islamaumaroc

الشاعر الزهاوي

  دعوة الحق

129 العدد

  منذ ثلاثين أو أربعين عاما، يوم كنا تلامذة صغارا، نميل إلى الأدب و لا نعرف عنه إلا النزر اليسير، يومها  كنا نسمع ببعض شعراء العرب عن طريق حفظ بعض أشعارهم و مقطوعاتهم الوافية عن طريق الكتب المدرسية أو معلمي اللغة العربية، و لقد استقر بأذهاننا حينئذ أن شعراء اللغة العربية لا يزيدون على الخمسة أو الستة في مصر مهم شوقي و حافظ و مطران، و في العراق الزهاوي و الرصافي، و كما تنازع الثلاثة المصريون أمجاد الشعر و مشاكله، و هكذا تنازع الشاعران العراقيان مصاعب الشعر و فخره، و كان للزهاوي عندي مكانة خاصة لا ينازعه فيها منازع و كنت أحفظ له الشعر الجميل الذي ينبع من القلب إلى القلب فحين كبرت و وقفت على وجوه معاني الشعر المختلفة و اتسعت نظرتي إلى الفن أخذت أدرك ما عند الشعراء من عيوب خبرت بعضها بنفسي و أفدت بعضها الآخر من كتبي و من أساتذتي و كان من أجمل الشعر الذي حفظته في حياتي الأدبية الأولى قصيدة الزهاوي التي ألقاها يوم جاء إلى دمشق و دعى إلى المجمع العلمي العرب فألقى هذه النفثة الحراء التي كانت خير قصيدة في موسمها، كما كانت على ما أظن من خير ما نظم الزهاوي طوال حياته الأدبية الحافلة، و إليك مطلع هذه القصيدة الخالدة و أبياتا منها :
                            ظننت بأن الشعر يغني فيما أغنــى
                                             و كم شاعر في موقفي أخطأ الظنــا
                            لقد كان شعري يحسن اللحن إن شدا 
                                             فما بال شعري اليوم لا يحسن اللحنا
                            يغنــي فيبكــي السامعيــــن غنـــاؤه
                                              كذلك يشجــي العندليــب إذا غنــى
ثم يقول :
                           و للشعــر جســم ناعــم هو لفظــه
                                             و للشعر روح ذو شعور هو المعنى
                            أرى الشعر بعد الوحي أكرم هابط
                                             من الملأ الأعلى إلــى الملأ الأدنــى

ثم يقول بيته الخالد معرضا بالمستعمرين و ظلمهم الفادح عقيب الحرب العالمية الأولى :
                            يريدون مني أن أغني باسمهم
                                             و أي هضيــم باســــم أعدائــه غنــا
ولد الزهاوي عام 1863 للميلاد في بغداد و كان أبوه موظفا دينيا، و ينتسب باسمه إلى إمارة مستقلة من الإمارات الإيرانية تدعى (زهاو) و لقد نظم الشعر منذ طفولته الأولى بالعربية و الفارسية و تقلب في مناصب مختلفة في القضاء و التعليم كما انتخب نائبا في مجلس النواب العثماني ثم نائبا عن بغداد في العهد العربي و كان ءاخر أعماله عضوية مجلس الأعيان ببغداد. و قد أنتج الزهاوي إنتاجا أدبيا و فنيا غزيرا و يرجع ذلك في رأيي إلى طبعه الأدبي الصادق و موهبته المواتية و مما لا شك فيه أنه كان
يكتب بسهولة بالغة، و الأدباء الذين على هذه الشاكلة تكثر ثمارهم و تتعدد نتائجهم الفنية لأنهم لا يجدون صعوبة فيما يكتبون أو ينظمون.
  و الزهاوي كان مثقفا بالنسبة لعصره ثقافة عالية، و قد حاول أن يزيد من هذه الثقافة و لكن العلل اصطلحت عليه و السن أدركته فلم يصنع كثيرا في هذه السبيل، يضاف إلى كل ذلك انشغاله بالناس و بالدفاع عن نفسه أمام الحملات التي شنها عليه رجال الدين و المحافظون في الفكر على التقاليد و الأعراف فقد تشرب الزهاوي الفلسفة و أغراه على ما اعتقد لقب الفيلسوف فجاهر ببعض الآراء التي لم تكن على مستوى العصر أو سهلة المأخذ من نصف فرن مضى فعد الشاعر مخالفا، و اعتبر خارجا على العرف فهوجم بغير هوادة أو لين، و قي الزهاوي من وراء هذا الهجوم عنتا كبيرا و الذي اعتقده أن الزهاوي لم يفد شيئا من هذا الخلاف و لم يستفد الجيل الأدبي منه أيضا إلا كما يفيد الإنسان من رؤية فيلم سينمائي مجرد من الفكرة و العبرة، فقد كان المهاجمون يدورون في حلقة مفرغة من الدفاع عن الدين، دفاعا يتلخص في سرد الآيات القرءانية و الأحاديث النبوية كما كان الزهاوي يدور في الحلقة ذاتها و إن اختلفت طريقة الدوران مكتفيا بإيراد ما يحفظه من نظرية دارون و ما قرأه في مجلة المقتطف من أبحاث فلسفية أو شبه فلسفية و مقالات فلكية و علمية، كان يحفظها و يعرضها على الناس و قد هيأت له الحياة الأدبية هاتيك الأيام أناسا يعطفون عليه أو يستغلون عاطفة المنافسة عنده فراحوا يلقبونه بالفيلسوف و العالم الجهيد إلى ءاخر هذه الأوصاف و النعوت التي كانت بعيدة عن الزهاوي بعدا كبيرا لأن الزهاوي لم يكن في حقيقة الأمر إلا شاعرا فحسب.
  و إذا أرجنا التحدث إليك عن شعر الزهاوي فلا بد من تقسيم البحث إلى موضوعين أولهما يتناول رأي الزهاوي في الشعر، و الثاني يبحث قصائد الشاعر و جهد الفني.
  أما رأي الشاعر في الشعر فغريب عجيب و أغرب منه أن يصدر عن شاعر كبير مارس نظم الشعر و عرف دواعيه و بواعثه و قد أثبت رأيه هذا في مقدمة ديوانه و في مقال عنوانه ( نزعتي الشعرية ) و قد بدأ حديثة فيه بتعريف الشعر تعريفا تقليديا لا جديد فيه فحين أراد أن يقول شيئا جديدا أخفق إخفاقا كبيرا و ناقض نفسه مناقضة أسفنا لها أسفا شديدا. يقول الزهاوي : ( و لا أرى للشعر قواعد بل هو فوق القواعد ) و لا أدري كيف أقدم هذا الشاعر المرموق على إيراد مثل هذه الفكرة التي تخالف قواعد المنطق التي يتذرع بها في بحوثه و ءارائه، و هل هنالك شيء في الوجود بلا قاعدة، إن القاعدة تلازم كل عمل فني أو علمي، و ما الأوزان الشعرية و القوافي إلا قواعد لا يمكن الاستغناء عنها إلا تبعا لقواعد جديدة تحل محل القواعد القديمة و هل نستطيع تصور فن الرسم أو النحث أو الموسيقى دون قواعد. إن حذف القاعدة يعني الفوضى و الفوضى لا تثمر شيئا و لا تنتج فنا أما إذا أراد الشاعر بقوله أن يحقق الحرية للفن فإن الحرية باختيار المعاني التي يريدها و الأخيلة و الصور التي يراها مناسبة لموضوع القصيدة أو للإحساس الذي يعتلج في صدره و يتمخض عنه ضميره. الشاعر حر في أن يتصور ما يريد و لكنه مجبر على أن يضع هذا التصور في قالب له أصول و قواعد لا يجوز الشذوذ عنها أن التخلص منها، و الزهاوي يناقض نفسه في قوله السابق الذي أوردنا لك نصه فيقول بعد سطور من مقدمته : ( و لا يسوغ للشاعر العرب مخالفة قواعد اللغة ) فهو يعترف هنا باللغة و بأن هذه اللغة مرتبطة بقواعد لا يجوز للشاعر الخروج عليها مهما أوتي من حرية الفكر و الرأي. إن الشاعر يحس الحياة بأعصابه و هذا الإحساس لا قاعدة له و هو مستغن عن القاعدة ما دام في حيز التصور فإذا أريد له أن يثبت على الورق خضع للقاعدة من لغة و عروض و قافية و نحو و صرف.
  لقد أراد الزهاوي أن يجدد في الشعر و كان عليه أن يجدد دون أن (يريد ) ذلك لأن الإرادة هنا تحمل معنى التكلف و التصنع، و عن هذين لا يمكن أن يصدر تجديد صحيح، و ذلك أن التجديد يحدث من ذاته و لا يقصد إليه أما شعر الزهاوي ففيه الجيد البارع كما رأيت في الأبيات التي مرت بك في مطلع هذا الحديث و اسمع هذه الأبيات الرائعة أيضا من قصيدة عنوانها ( الغريب المحتضر ) : 
                           أموت بعيدا عن دياري و عن أهلي
                                                فمن يا ترى يبكي حوالي من أجلــي
                           أموت غريبا في ربوع شبيبتي
                                                و لا صاحب عندي يمرض أو يسلي
                           غداة عد يا لهف نفسي على غد
                                                يتم علــى الأيــدي إلى حفــرة نقلــي
                           إلى حيث لا شمس النهار مطلة 
                                                 و لا الليــل نظــار بأعينــه النجــــل
                           
إلى جدث دافي القرارة ضيق
                                                  يجــاور أجداثــا بنيــن علــى تـــك
ففي الأبيات وصف رائع لموت الغريب و وصف دقيق للقبر و ما يتبعه و كل ذلك بلفظ مختار و ديباجة موفقة، و لكن هذا الشعر الجميل قليل عند الزهاوي لأن هذا الشاعر كان يكثر من النظم دون أن يختار الوقت المناسب أو الفرصة المواتية فغذا فعل ذلك خرج شعره مهلهلا ضعيف الأسلوب بل إنه كثيرا ما يخرج على قواعد العروض و القافية و ربما لجأ إلى المعاني الرخيصة و الأفكار المبتذلة كما في قوله حين يتلهف على بغداد بعد فراق لها :
                           إن حبــي لمــن أفــــارق فيهــــا
                                                يتجلــى فــي دمعــي المهـــراق
                           ليــس من بعــد العــــراق مقـــــر
                                               غير مصر و مصر أخت العراق   
                            في رحيلي عن العراق إلى مصر
                                                مصابــي معــــادل لاشتياقــــــي

 و لفظة ( التجلي ) في البيت الأول غير موفقة و الشطر الأول من البيت الثاني مضطرب الوزن و كان يستطيع أن يقول ( ليس بعد العراق لي من مقر ) حتى ينسق له ( البحر الخفيف ) و كم أجد عنتا في قراءة ( و مصر أخت العراق ) لما فيها من عامية و ابتذال، فإن الشعر ينبغي أن يختار له التعبير الرائع الأخاذ و إلا سقط و هجره القارئون.
إن الزهاوي كان شاعرا موهوبا مفطورا على الشعر و الشعور كالفلسفة و الفلك و الدين فلم يوفق في هذه و أساء إلى شعره إساءة بالغة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here