير وهو البابا سلفستري درس بالقرويين وأدخل الأرقام إلى أوربا فتنظر في تتمته في ص 119 من كتاب ذكرى القرويين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here