islamaumaroc

بعد سبعين سنة: تحرير المرأة حسب رأي قاسم أمين وتوفيق الحكيم-1-

  دعوة الحق

129 العدد

  من أبرز مظاهر التقدم في البلاد العربية خلال العقود الأخيرة تطور المرأة وانعتاقها. لقد رد إلى المرأة الشرقية اعتبارها وأخذت كغيرها من نساء العالم المتمدن بأسباب التقدم، فتغيرت تبعا لتطورها معالم المجتمع الشرقي. وما يزال هذا المجتمع في تحول مطرد إلى أن يبلغ مداه وتتضاءل الفجوة التي تباعد بينه وبين المجتمعات العصرية. وإذا كانت بعض العراقيل ما تزال تحول هنا وهناك دون انطلاق المرأة الشرقية، فإن موجة التحرير آخذة في الاكتساح وسيشهد الجيل الطالع مساواتها مع الرجل في جل الميادين.
 
لقد دوى صوت قاسم أمين بالنداء لتحرير المرأة منذ سبعين سنة، فلقي عنتا كبيرا واهتز الشرق بالنكير، وتزعم المعارضة أصحاب العقول المتحجرة ومن لف لفهم من المحافظين على العادات والتقاليد البالية، وشحذوا أسلحتهم نثرا وشعرا لمقارعته إثارة لمشاعر العامة وإلهابا لحفيظتهم ضد الدعوة الجديدة. لكن هذه الدعوة التي ضمتها كتابية "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" وجدت سبيلها إلى العقول والضمائر، وانتصرت في النهاية بينما انطوت صفحة المعارضين وتبددت حملاتهم. وما كاد يطلع الجيل الجديد- جيل توفيق الحكيم- حتى كانت المرأة الشرقية قد قطعت شوطا شاسعا في طريق تحررها. إن كتابة قاسم أمين عن المرأة تختلف عن كتابة توفيق الحكيم اختلاف العصرين اللذين عاشا فيهما. 
 
بينما كان الأول يدعو إلى انتشال المرأة الشرقية من الوهدة التي كانت تتردى فيها، إذ استخلص الثاني نتائج التقدم الذي حققته في مدة جيل. فعاب منها ما عاب وأقر ما يلائم طبيعة الرقي ويواكب سنة التقدم. وبديهي أن يجرف تيار التقدم فيما يجرفه أوحالا تطفو فوق الأديم، أو كما عبر عن ذلك قاسم أمين: "أول شيء تظهر فيه حرية النساء تكثر الشكوى منها ويظن الناس أن بلاء عظيما حل بهم، لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية، ثم مع مرور الأيام تتعود المرأة على استعمال حريتها وتشعر بواجباتها شيئا فشيئا وترتقي ملكاتها العقلية والأدبية".
 
أرسلها قاسم أمين صيحة مجلجلة حارة لتحرير المرأة في مجتمع بلغ الدرك الأسفل من التأخر وعرقلت انطلاقته تقاليد عتيقة، ولم يكن مهيئا لتقبل دعوة من دعوات الإصلاح، خاصة إذا كانت تمس بمنافع وامتيازات المهيمنين عليه. ومن ثم تبدو شجاعة هذا المصلح الكبير الذي لم يتوان في تبليغ رسالته بالرغم عن المثبطات والحملات التي تعرض لها. وقد أدرك أن علة العلل في تأخر المجتمع الشرقي جهل المرأة وحجبها عن النور فقال: "عاشت المرأة في انحطاط شديد أيا كان عنوانها في العائلة، زوجة أو أما أو بنتا، ليس لها شأن ولا اعتبار ولا رأي، خاضعة للرجل لأنه رجل ولأنها امرأة. فني شخصها في شخص الرجل، ولم يبق لها من الكون ما يسعها إلا ما استتر من زوايا المنزل، واختصت بالجهل والتحجب بأستار الظلمات، واستعملها الرجل متاعا للذة، يلهو بها متى أراد، ويقذف بها في الطرق متى شاء، له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء والفضاء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر، له كل شيء في الوجود وهي بعض ذلك الكل الذي استولى عليه.. من احتقار المرأة أن يحال بينها وبين الحياة العامة والعمل في أي شيء يتعلق بها، فليس لها رأي في الأعمال ولا فكر في المشارب ولا ذوق في الفنون ولا قدم في المنافع العامة".  وسواء في الرد على كتاب الدوق داركور "مصر والمصريون" أو في "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة"، فإن قاسم أمين دعا لتحرير المرأة وساق أدلة عقلية وشرعية لدمغ المعارضين ودحض تعلاتهم. وكان يرى "أن تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل. بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطرق المحافظة عليه. وأرى أن من يعتمد على جهل امرأته مثله كمثل أعمى يقود أعمى مصيرهما أن يترديا في أول حفرة تصادفهما في الطريق". لقد أدرك قاسم أمين أن المرأة هي حجر الزاوية في تربية الأجيال، وأن أي إصلاح يجب أن يبتدئ من الأساس "فما من إصلاح أجدى على الأمة عمل امرأة تهدي إليها رجلا يفيد نفسه وأهله وأمته".  
 
ومع أن قاسم أمين لم يكن في دعوته يؤمن بالطفرة، إلا أنه كان يعتبر الحجاب عائقا في طريق تقدم المرأة وارتقائها إذ إنه "يحجبها عن العالم فلا ترى إلا سفاسف الأحداث في بيتها ويقتل الرغبة في التفكير وفي الحركة نفسها.. وبديهي أن المرأة التي تحافظ على شرفها وهي مطلقة غير محجوبة لها من الفضل أضعاف ما لزميلتها لأن عفتها اختيارية، أما تلك فعفتها قهرية. ولا ندري كيف نفتخر بعفة نسائنا ونحن نعتقد أنهن مصونات بقوة الحراس وارتفاع الجدران. أيقبل من سجين دعواه أنه رجل طاهر لأنه لم يرتكب جريمة وهو في السجن؟"
 
إثر الضجة التي أحدثها كتاب "تحرير المرأة" والسهام التي وجهت لصاحبه من كل أنحاء الشرق- باستثناء بعض كبار المؤيدين أمثال سعد زغلول وحافظ إبراهيم وجميل صدقي الزهاوي- رد قاسم أمين في "المرأة الجديدة" على الخصوم قائلا: "لا نكتب طمعا في أن ننال تصفيق الجهال وعامة الناس.. وإنما نكتب لأهل العلم وعلى الخصوص للناشئة الحديثة التي هي مستودع أمانينا في المستقبل، فهي التي بما اكتسبته من التربية العلمية الصحيحة يمكنها أن تحل مسألة المرأة المكان الذي تحله من العناية والبحث". ولم تثنه حملات المتهجمين، بل ضاعفت من إيمانه برسالته ودفعته خطوة أخرى في الدعوة لها، وخاصة في ما يتصل بنبذ الحجاب. وكان له سند وتأييد من نداء الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي للمرأة: 

                              أسفري ما الحجاب يا ابنة قهر
                                               هو داء في الاجتماع وخيم
                              السفور السفور فالهلك للشعـ
                                                  ـب أخيرا بدونـه محتـوم
                              لا يقـي عفــة الفتــاة حجــاب
                                                 بل يقيهـا تثقيفـها والعلــوم

  وقد صدق حدس قاسم أمين فقد تولى الجيل الذي يلي جيله حمل الدعوة التي اضطلع بها وحيدا في مجتمع مثقل بعوامل الانحطاط والتقهقر والمثبطات، وكان لصرخاته صداها بما حققته المرأة الشرقية بعد ذلك من تقدم فكري وحرية اجتماعية. وتجلى ذلك في الأدب النسائي التي خلفته كل من باحثة البادية ومي زيادة، حيث صرفتا معظم نشاطهما لخدمة المرأة وتطرقتا في إنتاجهما لقضايا اجتماعية وإنسانية عليا. ثم ظهر رعيل جديد من الأديبات الشرقية نذكر من بينهن نازك الملائكة وبنت الشاطئ وليلى بعلبكي ومنى جبور وكوليت سهيل على اختلاف مشاربهن. ففي الأغراض الفكرية التي عالجتها في القصة والرواية والمقال- شعرا ونثرا- يسمو الفكر والخيال أحيانا إلى حد الإبداع والخلق، بينما ينحصر إنتاج بعضهن في النقمة على المجتمع الذي يحد من حريتهن، فيبرز تمردهن على التقاليد والعادات البالية على لسان بطلة قصة "أيام معه" مثلا.  
 
ويأتي الكاتب الكبير توفيق الحكيم بعد انصرام جيل كامل على دعوة قاسم أمين فيخص المرأة الشرقية بجزء غير يسير من إنتاجه الأدبي. يلاحظ المسيرة التي قطعتها في طريق الانعتاق ويفكر طويلا في الانقلاب الذي طرأ على حياتها ملقيا أضواء كاشفة على شخصيتها الجديدة في كثير من رواياته وقصصه. ولا نخال كاتبا أولى المرأة الشرقية في حاضرها من التفكير ما أولاه إياها توفيق الحكيم. وقد يطول تحليل ما أفرده لها من صفحات في منتهى الدقة والعمق. تارة يطريها وطورا يذمها.. أحيانا ينزلها منزلة الملائكة وأخرى يحطها إلى درك الشياطين. ولطالما عيب عليه هذا التناقض، بل كثيرا ما رمته بعض المتعلمات بالعداوة للمرأة. ولكنه رد على هذا الاتهام بأن "المرأة هي من غير شك الزهرة المشرقة في بستان وجودنا الآدمي، زهرة لها نضارتها، لكن لها أيضا أشواكها" وأشواكها الحقيقية تكمن في جمالها وفتنتها. بهذا السلاح تسطو على الرجل وتخضعه لإرادتها. فتوفيق الحكيم في الحقيقة إنما يعادي جانب التسلط والاستيلاء في المرأة الحسناء. تراه يقول: "أفرق بين المرأة كشيء يوحي بالجمال وبين المرأة كمخلوق يريد أن يستأثر بكل شيء في حياتنا?.. إن عداوتي لهذا المخلوق لن تنقطع ما دمت أخشى منه.. إن عداوتي ليست إلا دفاعا عن نفسي.. على أن الإنصاف يقتضيني أن أقول: إن المرأة إذ تحطم من جانب فهي تبني من جانب آخر.. لم نر في التاريخ حضارة قامت بدونها ولا انحطت بدونها". وشبيه بهذا قول المثل العامي: "الخير امرأة والشر امرأة".   
 
قصة "الرباط المقدس" لتوفيق الحكيم صورة تعكس صنفا من أصناف المرأة الشرقية التي أخذت بمظاهر التطور واندفعت تقلد المرأة الغربية التي تحررت قبلها فجعلت منها مثلها الأعلى. إنها تصور الأحاسيس والأفكار التي تعتمل في صدور بعض المتعلمات والصراع القائم بين حرية مطلقة يتطلعن إليها وأوضاع اجتماعية ما تزال مستحكمة في البيئة التي يعشن فيها. وترسم لوحة للمرحلة التي بلغتها المرأة الشرقية في طريق تطورها. إنها مرحلة واقعة بين ماض سحيق من التدهور والعادات البالية ومستقبل يرجى أن تحقق فيه الاتزان المطلوب.
 
لقد وجدها توفيق الحكيم مناسبة لتوضيح رأيه في المرأة وإصدار أحكامه في سلوكها. بين آراءه على لسان راهب "راهب الفكر" في قصة "الرباط المقدس" وفي الفصول التي خصصها للمرأة في كتابه "تحت شمس الفكر". ومن الأصناف التي استعرضها يتجلى ما بلغته المرأة المتعلمة في الشرق من تطور يشبه إلى حد بعيد ما رسمه "موليير" في روايتيه: "النساء العالمات" و"المتحذلقات المضحكات". 
 
هناك المرأة "التي تخرجت بنجاح من دور السينما والملاهي وحذقت تقليد ممثلات هوليود.. وظيفتها في الصباح الطواف بحوانيت الزينة والثياب والذهاب إلى الخياطات، وفي الظهر استقبال زوجها بالطلبات، وفي العصر التعلق برقبته ليخرج بها إلى النزهة أو يدعها تذهب إلى "زوزو" و"شوشو" و"موشو" للعب البريدج".. والنوع الثاني من المرأة نوع تخرج بنجاح من المدارس والجامعات فحذق تقليد الرجل في جهله بشؤون البيت ومعرفته بآراء أفلاطون.. نساء يعرفن أفلاطون ولا يعرفن كيف تقلى بيضة. فإذا مرض الطباخ أو خرج تغذى الزوج المحترم بزبدة أفكار أفلاطون?".. والنوع الثالث هو "خريجات المدارس الأجنبية ممن تعلمن قشور اللغة الفرنسية أو الإنجليزية ومبادئ البيانو، فإنهن عرائس جوفاء لا ينطقن إلا "بمون شير" و"ماشيري". 
 
لقد أنحى توفيق الحكيم باللائمة على هذه الأنواع من النساء وخاصة منهن "الفتاة الطائشة التي لا تعرف إلا الخياطة والسينما والسباق والتنيس والسيارة والحلاق والتواليت?.. تلك الفتاة الجاهلة ذات التعليم الزائف لا يعدو حديثها بضع عبارات فرنسية تلوكها في سماجة?.. تلك الفتاة المسكينة المغرورة التي تحسب أنها متمدنة لأنها عرفت كيف تضع بين أناملها أصبع الأحمر.. تلك الفتاة التي تعرف أن لها فما يجب أن يملأ، ولا تعرف أن لها رأسا يجب أن يملأ كذلك، إذا أرادت أن تجعل من نفسها شخصا جديرا بالاحترام"
 
بالإضافة إلى هذه الأنواع نجد المستهترات من النساء اللاتي لا يعرفن من الحياة إلا ملذاتها فيتهالكن على اقتناصها حاسبات أن عنوان التقدم هو الجري وراء الشهوات المادية والأخذ بأكبر قسط منها. وقد سوى توفيق الحكيم صورة كاملة لهذا النوع من النساء في بطلة "الرباط المقدس" فخصها بصفحات رائعة. الحب الزوجي في نظر هذه المرأة "لا يعدل عندها اللحظات الطائرة العابرة لذلك الحب البراق الفوار?.. لا يؤثر فيها كثيرا ذلك الحب القيم النفيس الباقي لأنها جبلت على الشغف بكل ما يبرق عينيها، ويخطف بصرها ومهجتها ويطير لبها?.. وإنها لتدفع الذهب وترمي به في سبيل اقتناء سوار من الزجاج أو حلية من الخزف بهرتها ألوانها?.." إذا تحدثت هذه المرأة ذكرت "أن الدنيا كلها بأفكارها وفضائلها ورذائلها وعقائدها ومثلها العليا ومطامعها العظمى، كل ذلك يذوب في لحظة واحدة في حرارة قبلة حقيقية". وتوفيق الحكيم يشبه هذه المرأة المستهترة اللعوب "بالزهرة ذات الرضاب المسموم والألوان الزاهية. إنها الزهرة القانصة التي تتفتح بهاء لتطبق على فريستها فناء".
 
وإذ يعيب توفيق الحكيم سلوك هذه الأصناف من النساء اللاتي لم يعرفن من المدنية والتحرر إلا بريقهما وزيفهما، يبين في غير ما مكان من إنتاجه المثالي الذي يستحبه فيقول: "أعتقد أن الزوجة الصالحة هي التي تستطيع مشاركة زوجها في سيره الطويل الشاق في طريق الحياة، وأن تعينه حقيقة أصدق المعاونة على احتمال متاعب السير وأن تخفف عنه قسطا وافرا من أعباء الحياة اليومية".
 
وما من شك أن هذا النوع هو الغالب في المرأة الشرقية ولو "أنها مجهولة كالجندي المجهول. وهي مثله تمثل فئة تجاهد في الظلام جهاد الأبطال".
 
بعد هذه النظرة الوجيزة عن المرأة الشرقية في أدب قاسم أمين وتوفيق الحكيم، نختم بالتفاتة قصيرة إلى حالة المرأة المغربية التي هي في بدء طريق انعتاقها من التقاليد. إن الراجع إلى إنتاج هذين المفكرين لا يتمالك من ملاحظة الشبه بين قيام الدعوة إلى تعليم المرأة في بلادنا منذ اثنتين وعشرين سنة وبين التطور الذي حققته في هذه الحقبة. لقد تقدمت المرأة في أقل من جيل أضعاف ما تقدمت جداتها في عدة قرون. وها هو ذا عدد الفتيات اللائي يختلفن إلى المدارس والمعاهد والكليات يزيد عن ربع عدد الفتيان، ويضربن بمناكبهن في ميادين الوظيف والأعمال. يجري بمرأى ومسمع منا تحول اجتماعي هائل لا يستطيع أحد التكهن بمداه البعيد، لكن عائدته محمودة مهما كانت الغيوم التي تكتنفه والانتقادات الموجهة له. فلا ينبغي أن تحجب بعض الأشجار المعوجة كثافة الغاب وجماله، وليس في المستطاع وقف التيار. بل كل ما في الإمكان تنظيمه "بتحصين المرأة عن طريق التربية السليمة" كما قال قاسم أمين.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here