islamaumaroc

أزهار البرتقال

  دعوة الحق

129 العدد

- و لكن يا باسم ...
- لقد قررت و علي أن أنفذ قراري بأسرع وقت ممكن ..
- و الكلية .. ؟
- سأتركها غير آسف ..
- و الطب .. ؟
- تعلمت ما يكفيني أن أضمد جراحي و جراح قومي
و صمت « رافع » و جلس على كرسي قرب « باسم » و هو موقن تماما أن هذا هو قرار رفيقه الأخير.
و مهما يكن من أمر فإن أي شيء في الدنيا لن يقف في وجه « باسم » أو عقبة في طريقه.
و ران عليهما صمت مطبق ...
قال « باسم » فجاة :
- من العبث أن أظل هنا .. و غيري هناك ... أي نظام فرق بيني و بينهم .. أية طبقة .. بل أية قضية ...؟
رد « رافع » :
- لا شيء أبدا .. و لكن يخيل إلي أن مستقبلك .. أيامك القادمة ستفيد القوم عندما تصبح طبيبا، فنحن ما زلنا في تخلف و نحتاج إلى كل متعلم و عالم يستطيع أن يصنع من أجل شعبه شيئا.
هب « باسم » واقفا و هو يقول :
- أرجوك يا رافع .. لقد فهمت ما فيه الكفاية، و لم أعد بحاجة بعد اليوم إلى العلم، لقد استوعبت القضية .. سمني جاهلا إن شئت، و لكن هذه التسمية أفضل عندي ألف مرة من أن أظل في جحيم هذه المدينة، أسمع في كل يوم شتائم الناس لقومي ... لماذا، لأنهم يريدون أرضا يعيشون فوقها.. يريدون بيتا .. بل كوخا صغيرا يأوون إليه ..
و أكمل قائلا :
- لقد سئمت .. سئمت كل شيء و لم أعد أطيق صبرا .. و سأرحل غدا ...
                                             ***
و قف البروفيسور « نورمان » في إحدى قاعات كلية الطب بجامعة « هامبورغ » يشرح لطلاب السنة الرابعة، الفرق بين كبر حجم الجمجمة و صغرها و علاقة هذا الفرق في الذكاء .. و قال :
- تأملوا معي هذه الجمجمة .. إن صغر هذا التجويف الذي يسكنه الدماغ يدل دلالة واضحة على ضعف الذكاء عند صاحبها .. و لا عجب في ذلك إذا قلت لكم أن هذه الجمجمة لزنجي أسود من سكان إفريقيا ...
وقف « باسم »  و صاح بأعلى صوته مقاطعا أستاذه :
- أما آن للعلم أن يتحرر من ربقة القيود الموحشة يا أستاذ .. ؟
صمت الأستاذ قليلا، و هو يتطلع إلى « باسم » .. ثم أجاب بكل هدوء :
- لم يكن العلم مقيدا في يوم من الأيام.
رد « باسم » في عنف :
- أية حرية إذن لعلم يفرق بين جمجمة زنجي و جمجمة أبيض .. ؟
قال الأستاذ متمالكا أعصابه :
- هذا ما دلت عليه الدراسات ...
ضحك « باسم » ساخرا و هو يقول :
- الدراسات ... و السخافات تدل على أعمق من هذا أيضا.
عدل الأستاذ « نورمان » نظارته على عينيه، و قال :
- لا أسمع لك بهذا الكلام يا باسم .. إن كانت لديك بعض الأسئلة فسنبحثها بعد انتهاء المحاضرة.
فلم يعبا « باسم » بكلام أستاذه، فاستمر يقول :
- ليس ما أقول بعيدا عن العلم أو عن الدراسات ... فقد آن الأوان للعالم الأبيض في أي مكان من العالم لكي يعرف أن الزنجي إنسان قبل كل شيء .. و التفرقة العنصرية لا دخل لها في العلم أبدا ...
و أردف صائحا :
- هل تستطيع يا سيدي، إذا بدلت لك هاتين الجمجمتين و نزعت الإسم عنهما أن تعود إلى معرفتها من جديد .. ؟
ارتفع صوت « نورمان » هذه المرة، و قال :
- اجلس يا باسم إن كنت تبغي الصمت .. أو اخرج إن كنت لا تستطيع الجلوس ..
قال « باسم » بحدة و نزق :
- قبل أن أخرج أريد أن أتحداك يا سيدي .. فبعد أن زال الجلد الأسود من فوق جمجمة الزنجي الإنسان، هل ترك السواد لونه على العظام .. ؟
و انفعل « نورمان » و صاح :
- باسم .. أخرج .. فقد أسأت للعلم وأنهكت كرامته.
و ترك « باسم » مقعده في القاعة، و خرج ... و حين أصبح أمام أستاذه، التفت و واجه زملاءه، و قال :
- و أنت يا سيدي العالم الأبيض أسأت للإنسانية.
                                                ***
ابتسم « باسم » و هو يقول لرفيقه :
- ما كنت أظن أن نورمان يهودي .. حتى عرفت موقفه الأخير مني في الفصل الماضي .. فعلى الرغم من أنني أجبت على أسئلته إجابات موفقة جدا .. إلا أنه حطم علامتي و أراد أن يحطم مستقبلي ..
قال « رافع » :
- رجل حقير ...
قال « باسم » :
- كلهم كذلك .. و لهذا يجب أن نبرهن لهم أننا أقوياء .. إننا بشر .. إننا أصحاب حق في الحياة .. و في الموت أيضا .. و في العلم كذلك.
سال « رافع » في حزن دفين :
- و ماذا نويت أن تفعل يا باسم ؟
قال « باسم » و قد أشرقت على وجهه فجأة ابتسامة مشعة :
- سأغادر هامبورغ .. و سألتحق بالرفاق ... لنصنع معا مجدا و نبني أرضا و ننشئ وطنا ...
و تهيأ للخروج، و وقف عند الباب، و التفت إلى « رافع » و قال :
- سأفتقدك ... سأفتقد هذه الغرفة الصديقة و هذا الجو الحبيب الذي كان ينسيني هموم الدنيا كلها ... و سأراك غدا.
و خرج « باسم »، و استسلم « رافع » لموجة من بكاء صامت حزين.
وصلت إلى أسماع « باسم » دقات الساعة الكبيرة في المدينة تعلن انتصاف الليل .. كان ما يزال في غرفته الصغيرة ذات النافذة الواحدة التي تطل على الشارع .. الشارع الطويل الذي تبدو الجامعة في نهايته.
غدا سيترك المدينة ...
غدا سيرحل ...
سيرحل .. إلى أين .. إلى أين سيرحل .. ؟
إلى الوطن .. إلى الأرض التي عاش فيها آباؤه و تركوا فيها أكثر من نداء للعودة ..
أزاح ستارة النافذة قليلا، و تطلع إلى الشارع المغسول بأمطار الليل النظيفة .. فالمطر في الليل يغسل كل أدران المدينة، و لكن ما أن يظهر الصبح حتى يعود إلى المدينة وجهها القذر.
سنوات أربع ...
عمر مضى، ما يزال يحفظ فيه كل أيامه و دقائقه و لحظاته .. و عمر آت يلفه المجهول لا يرى منه سوى أفق بعيد شفيف، و أشباح من رجال تغدو و تروح .. و انفجارات في كل مكان ... و دماء تسقي الأرض العطشى أبدا للعطاء الزكي.
هناك عاش الآباء .. و هناك ولدت الأمهات جيلا نزح قبل أن تكتحل عيونه برؤية الأرض الخيرة المعطاء.
يا أرض الحب و الخير و الدماء ... غدا سأراك ..
غدا سأعانق ترابك المقدس.. غدا ستكتحل عيناي بأزهار البرتقال الحزين ... غدا سأعود لألبي نداء الأرض و نداء الحياة.
و أحس فجأة بنشوة عارمة و حب جديد لهذه المدينة الغريبة .. و تساءل في نفسه .. ترى ما سر هذا اليوم .. ؟
و جاءه من أعماقه أكثر من جواب : قلوب محبة .. نفوس متطلعة، آمال مرسومة، آفاق بعيدة ... كلها تنتظر و تتطلع و تترقب غدا جديدا و يوما مبتسما.
و عادت السؤالات تتزاحم في نفسه ..
ترى ما شكل أرضي .. ما لون ترابها .. ما رائحة أزهار البرتقال .. ؟
لقد ترك الأرض السليبة و هو ما يزال في سنواته الأولى، لا يكاد يعي صورة من صور الماضي .. إلا تلك الرحلة الشاقة القاسية المرة، يوم رأى الناس جمعا كبيرا يرحلون .. و يتركون بيوتهم في نزهة طويلة خشنة.
لم يكن يعرف يومذاك معنى هذه الرحلة، و كل الذي وعاه .. أن بعض الناس كانوا يبكون بينما هم يرون من حين لآخر التماعات في الجو تكاد تفجر الليل كله عن أنوار ذات أصوات مرعدة جبارة.
و تمضي الأيام ...
و يألف « باسم » يوما بعد يوما مدينة كبيرة، على وجوه سكانها بسمة، و في قلوبهم حب ... و في تطلعاتهم أكثر من أمل مشرق وضاء ...
و يعرف أنه في دمشق ...
 و تكافح العائلة الصغيرة، و يناضل أفرادها، و تتهالك الام الحانية كيما تؤمن لأولادها مستقبلا كمستقبل الأولاد جميعا ...
و تستمر الصور البعيدة تمر .. واحدة في أثر أخرى، و هو يتطلع من نافذة غرفته الصغيرة إلى المدينة التي تغتسل بأمطار الليل النظيفة ...
و يسمع من جديد دقات الصبح تقطع عليه حبل ذكرياته البعيدة .. و توقظ في نفسه آماله القريبة الآتية.
و تشرق الشمس، و تتسرب أشعتها خيوطا مذهبة تتسرب إلى أعماقه فيحس بأكثر من نشوة تزاحم أحاسيسه الدفينة.
و يبتسم ...
يبتسم إذ يرى عن بعد : رجال يعملون .. و أطفال يلعبون .. و نساء تزغرد .. و أفراح تقام في كل دار .. و بسمات على كل شفة .. و سعادة في كل قلب ...  و روعة على كل وجه ... و شكر على كل لسان.
                                               ***
- أدموع أرى في عينيك يا رافع. ؟
تمتم « رافع » و هو يمسك بيد « باسم » على رصيف المحطة .
- أجل .. إنها دموع الفرحة .. اليوم أنت .. و غدا نحن .. و كلنا سنعود ..
قال « باسم » مشرق الوجه وضاح الجبين :
- ليس قبل أن تنهي جامعتك يا رافع ... و عندما سنعود، ستجدني قد هيأت لك عيادة كبيرة في أجمل أحياء القدس .. القدس الجديدة التي سنبنيها أنا و الرجال غدا ..
و قطع دوي القطار و صفيره على الرفيقين حديثهما ..
فكانت الشفاه تتمتم دون أن تسمع الكلمات، و القلوب هي التي تعبر عن كل الآمال ...
و امتدت الرحلة ...
مرة في قطار ... و أخرى في شاحنة .. و أخيرا في باخرة ..
و تطول الأيام، و يحسبها « باسم » دهرا طويلا، و أياما لا تنتهي ...
و يقف على سطح الباخرة .. هو الإنسان الذي يبحث عن أرض بين الماء و السماء ..و السحب ممتدة على طول المدى و منتهى الأفق.
ترى ما شكل أرضي ... ما لون ن ترابي .. ما رائحة أزهار البرتقال .. ؟
و تتزاحم الصور أمامه من جديد.
رحلة قاسية، و أناس يبكون، و أنوار ليلية تنفجر عن أصوات مرعدة جبارة ... و مدينة كبيرة، على وجوه سكانها بسمة، و في قلوبهم حب .. و في تطلعاتهم أكثر من أمل مشرق وضاء ...
و جمجمة بيضاء لإنسان أسود .. تجويفها مغارة كبيرة حوت آلام البشرية و عذاب الإنسان منذ أن وطأت قدماه الأرض.
و عالم أبيض في أعماقه سواد معتم يرسم زيفا وجه الحقيقة المضحك ...
و قلوب تتطلع إلى غد قريب ...
و أحس « باسم » فجأة بشيء جديد ...
و ابتسم، و راحت نظراته تسابق الأمواج تستبق الريح ..
و انتشى من نفس عميق عبه وأراد أن يبتلع الوجوه فيه ...
ما هذه الرائحة الغريبة ...؟
ما هذا العطر الساحر الأخاذ ..؟
ما هذه اللذة المثلى في النفس العميق..؟
و جاءه الجواب عميقا عميقا :
إنها رائحة أزهار البرتقال ...
  
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here