islamaumaroc

مع الشيخ الفاضل ابن عاشور في المغرب

  دعوة الحق

129 العدد

سيدي رئيس مجلس الأمة،
سماحة الشيخ الإمام،
سيداتي، سادتي
ليست الشقيقة تونس، هي التي فجعت وحدها، بابنها البار، و عالمها الكبير، و أستاذ الجيل فيها بحق، المرحوم العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، تغمده الله برحمته، و أسكنه فسيح جناته، بل فجعت به معها في الواقع كل الأقطار الإسلامية، في مشارق الأرض و مغاربها، و في المقدمة من هذه الأقطار كلها، المملكة المغربية، التي كانت تربط الفقيد بها أمتن الروابط و أقوى الصلات العقلية و الروحية و الشخصية.
  لقد كان رحمه الله أثيرا بصورة خاصة، لدى جلالة الملك المعظم الحسن الثاني نصره الله، الذي كان يقدره حق قدره، و يعرف له فضله و علمه، و ثقافته الواسعة العميقة، و قدرته الفذة، على تناول أعوص المشاكل العقلية، و تحليلها و تسليط الأضواء الكاشفة عليها، مزودا لذلك كله بإحاطة شاملة بالثقافة العربية الإسلامية بعلومها الدينية و اللغوية و المنطقية و الفلسفية، و مزودا لكل ذلك أيضا باطلاع مباشر واسع على فلسفات العصر و مذاهبه، و تياراته الفكرية و صراعاته السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.
 و كان رحمه الله أثيرا لدى الشعب المغربي، معروفا لديه على نطاق واسع، بل على أوسع نطاق على الإطلاق، يمكن أن تتيحه وسائل الاتصال العصرية، و نعني بذلك الإذاعة و التلفزة.
لقد دأب جلالة الملك المعظم، الحسن الثاني نصره الله، على أن يدعو فقيد الشعب التونسي، و فقيد الأمة الإسلامية جمعاء، و فقيد العروبة و الإسلام، الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، في شهر رمضان من كل سنة، للمساهمة في دروس التفسير و الحديث التي تلقى بحضرة جلالته، و التي يحضرها عادة كما هو معلوم، عدد من العلماء و المثقفين،و رجالات الدولة، من مدنيين و عسكريين،و التي تنقلها مباشرة أمواج الإذاعة و قنوات التلفزة، فيتاح بذلك لجميع النظارة في المغرب، و لجميع مستمعي الإذاعة الوطنية المغربية داخل المغرب و خارجه، أن يتابعوها، و أن يستفيدوا
منها تفقها في الدين، و معرفة مفصلة بأحكامه، كما يستفيدون منها سعة في المعرفة و الإدراك و الفهم، و يستفيدون منها أيضا زيادة في الإيمان و اطمئنان القلب إليه، و هم يرون الشبهات المصطنعة، التي يمكن أن تكدر عليه، أو تقلقه، تنهار حصونها الخاوية، و ينجلي ضبابها الكاذب و صدق الله العظيم : « فأما الزبد فيذهب جفاء، و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ».
                                                      -•-
  كان الفقيد يساهم في هذه الدروس التفسيرية و الحديثية، إلى جانب طائفة من أفضل العلماء المغاربة، إلى جانب غيرهم من علماء البلاد الإسلامية الأخرى، الذين يدعون للمساهمة فيها.
و لكنه كان من الذين يساهمون فيها باستمرار، في شهر رمضان من كل سنة، فانطبعت بذلك صورته في عيون و قلوب جميع أفراد الشعب المغربي، بشخصيته الوديعة اللطيفة المحببة، و سمته العلمي الوقور، و انطبع صوته في أسماعهم، و انطبع في وجدانهم و عقولهم أسلوبه و منهجه، أسلوب الأديب المتمكن من لغته، المحيط بأسرارها و خفاياها، القادر على التصرف فيها كما يريد، و منهج العالم الذي اعتاد أن يقرع الحجة بالحجة، و الدليل بالدليل، و الذي اعتاد على المزج بين المنقول و المعقول، فلا يدع صغيرة و لا كبيرة من موضوعه إلا أتى عليها، و فصل القول فيها تفصيلا، و حشد للاستدلال لها أو عليها أكبر عدد ممكن من النصوص النقلية، من القرءان الكريم، و السنة النبوية الشريفة، و أقوال السلف الصالح و العلماء و الأعلام، و أكبر عدد ممكن من البراهين العقلية الصرف، يعينه على ذلك تضلعه في العلوم المنطقية و الفلسفية.
نعم لقد كان رحمه الله قلما ينزل في دروسه إلى مستوى يستطيع أن يتابعه فيه كل الناس متابعة تفصيلية، في الكليات و الجزئيات، فلقد كانت الصفة الغالبة عليه هي صفة الأستاذ الجامعي المطبوع، و لكن العلم ليس مطلوبا منه في كل الحالات، أن ينزل إلى مستوى عامة الناس، بل قد يكون مطلوبا منه في بعض الحالات، أن يحاول الارتفاع بهم إلى مستواه، حتى يعتادوا على التحليق، و على التركيز، وعلى استعمال عقولهم التي منحهم الله إياها، و كرمهم بها، و أمرهم باستعمالها، و ضرب لهم على ذلك في القرءان الكريم، الأمثلة الكثيرة المتعددة.
و على ذلك صفة الأستاذ الجامعي، التي كانت غالبة على الفقيد رحمة الله عليه، تذكر أنه يوجد من بين المواطنين المغاربة، عدد من الرجال الذين يشتغلون اليوم بالتدريس، أو يشتغلون غير ذلك وظائف هامة في إطارات الدولة، سبق لهم أن تتلمذوا عليه، و طلبوا العلم بين يديه في جامعة الزيتونة، و قد ظلت ذكراه باستمرار عالقة بأذهانهم، كما تعلق بالأذهان عادة صورة الأستاذ المطبوع، الذي يميزه الله بصفات خاصة، فيكون لطلبته أستاذا، و رائدا، و أخا كبيرا، و أبا حنونا، و صديقا حميما.
  و في كل مرة كان يأتي فيها إلى المغرب رحمه الله، كان طلبته و أبناؤه هؤلاء، يسرعون لاستقباله في شوق، و السلام عليه في حرارة، و الاحتفاء به احتفاء الأبناء بالأب الذي طالت غيبته في حسبانهم، و إن لم تطل في الواقع، ثم يظلون يتبعونه كظله، يحضرون كل ندواته و دروسه و محاضراته، و يحضرون إذا أمكن لهم، سهراته التي كان يدعى إليها في هذا البيت أو ذلك، من بيوت أصدقائه و محبيه، و يضعون أنفسهم باستمرار في خدمته، و إذا كان في غنى عنها بما كانت توفره له الدولة المضيفة من وسائل الراحة و الحفاوة و التكريم.
                                                        -•-
و قد أتيح لي شخصيا، أن أحضر معه في إحدى السهرات الخاصة، في بعض ليالي شهر رمضان، سنة 1388 فكانت فرصة خاصة لي لاكتشاف جانب ءاخر من جوانب خيره و فضله، رحمه الله.
كان طيلة السهرة لا يتكلم إلا بمقدار، متجنبا فضول القول و ما لا فائدة فيه، لا تفارق السبحة يده، و لا يكف لسانه عن الذكر، و هو في كل ذلك حاضر بالمجلس بكل عقله و جوارحه، يتابع المناقشات و المذاكرات العلمية الجادة، و يتابع ما قد يعرض في الحديث من نكتة أو نادرة أو ما إلى ذلك، و يكتفي في التعبير عن استجابته في الغالب، ببسمة خفيفة، أو تعبير من تعابير وجهه المشرق الوقور، حتى إذا دعاه الداعي إلى القول، ليجيب عن سؤال وجه إليه، أو ليدلي برأي في الحديث الدائر أمامه، تكلم في وضوح و قصد، و بأقل ما يمكن من الكلام، ثم عاد إلى
سبحته يحرك حياتها في رفق و إلى ذكره يحرك به لسانه داخل فمه، دون أن تنفرج شفتاه.
                                                        -•-
و أتيحت لي فرصة أخرى معه رحمه الله، عندما كلفت بمرافقته في إحدى زياراته للمغرب، فكان علي أن أكون بجانبه في كثير من الأوقات، أصاحبه في تنقلاته، و أسهر على راحته، و قد تكشفت لي أثناء ذلك جوانب كثيرة من فضله رحمه الله، لعل من الممكن أن أجملها كلها في أنه كان سهلا يسيرا، بعيدا كل البعد عن التكلف في جميع تصرفاته و اتصالاته، بسيطا في حركاته و سكناته، لقد كان كما قيل قديما في وصف المؤمن : « المؤمن قليل المؤونة » و هي عبارة في غنى عن كل تعليق أو تفسير.
                                                         -•-
و بعد، فقد حل قضاء الله الذي لا مرد له، و الذي لا ينفعنا جميعا أمامه إلا التسليم به، فليكن تسليم رضى مقرون بالأجر، فذلك خير من أن يكون تسليم كراهية مقرونة بالوزر :
                           ستصبر صبرا إلياس أو صبر حسبه
                                                      فلا تؤثر الوجه الذي معه الوزر

  و لكن أخوف ما يمكن أن نخافه، و نحن نقف هذا الموقف، نؤبن عالما من علماء الشريعة الإسلامية، و حجة من حججها، كالراحل الكريم الشيخ محمد بن عاشور، هو أن يموت بموت هذا الصنف من العلماء، ذلك الصنف من العلم الديني، الموسوعي، الذي يحملونه، فينقطع المدد، أو يجف النبع، و يتوقف الاستمرار.
  نعم، إن كليات و معاهد الدراسة الإسلامية، ماضية في أداء مهمتها، و الاضطلاع برسالتها المقدسة، و لكن الدنيا اليوم غير الدنيا بالأمس، و قد كان الناس يعطون العلم كلهم، ليعطيهم بعضه، فهل يستطيع أحد اليوم، في عصر المفاتن و المغريات، التي لا حد لها و لا نهاية و لا حصر، أن يقبل على العلم بكليته، و أن ينقطع له عن كل ما عداه، حتى يستطيع أن ينال منه بعضه، و حتى نستطيع نحن جميعا أن نطمئن إلى أن المدد غير منقطع، و أن النبع لن يجف، و أن الاستمرار لن يتوقف.
  هذا هو السؤال، و هذا هو مكمن الخوف، و لكننا على كل حال لن نيأس من روح الله، و سنظل نرجو ألا تكون صادقة هذه المخاوف، و أن يكون الخلف فينا دائما جديا بسلفه، و رحم الله فقيدنا رحمة واسعة، و السلام عليكم و رحمة الله.

         

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here