islamaumaroc

لحظات مع ابن مالك في ألفيته

  دعوة الحق

129 العدد

  كان ابن مالك إحدى الشعل العلمية التي ظهرت في العصر الموحدي، وبرزت في علوم اللغة خاصة، ابتدأت بابن مضاء القرطبي وتوسطها أبو موسى الجزولي وابن معط الزواوي تلميذه، وانتهت بابن مالك فابن أبي الربيع الإشبيلي.
 
لقد هاجر ابن مالك عن وطنه، بعدما شاهد الحال الذي انتهى إليه الأندلس، وقد مني بموقعة العقاب المشؤومة التي دارت رحاها على الموحدين قرب مدينته "جيان"، وهو في سن التاسعة أو دون ذلك، فغادر وطنه، عالما من العلماء وفقيها مالكيا، كما يذكر أصحاب التراجم، وانتقل إلى الشام التي كانت آنذاك تجذب نحوها رجال المغرب والأندلس، من مثل ابن معط وابن عبرون، اللذين كان لهما  شأن مع ابن مالك كما سيأتي. 
 
وكان ابن مالك يمثل الفكر الموحدي المتحرر، فهو في نحوه يخرج عن مدارس البصريين والكوفيين ويجتهد حينما يرى ذلك حتما لازما، وهو في مذهبه الفقهي يتخلى عنه، وينتقل إلى المذهب الشافعي، حينما رأى ذلك واعتقده فكان كالشافعي المتحرر من مذهب إلى مذهب، وكابن حزم كذلك ينتقل من مذهب إلى آخر، ولكنهم جميعا، لا ينتقلون إلا والرأي قد أملى عليهم هذا الانتقال والشخصية الذاتية المكتملة قد تحولت بهم من مجرى إلى غيره. كل ما هنالك أن الشافعي وابن حزم انتهيا إلى مذهب استقلا به، بينما ابن مالك لم يكن مؤهلا لهذا الاستقلال، فانتهى عند الاختيار دون الابتكار.
 
وعلى كل حال فيهمنا التحرر في اللغة والنحو، وهو ما نعنيه من ابن مالك، وما عناه هو كذلك، ولم يدع غيره، مطلقا.. ولم يكن ابن مالك من أولئك المكثرين من الأخذ عن الشيوخ. ففي الأندلس خاصة، لا نعرف ممن أخذ عنهم فيها، إلا رجلا اشتهر بالقراءات ولم يشتهر بالنحو، وإن كان هذا شديد الاتصال بها، وهو ثابت بن خيار أو ابن حيان. أما الذين أخذ عنهم بالمشرق فلا يتعدون ثلاثة، أحدهم أندلسي الأصل، وهو ابن عبرون السالف الذكر، واثنان مشرقيان، هما ابن يعيش وابن الحاجب. 
 
ويبدو أن ابن مالك، لم يكن من تلاميذ هؤلاء بالمعنى الدقيق، وكل ما هنالك أنه أخذ عنهم بعض المسائل، ولهذا نجده ينعت بعضهم، وهو ابن الحاجب، بكون هذا قاصرا في النحو وأنه لم يأخذه عن المبرزين فيه، كما سنرى...
 
وعليه يكون أبو حيان على حق حينما يدعي أن ابن مالك لم يكن له من الشيوخ من يعتد بهم، وإن كان الناس قد انتقدوا ذلك عليه، ومن أوائلهم ابن رشيد السبتي.
 
لقد كان ابن مالك كثير القراءة عظيم الحفظ، فهو مكب على هذه القراءة، حتى ولو كان في نزهة مع أصحابه، وهو أعجوبة في حفظه، لا ينقطع عنه إلا بانقطاعه عن هذه الدار، التي ودعها بحفظ بضعة أبيات، من الشعر، لفظ إثرها أنفاسه الزكية، وهو مع هذا وذاك منقاد إليه النظم مطواع له، فينظم في سؤال يسأله، منظومته "لامية الأفعال" مجيبا صاحبه في الحين ودون أن يفترق عنه.
 
ويعتني بإنتاج معاصريه، فيشرح الجزولية، بعد ما يدرسها ويتفهم مغازيها، ويقرأ الألفية المعطية، فيحذو حذوها، ويعترف بالفضل لصاحبها، ويؤلف وينظم، ثم يعود إلى بعض ما ألفه أو نظمه فيشرحه.
 
وقد عدت تآليفه بالعشرات وقاربت الأربعين، نظمها بعضهم كما في "بغية الوعاة"، واهتم بذكرها أصحاب التراجم والتواريخ العربية والتركية، ومن هذه الأخيرة كتاب "أندلس تاريخي" المؤلف للسلطان العثماني عبد المجيد الأول، والمنشور ما بين عام 1279 و 1280.
 
ومن الغريب أن يذكر في هذا الكتاب، ضمن مؤلفاته مؤلف يحمل اسم "ألف ليلة وليلة"، وسنقف عند هذا بعد.. لقد حظي ابن مالك في حياته، بكثير من الإعظام والإجلال، وهو كل ما حظي به في حياته، أما بعد الممات فقد حظي بالخلود، الذي طفا على غيره، ونسخ بكتبه كل آثاره، سواء منها ما كان بالمشرق وما كان بالمغرب. ففي المشرق هذه الشروح للألفية بالخصوص صارت عمدة النحاة وعلى رأسهم ابن هشام بكتابه أوضح المسالك، وفي المغرب، هذا المكودي، يدرس "الكتاب" لسيبويه، بمدرسة العطارين. فيحضر درسه طالب بربري، يحمل إليه الألفية، وعليها شرحان، من المشرق، لابنه والمرادي، فلا ينظر إليها المكودي، حتى تبهره فيسرع إلى وزير الوقت ويطلعه على هذا الكنز، فيشير عليه هذا بشرح الألفية، فيشرحها شرحين، ويكب عليها، فيكون آخر عهده بالكتاب لسيبويه بل يكون آخر عهد المغرب به، كما كان آخر عهد المشرق به.
 
ومن الغريب أيضا، أن يكون قاضي القضاة بدمشق ومفتيها، ابن خلكان، من هؤلاء المعظمين لابن مالك والذين كانوا في بعض الأحيان يأخذون بيده فيصحبونه- وقد أم بهم في "العادلية"- إلى بيته ثم يرجع، تعظيما له، ومع هذا لم يترجم له في الوفيات، وأحسن من ترجمه السيوطي ولم يذكر أحد من أصحاب التراجم العربية، له "ألف ليلة وليلة" فالغالب أن المترجم التركي التبست عليه الألفية بذلك، أو أنه ربما اطلع على "ألف ليلة وليلة" أخرى، لا نعرفها مطلقا، فبالأحرى أن نعرفها لابن مالك، الذي لم يكن هذا الميدان من ميادينه، إن كان الذي فيها هو ما في "ألف ليلة وليلة" الشهيرة من موضوع.. ومهما يكن فإن ابن مالك، كان حظه من الدنيا قليلا، ولهذا قيل فيه: "خرج من الدنيا ولم يتعلق بأعراضها ولا قرطس سهمه في أغراضها"، بل يقال أنه لم يتمتع ببرور أولاده جميعا، فكان بدر الدين ابنه من المعترضين عليه، حتى قالوا أنه عناه مذكرا إياه بالبنوة، في البيت من ألفيته:

                              نحولــه علــي ألــف عرفــــا
                                            والثاني "كابني أنت حقا صرفا"

وأنه عبر عن ألمه بآخر يليه فقال:
                             كذك ذو التشبيه بعد جملة
                                             "كلي بكا بكــاء ذات عضلــة"

  ولكن هذا بعيد، إذا علمنا أنه ألف ألفيته لابنه تقي الدين أسد، فيكون إذن هو المتبادر في الخطاب، وكان أسد هذا مرضيا عنه محبوبا عند والده، ولذلك ألف له المقدمة التي نسبها إليه باسم "الأسدية". ثم إننا نستبعد أن يكون اختلاف النظر في المسائل العلمية مدعاة للعقوق أو عدم البرور، وإن كان هذا يختلف باختلاف الأزمان والأشخاص.
 
ولا يفوتنا بعد هذا أن نذكر أن ابن مالك تأثر ببعض نحاة المغاربة، فقد شرح الجزولية للإمام الجزولي المراكشي، كما تعقب تلميذه ابن معط الزواوي الجزولي، ولا يكون هذا التعقب، بدون ما يكون له أو به تأثر، وهو نفسه يعترف بذلك فيقول:
                              وهو بسبق حائز تفضيلا
                                                مستــوجــب ثنائــي الجميــلا

  وفيما يتصل بمنظوماته، فقد كانت له منظومات قصار في بعض المسائل، لم تذكر بين آثاره العديدة التي وردت في كتب التراجم، ومن هذه المنظومات القصار، منظومة له، في الفعل المعتل الفاء واللام، في حالة الأمر، وهي:
                              
إني أقول لمــن ترجــــى شفاعتـــــه
                                                ق المستجيــر قياه قوه قــي قينــا
                              وإن صـرفت لوال شغــل آخــر قــل
                                                ل شغل هذا ليــــاه لوه لــي لينــا
                              وإن وشى ثوب غيري قلت في ضجر
                                               ش الثوب ويك شياه شوه شي شينا
                               
وقـــل لقاتــل إنســان علــى خطـــأ
                                                د من قتلــت ديـــاه دوه دي دينــــا
                                وإن هم لـم يروا رأي أقــول لهــم
                                                 ر الرأي ويك رياه روه ري رينـا
                                وإن هم لم يعوا قولي أقــول لهــم
                                                 ع القول مني عياه عوه عي عينـا
                              وإن أمــرت بوأى للمــحب فقــــل
                                                  أ من تحــــب إياه أوه إي إينــــا
                              وإن أردت الونى وهو الفتور فقل
                                                   ن يا خليلي نياه نــوه ني نينــــا
                              وإن أبى أن يفي بالعهد قلــت له
                                                   ف يا فــــلان فوه في فينـــــــا
                              وقل لساكن قلبي إن ســواك بــه
                                                  ج القلب مني جياه جوه جي جينا
وأخيرا فقد عد ابن مالك من البؤساء، ولهذا ترجمه الشهاب أحمد بن علي الدلجي، بين هؤلاء في كتابه "الفلاكة والمفلكون" كما ترجمه معاصر من المصريين، في كتاب سماه "البؤساء"، لا أذكر اسم المؤلف، وإن كنت ما زلت محتفظا، بما ذكره له من مناجاة يقول فيها:
 
اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك أنت الفعال لما تريد، لقد أسبغت نعمتك على قوم، وأوصدت باب رزقك في وجه آخرين، لا اعتراض في حكمك، ولا تبديل لكلماتك، اللهم لقد أصبحت جميع مشاغل الحياة ناقرة مني، نازحة عني، حتى صارت في نظري كالعدم، بل هي والعدم سواء ولولا الأمل الغريزي في الطبائع الإنسانية، لما ذقت لذة العلم، ولا أدركت سبيله، ولكني تاقت نفسي لحب الرفعة، فخسرت الراحتين معا، أبتغي الدار الآخرة، اللهم ارزقني نعمة الصبر، واكتبني مع الشاهدين".
 
هكذا يثبت صاحب البؤساء، هذه المناجاة لابن مالك، والعهدة عليه، لأن في أسلوبها ما يجعلنا نقف وقفة شاكة في نسبتها بنصها إليه.
 
توفي ابن مالك، سنة 672، أي في السنة التي ولد فيها ابن آجروم شيخ النحاة في العصر المريني، ورثاه بعضهم بشعر ذكر بعضه صاحب البغية، كما ذكر آخر ابن رشيد في رحلته، رحم الله الجميع ورضي عنهم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here