islamaumaroc

الإسلام والشورى

  دعوة الحق

129 العدد

  لقد رفع الإسلام مكانة الشورى باعتبارها عنصرا أساسيا من العناصر التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، و أنزل الكريم سورة من سور القرءان باسمها « الشورى ».
  ذلك أن الإسلام أتى لبناء عالم حر يقوم على الآراء الناضجة المبنية على تبين وجه الحق بعد البحث الاستقلالي، و أعمال الفكر، و تبادل الآراء، و قيام شركة فكرية بين الأفراد الذين يعينهم الأمر، إذ كل فرد ينظر إلى الموضوع من زاوية قد لا ينظر منها غيره، و يستخرج وجها من وجوه الحق قد لا يبدو لغيره، و هنا تتعارك الآراء، و توضع تحت محك التمحيص و الموازنة و القبول و الرفض، و التقديم و التأخير، و الترتيب، فإذا جوهرة الحقيقة تبدو لامعة ناصعة و قد تخالفت العقول المختلفة على تنقيتها من الشوائب لحد تصبح معه ملكا للجميع يرضي عنها الجميع، حيث لا يدعى فرد معين نسبتها إليه و لا يستطيع أن يخرج عليها فرد معين لأنها بنت الجماعة و ثمرة الإجماع.
 فالشورى أصل أساسي جوهري في إدارة الشؤون الجماعية، و لا بد لها من كفالة الحرية التامة في إبداء الآراء ما لم تمس أصلا من أصول الدين. و بتقرير الإسلام لمبدئها أصبح قاضيا على الاستبداد بالحكم أو الرأي، مجهزا على احتكار السلطة الفردية، محققا للفرد كرامته، و للجماعة حقها الطبيعي في تقرير شؤونها.
 و قد قرر الإسلام مبدأ الشورى و لكنه ترك نظامها دون تحديد لكي يتيح للناس أن يختاروا في كل عصر و كل بيئة ما تدركه عقولهم، و تتطلبه مصالحهم من طرق الشورى إذ أن شؤون الناس متعددة بتعدد عناصر الحياة، و متطورة بتطورها. و ليس من الشورى أن يكون الإنسان مقلدا آراء غيره تابعا لها تبعية انقياد، بل يكون باحثا لها موافقا عليها عن بصيرة و فهم و اعتناق يوازن بينها و بين ما تتركه من الآراء الأخرى، و لكن هل نستطيع أن نعد كل فرد صالح لأن يكون من أهل الشورى أيا كان ذلك الفرد ؟ و ما موقف عامة الناس إذا من الشورى في الأمور العليا التي لا ترتقي إليها مداركهم ؟
الجواب : أن للشورى أهلها و رجالها و هم وحدهم أولوا الأمر فيها و هم مصادرها الذي تصدر عنهم. و على سائر الأمة أن تطيعهم و تأخذ بمشورتهم.
يقول الله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و الرسول و أولي الأمر منكم » و طبعا أن أهل الشورى هم أولو الأمر من الأمة الذين عرفوا بكمال الاختصاص في بحث الشؤون المختلفة و إدراك المصالح فيها و الغيرة عليها، و كانت إطاعتهم هي الأخذ بما يتفقون عليه في المسائل ذات النظر و الاجتهاد أو بما يترجح فيها عن طريق الأغلبية أو قوة البرهان، و أولو الأمر في الشورى كثير، منهم الرؤساء و الحكام و العلماء و الفقهاء و نواب الأمة و مجالس الغرف الاتحادية و النقابات و كل المؤسسات التي تتكون مجالسها عن طريق الانتخاب الذي يتمكن فيه كل فرد من اختيار الممثلين للجماعة عن جدارة و أهلية و اطمئنان إليهم.
 
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه : « لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول اله » و قد خاطبه الله جلت قدرته بقولة : « و شاورهم في الأمر ».
وصفهم سبحانه في آية أخرى بقوله : « و أمرهم شورى بينهم ».
و ورد عنه عليه السلام : « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم ».
  و قد كان صلوات الله عليه  النموذج الأعلى في ذلك إذ كان ينزل على رأي الكثرة في كل الأمور الدنيوية التي لم ينزل فيها وحي – ففي غزوة « بدر الكبرى » نزل الرسول الأعظم بأصحابه أدنى ماء فقال له الحباب ابن المنذر :
  أهذا منزل أنزله الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الرأي و الحرب و المكيدة، فقال الرسول : هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، فقال النبي : لقد أشرت بالرأي. و عمل بما رأى الحباب.
  و هذه غزوة أحد نرى الرسول الأكرم صلوات الله عليه يجمع صحابته حينما ترامى النبأ بأن قريشا جمعت قواتها لغزو المدينة و ملاقاة العدو في أحد، و كان الرسول يرى غير هذا الرأي، و لكنه نزل عند رأي الأكثرية. و لما لبس لامة الحرب و تهيأ للخروج قال الناس : بعضهم لبعض لقد أكرهتم رسول الله على الخروج و هو كاره له و يتحدث رجال في النزول على رأيه هو دون رأي الجماعة فيرفض ذلك و يقول : «ما كان لنبي إذا لبس عدة الحرب أن يخلعها حتى يقاتل ».
و أخرج ابن مردوية عن علي أنه قال : سئل رسول الله عن العزم في قوله تعالى : « و شاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله ».
فقال : « مشاورة أهل الرأي ثم أتباعهم »، و يقول الحسن البصري في تفسير هذه الآية :
قد علم الله أن رسوله ما هو بحاجة إليهم، و لكن أراد أن يقتدي به من بعده، و قد نهج الرسول في تربية أصحابه على هذا المبدأ فكان رائدهم في الحكم من بعده و بخاصة في أعلى مسائل الحكم و هي الخلافة.
  لقد فتح الإسلام أمام المسلمين أوسع أبواب التطور بتقديس مبدأ الشورى، و لم يحدد طريقة معينة، و لا نظاما مفروضا، و لكن الإسلام أهاب بالفرد أن يكون حر الرأي في مشورته، و إلا يكون إمعة تابعا لغيره تبعية عمياء، « و لست بإمعة في الرجال يسائل هذا و ذا ما الخير » و يوضح هذا المعنى حديث الترمذي عن الرسول الأكرم عليه السلام : « لا يكن أحدكم إمعة يقول : أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، و إن أساءوا أسأت. و لكن ظنوا أنفسكم أن أحسن الناس أن تحسنوا، و إن أساءوا أن يتجنبوا إساءتهم ».
ثم في آية « و شاورهم في الأمر » إيماء إلى وجوب العزيمة متى استكملت شروطها التي أهمها المشورة، و سر هذا أن نقص العزائم خور في النفس، و ضعف في الأخلاق يجعل صاحبه غير موثوق به في قول و لا فعل و لاسيما إذا كان رئيس حكومة، أو قائد جيش، و من ثم لم يصغ النبي صلى الله عليه و سلم إلى مشورة من رجع عن رأيه الأول و هو الخروج إلى أحد حين لبس لامته و خرج، إذ رأى أن هذا شروع في العمل بعد أن أخذت الشورى حقها و بذلك علمهم أن لكل عمل ميقاتا محدودا. و أن وقت المشورة متى انتهى جاء دور العمل، و أن الرئيس إذا شرع في العلم تنفيذ للشورى لا يجوز أن ينقض عزيمته، و يبطل عمله و لو كان يرى أن أهل الشورى أخطأوا الرأي و التدبير كما في حديث قضية أحد الملمح إليها آنفا.
  و لا يزال أهل السياسة و الحرب في البلاد ذات الحضارة و المدنية يجرون على هذه القاعدة و يجعلونهم دستورا لأعمال أممهم و لا ينقضونها على أي حال، حتى قال أحد كبار ساسة الإنجليز : إن السياسة متى قررت شيئا و شرعت فيه، وجب إمضاؤه و امتنع نقضه و الرجوع عنه و إن كان خطأ.
  و إذا كانت ظاهرة المشورة بهذا الاعتبار أدركنا عن إيمان و اقتناع ما تحتويه من منافع لها قيمتها الجامعة في تقدم الشعوب و إحرازها على انتصارات و الانتصارات المطردة.
فمن يمنها تخليص الحق من احتمالات الخواطر و منها الإقدام الدال في جلاء على القوة و الرجولية، و منها ظهور مقادير العقول و الأفهام و مقدار الحب و الإخلاص للصالح العام، إذ في ذلك اجتماع القلوب على إنجاح المسعى الواحد، و اتفاقها على ما يساعد
على حصول المطلوب، و من هذا المعنى شرعت الاجتماعات في الصلوات و كانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع و عشرين درجة.
و هذا ما سلكه الرسول الأعظم مرتين في بدر.
1) حين خرج إلى العير فبلغه أنهم قريش فقال للناس : ما ترون ؟ فقال أبو بكر فأحسن، و قال عمر فأحسن، وتكلم المقداد بن عمرو فأحسن، فقال النبي عليه السلام : أيها الناس أشيروا علي، و إنما يريد صلوات الله عليه الأنصار، و كان يظن أن الأنصار لا ينصرونه إلا في الدار، فتكلم سعد بن معاذ قائلا : أنا أجيب عن الأنصار. كأنك تريدنا، قال أجل إنك قد خرجت في أمر قد أوحي أليك في غيره، فإنا قد آمنا بك و صدقناك، و شهدنا أن ما جئت به حق، و أعطينا مواثيقنا و عهودنا على السمع و الطاعة، فامض يا نبي الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقي منا رجل إلى آخر كلمات سعد البطل الحر.
يقول القاضي أبو بكر بن العربي : و لقد أنصف سعد فقضى نحب ربه، و نحب قومه،و نحب نفسه، و جاء بالقول الأسد، من القلب الأشد، و الرأي الأسعد، و المرة الثانية ما أشير إليه قبل في قصة الحباب بن المنذر الأنصاري مع الرسول الأكمل عليه السلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here