islamaumaroc

المصلحة العامة في مذهب مالك بن أنس

  دعوة الحق

129 العدد

  لعل ناقدا ينقدني بتناولي لموضوعات شتى. وعذري أن العلم عندي كالفاكهة، ثم إني كنت مديرا للمعهد الديني العالي في تطوان وأستاذا به، يوم تناولت هذا الموضوع، منذ ثمان عشرة سنة. فثقافتي المتنوعة ونظري إلى العلم كالفاكهة- يهاب من أنواعها الكثيرة- وتقلباتي في التدريس والبحث، كل هذا جعلني "أتقلب" في تناولي لموضوعات "شتى"، خصوصا وأن "التخصيص" عندنا أصبح يجنح إلى ما تتبعه النتائج المنطقية في مقدماتها. والعبرة على كل حال بالجوهر الفذ لا بالعرض الزائل، وبالإنتاج وقيمته لا بالمنتج ونشطاته.
 
من المعلوم أن أصحاب المذاهب في تشريعهم لا يتحدون جميعا على الأسس التي بنوا عليها تشريعاتهم، فبينما نرى صاحب مذهب يعتمد كل الاعتماد على ما ورد في الكتاب والسنة ولا يعير لغيرهما كثيرا من الإصغاء نرى آخر يعتمد عليهما ولكنه يحتكم إلى الاستنتاج العقلي بجانبهما ولربما حكم عقله حتى فيما ورد في المشكلة الفقهية من مأثور السنة أو نص الكتاب.
وبين النوع الأول والثاني تتفاوت الأنظار في الأخذ بأحد الأساسين: النصوص- الرأي.
وإذا أردنا أن نضع خطا بيانيا يمثل لنا طوائف أصحاب المذاهب المشهورة وموضعهم العمومي من أحد الطرفين فإننا نستطيع، مبتدئين بالنصوص ومنتهين بالرأي، أن نضع في أول الخط:

1- المذهب الظاهري
2- المذهب الحنبلي
3- المذهب المالكي
4- المذهب الشافعي
5- المذهب الحنفي
وبناء على هذا الخط البياني فإننا نجد مالكا وسطا بين أصحاب المذاهب المشهورة في الأخذ بوجهتي نظرين مختلفين. وهذا الموضع الذي وضعناه فيه إنما هو باعتبار العموم وليس هو بهذا الموضع في كل نظراته التشريعية كما سنرى فيما بعد في هذه المسألة بالذات: مسألة المصلحة العامة، أو مسألة "المصالح المرسلة" أو "الاصطلاح" كما يسميها أصحاب المذهب.
ولنقف الآن عند مذهب مالك والخطوط التي ارتسمها فيه حتى نكون على بينة في دراستنا لموضوع المسألة التي عنونا بها البحث.
 أمامنا مالك بن أنس في منحاه الاجتهادي لا يشترط في الحديث الذي يأخذ به ما اشترطه أبو حنيفة من الشهرة وغيرها بل يعمل به حتى ولو كان خبر الواحد إذا ما صح عنده أو حسن مع التزام التحري الشديد في الحديث الذي يعتمده فهو مثلا لا يأخذ الحديث من سفيه أو من داع إلى بدعته أو من كاذب في حديثه العادي مع الناس بل هو لا يأخذ الحديث حتى من شيخ قد اتصف بالفضل والصلاح والعبادة ولكنه لا يعرف ما يحمل وما يحدث به معرفة تامة.
 
فمالك كما نرى لا يتساهل في رواية الحديث والعمل على مقتضاه، حتى يخلو من تلك الشبهات التي يتعرض إليها من جراء الرواة السالف ذكرهم، فإذا توفرت تلك الشروط فإنه في داخل نطاقها يتوسع توسعا لا ينتهي إليه أبو حنيفة وإلى جانب الأخذ بهذه الأحاديث فإن مالكا يعتمد كذلك على عمل أهل المدينة ملاحظا فيهم أنهم سكان دار الهجرة النبوية ومهبط جل القرآن المتعلق بالأحكام فهم لهذا الاعتبار أفقه الناس بالسنة وأعلمهم بأحوالها وما تعرضت إليه من النسخ في بعضها ببعضها الآخر فأهل المدينة إذا اتفقوا على مسألة وعمل بها علماؤهم على اتفاق فيما بينهم فعملهم هذا حجة يقدم على القياس بل إنه يقدم حتى على الحديث الصحيح لأنهم بصفتهم التي كانت لهم أدرى الناس بالأحاديث وأعمال النبي عليه السلام من غيرهم.
 
هذا إذا كان العلماء قد أجمعوا على قضية ما- كما سبق- وعملوا على وفقها. أما إذا لم يقع منهم إجماع ولو بخروج الأقلية منهم عن الأكثرية فإن عملهم حجة ولكنها لا تقدم إلا على خبر الواحد في رواية الحديث ويتقدم عليها الحديث الذي روي من عدة رواة ذلك أنه ينزل عمل أهل المدينة منزلة الرواية فعمل الأكثرية بمنزلة رواية الأكثر فإذا جاء خبر واحد يخالفهم وهم كثرة فلا مناص أن هذا الخبر على صحته منسوخ كما هو واضح بين.
 
على أننا إذا قلنا بعمل أهل المدينة وإجماعهم فعلينا أن نفرق في هذا الإجماع بين الأعمال النقلية التي رووها من أقوال النبي عليه السلام أو أفعاله والأعمال الاجتهادية التي ليست فيها رواية ولا نقل وإنما هي اجتهاد من علماء المدينة اتحدوا فيه وحصل منهم إجماع عليه فالإجماع الذي حصل منهم على النقل حكمه ما سلف أما الإجماع الذي حدث منهم في الاجتهاد فهذا اختلف أهل المذهب فيه فمنهم من يتخذه حجة ويعمل به عمله بالنوع الآخر حيث أنه يرى أن هذا الإجماع منهم على هذا الاجتهاد لم يكن إلا لأن مؤهلات الاجتهاد وأسسه كانت قائمة على ما توفرت فيه الشروط في النقليات ومنهم من يرى غير هذا وأن للقوم عقولا اجتهدوا بها ولنا عقول كذلك يمكن أن نجتهد بها ولا يلزمنا اجتهادهم.
 
ومن مسالك التشريع عند مالك العمل بقول الصحابي إذا كان ذا مكانة ممتازة ولو لم يكن من أهل المدينة وذلك كالخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ولكن مالكا لا يلجأ إلى عمل هؤلاء الأعلام من الصحابة إلا إذا لم يرد في المسألة نص. 
 
هكذا نجد مالكا مقيدا بالنصوص سواء الواردة منها عن النبي عليه السلام أو عن أكابر الصحابة ثم هو إلى جانب ذلك مقيد كذلك بعمل أهل المدينة على الاعتبارات والدرجات التي تقدمت ولم نذكر من بين النصوص نصوص القرآن لأن هذه لا يختلف فيها مذهب عن مذهب إلا باعتبار الأخذ بالظاهر أو التأويل في فهم النص أو الاطلاع على النسخ فيه.  
 
إذن فمالك من هؤلاء الذين يقفون عند "حرفية القانون" ولكنها وقفة طويلة متزنة يؤيدها المنطق الحصيف والرأي السديد وليست وقفة داود الظاهري ولا وقفة أحمد بن حنبل فهو في الحقيقة لم ير تقليد هؤلاء فيما رووه أو رأوه لمجرد كونهم رووه ورأوه ولكنه يرى طبيعة الأشياء تفرض عليه هذه الوقفة: مثلا إذا اعتمد على عمل أهل المدينة فإنما ذلك الاعتماد قائم على تحفظه الشديد وتحريه أن يصيب الهدف في أحكامه الشرعية. وكل منصف يؤيده في هذا الاتجاه إذا ما راعى مكانة أهل المدينة ومقدار اتصالهم بصاحب الشريعة ومداخلتهم إياه مداخلة المكان والزمان.
 
ولهذا فمالك ليس تماما- كما يفهم من وصفه بأنه يتبع حرفية القانون وإنما هو يعمل في الغالب بروح القانون لا بحرفيته إذا أمعنا النظر فهو في وقفته عند النصوص يتصرف بعقله تصرف القانوني المخلص لروح القانون والمتزن في أحكامه وعلى أساس هذا التصرف وعلى إدراك هذا الروح في القانون يخرج لنا مالك مصدرا هاما من مصادر التشريع المالكي أو الإسلامي عموما هذا المصدر الهام هو "المصالح المرسلة" أو المصالح العامة كما نسميها فهذه المصالح التي كانت النظرة عميقة فيها تؤهل الفقيه المالكي أن يكون له إدراك متسع الأفق ولباقة قانونية بل تفضي به إلى أن يقف في مصاف المجتهدين ولكن نصوص القوانين ليست كافية أن تخرج لنا رجال القوانين إن فقه مالك أخرج لنا الشافعي نعم? أخرج الشافعي لأن شخصية الشافعي القوية ومؤهلاته العديدة استطاعت أن تتبلور بتلك الثقافة وأن تبدو للناس بمظهر الخلق والابتداع.. 
 
لو استمر العمل حسب ما تمليه- المصالح المرسلة- بين أصحاب مالك لكان فقه مالك أغنى الفقهيات في الإسلام ولكن العمل لم يستمر وبقيت مسألة الاستصلاح أو المصالح مسألة تاريخية عرفت عند مالك ولم يجز بها العمل إلا لماما وفي بيئة دون بيئة وفي مسألة دون أخرى ثم هي مع هذا كله تتعثر في سيرها وتتجاذبها الأيدي حتى من أصحاب المذهب أنفسهم...
ولعل القارئ يصيح في: ما هي هذه "المصالح المرسلة" حتى تكون بهذه المثابة؟!
"المصالح المرسلة" مسألة لها اتصال وثيق بما عرف عند الحنفية بمسألة "الاستحسان" لهذا نرى لزاما علينا أن نتعرض لهذه المسألة أولا بشرح وجيز ثم ننتقل منها إلى مسألتنا هذه.
مسألة الاستحسان قائمة على الاعتبار الاعتزالي القائم على التحسين والتقبيح العقليين عند التشريع والمعتزلة عرفوا بين الناس بأنهم يحتكمون إلى العقل كما قال فيهم ابن السبكي في جمع الجوامع "وحكمت المعتزلة العقل" ونظريتهم هذه تدور على أن في الأفعال نفسها التي تتعلق بها الأحكام صفات من حسن يحبذه العقل أو قبح يتجانف عنه. فعلى هذين الأساسين قام التحليل والتحريم فكل حكم معقول المعنى ولا مقابل وكل مسألة محللة لابد أن نلتمس لها وجه من الحسن وكل مسألة محرمة لا مناص لنا أن نلتمس لها صفة من القبح فالتحسين والتقبيح كما ترى لا يقومان على النقل أول ما يقومان وإنما النقل نفسه يقوم عليهما وإلا لما كان هناك وجه لذلك التحليل وهذا التحريم فلو لم يوجد الشارع لكان العقل السليم وحده كافيا في أن يستحسن ما حلله الشارع وأن يستقبح ما حرمه بالأحكام الشرعية خاضعة إلى سلطان العقل مهتدية بالنور الذي وضعه الله فيه بالحسن والقبح كلاهما محور يدور عليه التشريع الإسلامي فالأحكام تدور على العلة وجودا وعدما كما يقول الفقهاء خذ مثلا الصدق والكذب فما من عقل سليم ينكر ما في الصدق من منجاة وفلاح وما من عقل سليم ينكر ما في الكذب من مضرة وهلاك فالقيمة الخلقية فيهما ذاتية عقلية وإلا لما كان الشارع حلل الأول وحرم الثاني.. وإذا فالمعتزلة يخالفون الواقفين عند الأوامر والنواهي لا لشيء إلا لأنها أوامر ونواه وردت عن الشارع ولكنهم يتعقلون ما في الأوامر من مصلحة يفرضها العقل وما في النواهي من مضرة يحذر منها العقل فالنظرة العقلية والاستجابة إلى ما يفرضه العقل هي التي جعلت في القرآن والسنة ناسخا ومنسوخا لأن النظرة العقلية إلى طبيعة الأشياء وتطور الحيثيات هي التي رفعت ذلك الحكم وأقامت هذا، فالعلة مثلا في تحريم زيارة القبور ارتفعت لرجحان علة أخرى ذكرها الشارع فقال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الدار الآخرة"
 
والعلة في القصاص ذكرها القرآن فقال: "ولكم في القصاص حياة" والعلة في تحريم الخمر والميسر ذكرها الله فقال: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر" وهكذا نجد الكتاب والسنة في كثير من المحللات والمحرمات يبينان لنا وجه التحليل في ذلك على أساس عقلي كما يبينان لنا وجه التحريم في هذا على أساس العقل كذلك فالمعتزلة إذن لم يحكموا العقل من غير ما يكون لهم مستند في هذا التحكيم بل المعتزلة في الحقيقة يصح أن نعدهم في طبقة التجريبيين من الفلاسفة ولا نعدهم في طبقات العقليين بكل دقة المعتزلة يحتكمون إلى العقل بعد الاستقراء وما تاريخ قدمائهم وفطاحلهم وما الإمعان في صنيعهم إلا مؤيد لهذه القولة ويكفي دليلا على هذا "النظام" وتلميذه "الجاحظ"... هم في مسألة التحسين والتقبيح لم يبتدعوا فيها ولم يقتحموا خطوطا كانت محظورة أو مبهمة من الشارع وإنما أخذوا بمبدئه في تبيين العلل وزادوا أو استمروا في هذا الخط في التماس العلل للأحكام وتوسعوا في ذلك توسعا لا يحده إلا حدود العقل الطليق المتصرف تصرفا حكيما رشيدا وفي القرآن الكريم في حق الدين: "فطرة الله التي فطر الناس عليها" وفي حق المهملين لعقولهم تنديد عليهم في مثل قوله: "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" وفيه حض على الاستقراء وبناء الحكم العقلي عليه في قوله تعالى: "أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء" وفي السنة النبوية ما يؤيد قدرة العقل على الاهتداء بنوره في نحو قوله عليه السلام في حق الصحابي خبيب "نعم العبد خبيب لو لم يخف الله لم يعصه" وقد جعل القرآن إكراه العاقلين على اتباع الحق غير إكراه في قوله تعالى: "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" فحيث تبين الرشد من الغي بطريق التفكير العقلي فلا إكراه على الحقيقة.  المهم أن الحنفية وعلى رأسهم إمامهم أخذوا بمبدأ التحسين والتقبيح وارتكنوا على الرأي والعقل بفطرته السليمة التي تستطيع أن تدرك ما في الشيء من صفات حسن فتتبعها ومن صفات قبح فتتنكب عنها وأن الإنسان لو لم تبلغه دعوة من رسول مرسل فلا عذر له في الجهل وفي إهمال هذه القوة التي أودعها الله فيه ليدرك بها الصالح والسيئ وهو من أجل هذا ملزم بفعل الحسنات وترك السيئات ولأمر ما كان الصبي ومن لا عقل له غير مكلف لأنه فاقد لتلك الأداة التي يدرك بها القبيح من الحسن. 
 
وفي الحقيقة ليس الاعتماد على العقل مخلوقا للمعتزلة في المسلمين وإنما نجده مبكرا في بعض المسائل عند الصحابة كعمر مثلا ثم نجده قد التزمه بعض فقهاء المدينة فيما بعد مثل "ربيعة الرأي" الذي لكثرة الاعتماد على الرأي أضيف إليه فقيل "ربيعة الرأي" وهو أحد المؤسسين للمدرسة التي تخرج منها مالك بن أنس وقد تردد إلى العراق موطن الرأي وتوفي سنة 136.
 
على أننا لا نجعل الحدود فاصلة بين العقليين والنقليين وإنما نقول أن العقليين لا يهملون النقل وإنما هم يعللونه بالعقل بينما النقليون لا يهملون العقل وإنما يؤيدونه بالنقل ففرق بين أولئك وهؤلاء إن أولئك ينظرون إلى السر العقلي في المسألة المنصوص عليها ويقيسون على ذلك السر وتلك العلة وهؤلاء ينظرون إلى المسألة التي نص الشارع على تحليلها وتحريمها ويقيسون عليها الأولون يبنون على الكلي المبني على القضية العقلية في جزئية من الجزئيات والآخرون ينظرون إلى الجزئية الوارد فيها الحكم ويبنون عليها ويجعلونها المبدأ فيقيسون عليها ما كان شبيها بها. فالكل متصرف بعقله فيما بعد ولكن تصرف الأول كان في حدود أوسع وفي نطاق أشمل لأنه خرج من الجزئي إلى الكلي بينما الآخرون يتصرفون بعقولهم ولكن تصرفهم لا يتعدى حدودا ضيقة تحوم حول المسألة التي نص عليها الشارع.
 
ولا نريد أن نتوسع في ما راج بين هؤلاء وخصومهم وكل ما نريد أن ننبه عليه فهو أن أصحاب الرأي فيما بعد وجدنا من بينهم من توسط في المسألة حيث أنهم قسموا الأحكام إلى قسمين: أحكام تتعلق بأمور العبادات فلسنا ملزمين لأن نلتمس لها تحسينا أو تقبيحا عقليين. وأحكام تتعلق بشؤون الدنيا فلابد للعقل أن يقول كلمته فيها وهي نظرة قيمة تجعلنا ننظر إلى سير الحياة في خطوطها الطويلة سيرا سريعا متبصرا ونشرف فيها على آفاق بعيدة المدى.
هذه هي مسألة الاستحسان، أما مسألة المصالح المرسلة فما هي؟
المصالح المرسلة:
المصالح المرسلة هي ما تسمى الآن بالمصالح العامة وهي مسألة - كما تقدم- قال بها مالك وظلت في مذهبه يعمل بها في حدود ضيقة إلى العصر الذي خبا فيه ضوء العقل الحر وتحجرت المدارك ولم نعد نجد لها ظلا شاخصا إلا في بعض الجزئيات التي حتمتها الضروريات القاسية وقلما تظفر بها وهي في الحقيقة ليست- كما يدعى- مصدرا زائدا على مصادر التشريع الأول: "الكتاب السنة والإجماع والقياس" وإنما هي مستخرجة من نفس المصادر الأربعة فلابد أن ننظر فيها بعيون جديدة النظر غير زائغة البصر. هذه المصالح تقوم على تقديم الصالح العام على الصالح الخاص إذا تعارضا وعلى ارتكاب أخف الضررين لو اجتمعا ولو كان بجانب كل واحد نص يؤيده أو ينهى عنه. ذلك أن أصحاب المصالح المرسلة نظروا إلى لب الشريعة والغرض الأساسي منها فانتهوا إلى هذه الكليات الخمسة التي بنى الشارع عليها أحكامه وهي كليات استقرءوها فوجدوها خمسة أمور: "حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال".  
 
فلو استعرضنا أمور الشرع ونواهيه لما وجدناها تتعدى هذه الأسس الخمسة، وعلى هذا فإذا نظرنا إلى أية مسألة وأردنا أن نصدر فيها حكما لم ينص عليه فإننا يلزمنا أن ننظر إلى نتائجها وإلى ما سيترتب عليها من مصالح أو مضار فندقق في هذه النظرة ونقدر كل النتائج ونوازن فيما بينها إن تواردت أو تعارضت مستعينين في ذلك بمسيار العقل وبالمقاصد الشرعية التي هدفت إليها الشريعة فإذا ما انتهينا من ذلك كله فلا يبقى علينا إلا أن نصدر الحكم اعتمادا على المصالح والمفاسد أو الصالح والأصلح والفاسد والأفسد عند التعارض.
 
خذ مثلا مسألة أتى بها صاحب المصلحة المرسلة: لو تترس العدو بجماعة من أسرى المسلمين وقعوا في يده هل نقاتل العدو ويكون في قتالنا له قتل الأسرى المسلمين الذين تترس بهم العدو أم نترك العدو خوفا من أن نصيب مسلما ونزهق روحا بريئة؟
 
هنا تعارضت المصلحتان كما تعارض النصان: العدو يأمرنا الدين بقتاله: "قاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا" والمسلم ينهانا الدين عن قتله ضمن قوله "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
فماذا نصنع؟
لننظر إلى المصلحة ولنقدر المضرة. المصلحة العامة تقضي بقتال العدو والمصلحة الخاصة تقضي بعدم قتاله إبقاء على الأسرى المسلمين: المضرة في عدم قتال العدو عامة فهي مضرة ثقيلة والمضرة في قتاله قتال جماعة الأسرى ولكنها مضرة خفيفة إذن
فليرتكب أخف الضررين لأننا لو لم نرتكب أخف الضررين لمكنا العدو من الفرصة ولغلب علينا فلا نستطيع بذلك أن نحفظ مقاصد الشرع أو بعضها من نحو الدين والنفس والمال مما وجدنا الشرع حريصا على حفظه.
 
وهناك مثال آخر أتى به مالك في مسألة الضرب. فالتهمة عند الاستنطاق بالسرقة مثلا: المصلحة العامة تقضي بهذا الضرب أو الحبس. والمصلحة الخاصة لا تقضي به: المصلحة العامة هو أننا بهذه الوسيلة نستطيع أن نتوصل إلى حسم هذا الفساد الذي حل بالمجتمع من ضياع أمواله وتعريضها للهلاك فعلينا أن نستعمل الوسائل التي نستطيع بها أن نطمئن الناس على أموالهم وأن نجعلها في الحفظ الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة والمصلحة الخاصة أن لا نوقع أذى بذلك المتهم لأنه لربما كان بريئا فنظلمه "والله لا يحب الظالمين" والمضرة العامة في ترك المتهم وهي مضرة ثقيلة والمضرة الخاصة في ضربه أو سجنه وهي مضرة خفيفة إذن فلنرتكب أخف الضررين وهو الضرب أو الحبس أو ما إلى ذلك من العقوبات والشرع إنما يقدر الكلي ويهمل الجزئي وهكذا أتى مالك وأصحابه بأمثلة للمصلحة العامة. ثم عرضت لأتباعه فيما بعد مسائل من هذا القبيل فوجدنا منهم من يجيب فيها بناء على قانون المصلحة المرسلة ومنهم من يتوقف فيها أو يعارضها لا من ناحية المبدأ ولكن من ناحية الاتجاه حتى مات العمل بالمصالح العامة أو كاد ولم يلتفت إليه إلا تحت ضغط السلطان فيما تحدث من مشاكل تجابه الدولة مثل فرضه الخراج على الرعية والضرائب وما إلى ذلك. والمواقف فيها كانت عنيفة سواء في الأندلس أم في المغرب إلى زمن يسير.. 
 
وبهذه المصلحة المرسلة لا تجدها وليدة لمالك كما لا نجد مذهب الرأي وليدا لأبي حنيفة وإنما نجد لها بذورا في عهد الصحابة كما في مسألة حد الشارب أربعة أو ثمانية وقد كانت على عهد النبوة ضربا بأطراف الثياب أو النعال كما حدث في أيام عمر من مسائل مثل نزع الملكية ممن امتنع عن بيع داره لهدمها في سبيل المصلحة العامة بل إننا نجدها حتى في بعض الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم ووجد فيها كثير من القساوة ولكن المصلحة العامة كانت تقتضيها من مثل حد الزاني لأن فيه حفظا للنسل وصونا من الفوضى الاجتماعية ووعيا لكيان التربية العامة.
  
وإذا كنا نفاجأ بشيء في العمل بالمصلحة المرسلة فإننا نفاجأ بمعارضة الشافعي فيها كما نفاجأ بمعارضته في التحسين والتقبيح.  
 
فهذا الشافعي المتحرر من كثير من القيود والمرن في تشريعه والمتمعن في أحكامه حتى إنه كان المتفرد من أصحاب المذاهب بتغيير مذهبه وجعله مذهبين في الحقيقة لا مذهبا واحدا استجابة للظروف ومرونة مع ما تقتضيه الأحوال وتستدعيه البيء المختلفة حيث كان له مذهب في العراق وآخر في مصر ولو أن الزمان كان قد امتد به ولو أن المكان كان قد اتسع به فأتى مثلا إلى المغرب أو الأندلس أو قدر لعمره أن يطول لما كان يتردد في أن يخلق له مذهبا أو مذاهب أخرى تمشيا مع ما يجد في مكانه أو زمانه وتنفسا بما يتأرج في هذه البيء المختلفة بل إننا وجدناه قد خرج عن مذهبه الأصلي المالكي لما تجدد على عقليته بحكم تردده على العراق واتصاله بأجواء مختلفة وممارسته لقضايا لم يكن قد سبق له أن مارسها لما كان بالمدينة بجانب أستاذه مالك رحمهما الله فكان من اختلاف هذه المناهج المتعددة والمتلونة بألوان متباينة أن استقل بمذهبه ودعا إليه في سنة 195، والشافعي أديب فيه مرونة الأديب ورياضي فيه دقة الرياضي فلا غرو أن يكون لهذين العاملين أثر قوي في توجيهه نحو ذلك الاستقلال في التشريع بعد أن أدرك غور الأشياء وانحدر إلى أعماق أسرارها وبذلك استطاع وحده أن يخلق لنا علما هاما في أصول التشريع "أصول الفقه" التي تشرف بالفقيه على أن يدرك الكليات ويقيس عليها الجزئيات وهو مطمئن كل الاطمئنان إلى أن بيده أداة فعالة وأقنوما دقيقا يسجل به الأشياء ويقدرها حق قدرها. هذا الشافعي الذي استطاع وحده في زمن وجيز وفي وقت مبكر أن يهيئ أصحابه بمصر لأن يصبحوا مجتهدين في تشريعهم ومحاولين هم أنفسهم أن  يخلقوا مذاهب خاصة لهم سواء في ذلك الرجال من أتباعه أو النساء (كما سنتعرض إلى هذا البحث بحول الله) هذا الشافعي بهذه الصحيفة الإشراقية نجده يرفض مسألة المصالح المرسلة كما يرفض مسألة "الاستحسان" ويضرب بكلتيهما عرض الحائط ويقول في الاستحسان مثلا، من حسن فقد شرع، وهي وقفة نستغربها منه كما نستغربها من ابن المقفع قبله في الرأي وهو من هو يرفع صوته بنداءاته العديدة أن ينظم الفقه الإسلامي نظاما دقيقا وقد ضاق بالفوضى التي كانت على عهده ابن المقفع هذا نجده يقول في الرأي: فصل بين الدين والرأي،  إن الدين يسلم بالإيمان وإن الرأي يثبت بالخصومة فمن جعل الدين خصومة فقد جعل الدين رأيا ومن جعل الدين رأيا فقد صار شارعا ومن كان هو يشرع لنفسه فلا دين له.
 
وهكذا ينفر ابن المقفع من الرأي كما نفر الشافعي بعده من الاستصلاح والاستحسان ولم يلتفت إلى أصحاب الاستحسان حتى في أدلتهم التي أتوا بها من القرآن لتشفع لهم في هذا مثل قوله تعالى: "اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم" وقوله: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله" فالشافعي في هذه المسألة بالذات لم يكن من أصحاب الذوق القانوني ولم يلزم موضعه الذي وضعناه فيه من الخط البياني السابق وإنما رجع فيه إلى ناحية ابن حنبل كما قفز مالك إلى ناحية أبي حنيفة متعديا مكان الشافعي منه.
 
ولعل القارئ الكريم يسأل: إذا كنت قد قلت في حق الفقه المالكي أنه قد أخرج الشافعي وأنه بالإضافة إلى مؤهلاته استطاع أن يستقل بمذهبه الخاص ونوهت في ذلك بمسألة "المصالح المرسلة" فجعلتها تقريبا روح المذهب أو هي أهم شيء يمتاز به هذا المذهب فما بال الشافعي قد استطاع أن يخلق له مذهبا مع أنه لم يقل بهذه المسألة التي امتاز بها المذهب المالكي؟ 
 
والجواب على هذا في منتهى البساطة: فالشافعي لم يقل بهذه المسألة بالذات ولكنها بلا شك قد أثرت في عقليته ونشاطه التشريعي ومثله في ذلك مثل أبي حنيفة الذي تشبع بالمذهب الاعتزالي تشبعا كبيرا أو بطريقة الكلاميين في جدالهم حتى قد حدث عن نفسه بقوله: كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام فمضى دهر فيه أتردد وبه أخاصم وعنه أناضل وكنت أعد الكلام أفضل العلوم.
 
ثم بعد ذلك رفض- كما يقول- رفضا تاما مذهب الكلاميين وأصحاب الجدل، فهل هذا يكون كافيا في أن أبا حنيفة لرفضه ذلك لم يتأثر به في توجيه تشريعه؟ كلا، فإن أبا حنيفة بفضل الكلاميين وجدلهم ولتأثره بذلك استطاع أن يبني مذهبه على الرأي وأن يأخذ من المعتزلة مسألة الاستحسان وأن يتبناها بكل عطف ويدافع عنها بكل حرارة ثم هو بكل ذلك استطاع كما استطاع الشافعي أن يكون من أتباعه من كان على أبواب استقلال في مذهبه. ومن المعلوم في كتب الأصول أن أقوال أتباع أبي حنيفة لا تعتبر كلها أقوال أبي حنيفة، فالحنفيون كثيرا ما يخالفون إمامهم في فقههم.
 
هذا عرض سريع لمسألة المصلحة العامة في المذهب المالكي وموقف غيره منها وعمل أصحابه بها وعسى الأيام أن تتيح لنا فرصا أخرى نرجع فيها إلى هذا الموضوع بأكثر دراسة فيه توسعا وأعمقها بحثا إن شاء الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here