islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-4-

  دعوة الحق

129 العدد

  وتظل قضية يجب مناقشتها وعرضها على بساط البحث حتى نقتلع البقية الباقية من الشكوك التي خامرت الدارسين من المستشرقين ومن حذا حذوهم من الأمعيين، ألا وهي قصة الغرانيق المزعومة.
قصة الغرانيق:
إن هذه القصة مرتبطة تمام الارتباط بحادثة تاريخية مشهورة في تاريخ الإسلام، هي قدوم المسلمين من الحبشة بعد ما هاجروا إليها فارين من أذى قريش، هذا القدوم بعث الشك في نفوس بعض المستشرقين، ومن بينهم (سيروليم موبر)(1) و(بروكلمان)(2)، فاتخذوه حجة يدعمون بها وساوسهم، إذ أن المسلمين لم يتناه إليهم خبر صلح الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش وسعيه إليه ما تركوا دار الهجرة، وخاصة وهو ما يزال ضعيف القوة، عاجزا عن دفع أذى قومه، لذلك تقرب إليهم باختلاقه جملة دسها في القرآن- سورة النجم- يمدح بها أصنامهم، وشاع في الناس حينذاك أن الرسول عليه الصلاة والسلام صالح قريشا بذكر آلهتهم بالخير.
 
أما من الناحية التاريخية فرجوع المسلمين من الحبشة لم يقع نتيجة للصلح بتاتا؛ إذ لو كان ذلك ما دخلوا مكة المكرمة بعد أن تأكدوا من أن الصلح المزعوم ليس صحيحا، والسبب في ذلك كما تبت في التاريخ أن الحبشة نشبت فيها ثورة على النجاشي، لكونه عطف على المهاجرين، وما كان من أولئك إلا أن أجمعوا الرحيل إلى ديارهم، ولاسيما وأن كفار قريش عندما رأوا إسلام عمر وبعض كبار رجالات العرب الذين تثور لكرامتهم القبائل عمدوا إلى وسيلة لا تنجم عنها حرب أهلية قاسية، وإلى أن يدبروا حيلة شيطانية، هادنوا المسلمين وقتا من الزمن ترامى أثناءه الخبر إلى المهاجرين بأن الهدنة قد وقعت بين الفريقين، فشجعهم ذلك على العودة إلى أرض الوطن.
  وإن جارينا أولئك في وهمهم الجامح، وصدقناهم في افترائهم، أيجوز عقلا أن يحدث هذا فيسكت عنه أعداؤه المتربصون به الدوائر في كل دقيقة وثانية، ولا يذيعون في الناس ذلك، ويروجونه أيما ترويج، فيصبح متعالما على طرف كل لسان، يلهج به القاصي والداني لا أهل مكة فقط، وإنما سكان الجزيرة كلها، ولاسيما والدعوة الجديدة لا تزال في طور التكوين والترعرع؛ بيد أن شيئا من هذا لم يروه أحد ولم يستطع فرد من ألدائه المعاصرين ومن أتى بعدهم أن يثبته الإثبات المطلق الذي لا يتطرق إليه أدنى شك، وسيتجلى بطلان ذلك من الناحية العلمية كذلك فيما سيأتي من حديث وشيكا.
   إن ما ثبت في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم في جماعة فيها المشركون والمسلمون وعندما وصل إلى قوله تعالى: "والمؤتفكة  أهوى، فغشاها ما غشى، فبأي آلاء ربك تتمارى، هذا نذير من النذر الأولى، أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة". سجدوا لا للعبارة المدسوسة، وإنما لتلك الكلمات الراعدة، والعبارات القارعة، وسلطان الآيات الباهر الذي يأخذ النفوس في وقت تكون متفتحة للاستجابة والتقبل، وعلى الخصوص إذا كان قارئها سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام، يتلوها بقلب خاشع مفعم بالإيمان، وصوت رنان يحمل في تموجاته القوة الإلهية، فيمس القلوب وترتجف، فتنقاد بسهولة لكلمات رب العزة. والتأثير القرآني وتأثير الشخصية المحمدية في نفوس الكفار لم يحدث في هذه المرة فقط، بل شهد التاريخ له بحوادث أخرى، إلا أنها لم تبلغ منزلة هذه الحادثة في درجة التأثير التي أدت إلى الإذعان اللاشعوري، الخضوع اللاإرادي، من بينها أن عتبة ابن أبي ربيعة بعثته قريش ليكلم الرسول عما جاء به كي يكف عن سب آلهتهم، ولما بسط له عتبة القول خاطبه الرسول عليه السلام قائلا: أفرغت يا أبا الوليد؟ فقال: نعم، فقال: فاستمع: "بسم الله الرحمن الرحيم: حم تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون الخ..". بعد ذلك نهض عتبة. وقد ارتعدت فرائصه فوضع يده على فمه الشريف طالبا منه أن يكف عن القراءة، ثم رجع إلى قومه يحكي لهم ما جرى معلقا على هذا بقوله: "وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب". 
 
وفصل القول أن السجود الذي صدر عن المشركين كان نتيجة لما توفر عليه كتاب الله من بلاغة منقطعة النظير، وما حفل به من معان سامية، وصور فنية رائعة تنساب في عذوبة حسب الأغراض المختلفة من ترهيب وترغيب ووعظ.
إذا فالسجود أولا وأخيرا مأتاه التأثير القرآني(3) الذي لمس شفاف الأفئدة، فحرك الوجدان، وانقاد المشرك إلى الحق وقد نسي جبروته وعناده ونعرته.
 
هكذا سجد أولئك من دون شعور منهم لروعة الحق، إلا أنهم ندموا بعد أن استفاقوا من غفلتهم، فأضحوا في حيرة قاسية من أمرهم، وفكروا مليا في وسيلة تنقذهم من هذا الاضطراب والحرج، فلم يجدوا سوى أكذوبة يختلقونها لتبرير ما فعلوا، وهي إقحام عبارة في الآيات الكريمات التي تتحدث عن الأصنام، لذا أصبحت على هذا الشكل: "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس الخ."
 
ومن الغريب أن كتب التفسير والتاريخ روت هذا اللغو من الكلام مثل الكشاف للزمخشري(4)، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري، ولست أشك في أن يدا خفية عملت على بث هذه الأخلوقة، ولقد صدق ابن إسحاق عندما قال: إن هذه القصة من وضع الزنادقة.
 
ونحن إذا بحثنا في الروايات التي وردت في الطبقات لابن سعد وعن الطبري وجدناها منقطعة. فابن سعد(5) انتهى بروايتها إلى شخص يسمى المطلب بن عبد الله بن حنطب(6). والترمذي قال عنه: إنه لم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ولد بعد أن توفي، أما الطبري فقد أتى برواية بسند إلى محمد بن كعب القرظي وهو تابعي وليس صحابيا.
 
هذا من نحو، ومن نحو آخر فإن البخاري ذكر القصة والسجدة من غير أن يشير إلى قصة الغرانيق، وكذا باقي الكتب الصحاح لم تتعرض لها.
 
وابن جرير الطبري الراوي لهذه القصة(7) نفسه بدأ حديثه عنها بكلمة قيل وهي ظاهرة الضعف. ومن عادة الطبري في منهج تفسيره أنه يذكر الروايات ويردفها بقوله: "الصواب عندنا كذا"، أو قوله: "أولى الأقوال بالقبول عندنا كذا"، غير أنه لم يعقب على القصة بطريقته المعهودة التي تتسم بالتعليق والإدلاء بالرأي.
 
والقاضي عياض يثبت أن القصة لم يخرجها أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند متصل سليم(8)، كما أن ابن العربي(9) يرى أن كل ما ورد في هذه الحكاية لا أساس له، لأنها تطعن في عصمة الرسول، وقد أكد المحققون أن الروايات التي تحدثت عن القصة هي من المراسيل، والإجماع منعقد على عدم الاحتجاج بالمرسل في أصل العقائد.
 
وأما رواية الواقدي في الموضوع فمردودة لا يعول عليها؛ ذلك لأن الثقات من رواة الحديث اتفقوا على أن رواياته لا يوثق بها البتة، بل منهم من وصفه بالتدليس والوضع.
  
ونضيف إلى ما سبق أن العلامة المحدث السيد محمد ناصر الدين الألباني قد أشبع هذه القضية بحثا وتحريا في كتابه "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" من الوجهة الحديثية، فأورد روايات القصة وعللها ثم بيان بطلانها متنا، وردوده على الحافظ ابن حجر مؤيدا ذلك لنقول الفحول من ذوي التحقيق في الأصول والفروع، وانتهى أخيرا إلى أنها لا تنهض أمام البحث العلمي الحديثي مطلقا(10). ذلك من الناحية السندية للقصة، أما من ناحية سياق السورة، فإنه لا يتحمل هذا الإقحام بتاتا، لأنه يحدث تناقضا صارخا في النص، وهذا مما يتجافى والأسلوب القرآني المعجز الذي من خصائصه الفنية الدقة في المعاني والانسجام في المضامين، فإن فرضنا أن الآية هكذا "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان" أصبح المعنى مضطربا فاسدا ظاهر التناقض يجمع المتضادين من مدح وذم وهذا لا يسنم به عاقل، له إلمام بسيط وبسيط جدا بالثقافة العربية(11) 
 
ومما يؤكد هذا الافتراء والاختلاق تعدد الروايات في القصة، ولو تواتر أن الرسول أقحم العبارة في النص القرآني لما كان هناك تضارب في الروايات التي أسوقها حسب ما ورد في كتب التفسير:

1) تلك الغرانيق العلا، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى.
2) إن الآلهة التي تدعى، إن شفاعتها لترجى، وإنها للغرانيق العلا.
3) وهي الغرانيق العلا، وشفاعتهن ترتجى.
4) تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.
5) إنها لمع الغرانيق العلا.
6) إن تلك الغرانيق العلا، منها الشفاعة ترتجى.
7) وإنهن لهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى.
8) تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن ترتضى(12).
 
وإن من أهم ما يفند هذه القصة المتهافتة صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو منذ حداثته إلى أن شب عن الطوق لم يجرب عليه أحد الكذب، ولصدقه وخصاله الحميدة، وأمانته المتناهية سماه قومه الأمين، وليس يخفى أنه لما حدثت الخلافات بين قريش في أمر الحجر الأسود، وكادت تكون فتنة اقترح عليهم أبو أمية بن المغيرة المخزومي- وكان أسنهم وأشرفهم- أن يحكموا فيما بينهم أول من يدخل من باب الصفا، وعندما رأوا محمدا أول من دخل هدأ توترهم النفسي وقالوا: هذا الأمين رضينا بحكمه، وليس يخفى أيضا أن سيدنا محمدا عليه السلام عندما توجه إلى قريش أول مرة يدعوهم إلى التوحيد قال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقون؟ فأجابوه: "نعم أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذبا قط".  
 
وإذا كان الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام مشتهرا بالأمانة والصدق أفيعقل أن يتقول على الله؟ إن العقل السليم يأبى أن يصدق هذه الفرية بعد أن يتأملها تأملا طويلا، ويدرس ظروفها. والشخصية العظيمة التي اتهمت بهذا البهتان العظيم.
 
والقرآن الكريم نفسه يبطل هذا الزعم بقوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين". وبقوله: "قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي" وبقوله كذلك في نفس السورة المفترى عليها مؤكدا عصمة رسوله وثباته في الوحي: "ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى".
 
وبجانب صدقه صلى الله عليه وسلم فإنه معصوم من كل خطأ أو نسيان- كجميع الأنبياء عليهم السلام- يكون سببا في أحداث ثلمة في الدين، ولا يمكن بحال أن يوسوس إليه الشيطان فيقوله ما لم يوح به الله تبارك وتعالى ما دامت العصمة سرا منيعا تحرسه من كل زيغ، ومن كل ما من شأنه أن يطعن في الرسالة التي أمر الله بتبليغها إلى الإنسانية، والله تعالى يقول مبينا عصمة الرسول من كل نسيان، وكاشفا الستار عن أن رسوله بمنجاة من كل تهور واختلال: "سنقرئك فلا تنسى".
 
وقد كان صلى الله عليه وسلم يستعمل الوحي حين ينزل عليه جبريل فيحرك لسانه ليعيه في صدره فقال الله مخاطبا له: "لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه"؛ ولهذا لم يكن عليه السلام ينسى حرفا واحدا منه أو يزيد فيه أو ينقص، ولو جاز عليه النسيان أو وسوسة الشيطان لما كانت هناك قداسة للوحي، ولا صبح الله تعالى وهو العاصم شريكا في تضليله وتضليل الناس، وهذا بطبيعة الحال يفتح باب التشكيك في القرآن كله، ويجعله عرضة للغمز، كما يثير موجة من الإلحاد والكفر الصريحين(13).   
 
وخلاصة القول في القصة: أنها خيال مغرق في الوهم باطل عقلا وتاريخا وعلما لا يثبت أمام هذه الحشود من الحقائق الواضحة الباترة لكل افتراء مخز مضحك ورياء فاضح:

                              ثوب الرياء يشف عما تحته
                                                    فإذا التحفت به فإنك عار

                                                    
                     
(1)  حياة محمد (صلى الله عليه وسلم).
(2)  تاريخ الشعوب الإسلامية. 
(3)  هذا الرأي يحبذه الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسيره المجلد السابع ص 636 وما بعدها 
(4)  ج 3 ص 37 الطبعة الأولى.
(5)  ج 2 ص 205 نشر دار صادر.
(6)  قال عنه الألباني في كتابه "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" ص 16 نشر المكتب الإسلامي بدمشق:   أنه كثير التدليس.
(7)  انظر تفسيره ج 17 ص 119 وما بعدها الطبعة اليمنية بمصر. 
(8)  انظر الشفاج 9 طبعة فاس.
(9)  انظر أحكام القرآن ج 2 ص 74 وما بعدها الطبعة الأولى. 
(10)  كتاب الألباني يتألف من 39 صفحة منشورات المكتب الإسلامي. 
(11)  من الغريب أن الآية واضحة الاضطراب والتناقض فلم يتعرض لها بالنقد من سمعها من المشركين العرب وهم أصحاب بلاغة وبيان مما يؤكد تأكيدا لا شك فيه أن القصة موضوعة مكذوبة. 
(12)  بعض هذه الروايات أشار إليه القاضي عياض في الشفاج 9 طبعة فاس.
(13)  بهذا البهتان فإن التشكيك سوف لا يقتصر على الشخصية المحمدية الكريمة، وإنما سيمتد إلى أنبياء الله ورسله كما حدث بالفعل بالنسبة لداود وسليمان ويوسف عليهم السلام، وذلك هو غرض الروايات الإسرائيلية التي لفقها المدلسون الكذابون.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here