islamaumaroc

نص الكلمة التأبينية التي ألقيت باسم جلالة الملك المعظم

  دعوة الحق

129 العدد

 ...ألقى الأستاذ الشيخ محمد المكي الناصري كلمة باسم صاحب الجلالة والمهابة مولانا الحسن الثاني أيده الله في الذكرى الأربعينية لوفاة فقيد الإسلام السيد محمد الفاضل بن عاشور، وقد نوه كثيرا بخصال ومزايا فقيد المغرب الكبير، وبمدى تعلق أبناء المغرب به ملكا وحكومة وشعبا الذين رأوا فيه مضرب المثل في انسجام الفكر، ووحدة الملكات عقلا وذهنا ولسانا وثقافة متنوعة المصادر فجاءت كالماء المعين صافيا كاللجين، سائغا للشاربين...

سيادة الرئيس- سماحة الشيخ الإمام- حضرات السادة.
ليس من السهل علينا أن نتصور غيبة رائد إسلامي عظيم كان بهجة المحافل وزينة المجالس، إذا وقف ملأ السمع والبصر، وإذا تكلم ملك القلوب بجاذبيته وسحر بيانه، واستولى على الألباب بمنطقه السليم وساطع برهانه.
  
لقد كان فقيدنا عالما فذا من أفذاذ العلماء تحققت فيه صفات العالم الفذ، المتمكن من علمه تمام التمكن، المستوعب لأجزائه كامل الاستيعاب، المتصرف في أصول علمه ومبانيه، المعبر عن أدق وأعمق معانيه، المقتدر على دفع الشبه الواردة على الإسلام من الجاهلين به والطاعنين فيه. فكان سندا للحقيقة الإسلامية الرائعة، وكان مددا للفكر الإسلامي السليم.
  
لقد كان فقيدنا مضرب المثل في انسجام الفكر، وتناسب الملكات، ووحدة الشخصية وقوتها: عقل فاحص، وذهن حاضر، ولسان ذرب، وثقافة صهرتها الدرية والاستيعاب في بوتقة واحدة، رغما عن تعدد أصنافها، وتنوع مصادرها، فجرت كالماء المعين، الذي خرج خالصا صافيا كاللجين، سائغا للشاربين، ولم تكن ثقافته الواسعة عبارة عن جزر متجاورة، وقطع متنافرة، بل تلاحمت الأجزاء التي تكونت منها ثقافته وتمازجت على مر الأيام، وبرزت في غاية التمازج والتكامل والوئام.
لقد كان فقيدنا مثلا حيا للعالم العامل، الحامل لرسالة العلم، والواعي بمسؤوليتها، مما جعل كل من عرفه يحس بالوحدة المثالية التي تربط خيوطها في سلك واحد بين عقيدته ومعرفته وسلوكه في حياته الخاصة والعامة، جاريا في ذلك على سنن أسلافه الكرام، الذين استحقوا أن يكونوا قدوة للأنام.
 
وإذا كان المصاب بفقيدنا قد أثار موجة عارمة من الأسى والحزن فلأن فقيدنا العظيم كانت تعقد عليه الآمال للمساهمة في أداء مهام أسمى وأعلى، وتحقيق أهداف أوسع وأشمل، من كل ما قام به خلال حياته الخصبة العامرة، وكان المنتظر في الظرف الدقيق الذي يمر به العالم الإسلامي أن يساهم مساهمة فعالة في تحقيق جزء كبير مما يتطلع إليه المسلمون من منجزات فكرية وروحية على الصعيد الإسلامي، فالعالم الإسلامي الآن في مفترق الطرق، وعلى أبواب بعث جديد يشترك في حمل أعبائه قادة الحكم والفكر في دنيا الإسلام، ومنذ أن حقق الله أمنية المسلمين باجتماع قادتهم في مؤتمر القمة الإسلامي بالرباط، واجتماع وزراء خارجيتهم لتكوين أمانته العامة في الحرمين الشريفين أصبح الأمل قويا في أن تتألف تحت إشراف الأمانة العامة لذلك المؤتمر العتيد هيئات مختصة يندمج فيها كبار المفكرين والعلماء تعنى بتبادل الآراء حول مشاكل العالم الإسلامي الراهنة، ومشاكل العالم العامة، وتعنى بتحديد فلسفة إسلامية جديدة ملائمة للعصر، منبثقة عن المفاهيم الإسلامية الصحيحة، فلسفة تعتمد بالأصالة على التراث الذهبي للإسلام. وتدخل في حسابها ما أنتجه الفكر الحديث، فتنتفع منه بكل ما يساند المثل الإسلامية العليا، ويلقح الفكر الإسلامي الجديد، كما تعنى باقتراح حلول مناسبة لمشاكل المسلمين المنبثقة عن تطورهم الخاص، حيث أن كثيرا من الحلول المستوردة من الخارج أثبتت التجربة القاطعة أنها غير ملائمة للبيئة والظروف القائمة في العالم الإسلامي، وغير منسجمة ولا متجاوبة مع واقع المسلمين. فكم كان لفقيدنا لو واصل حياته من بيننا من جولات وصولات في جميع هذه المجالات، بفكره الناضج، ورأيه النافذ، وتجربته الصادقة، وخبرته الطويلة، وحكمته العميقة، النظرية والعلمية. ألم يكن وجوده بين أظهرنا زادا نافعا، ومددا واسعا، لو فسح الله له في الأجل، وحقق على يده جزءا كبيرا من هذا الأمل؟ فمن هذه الزاوية- بالأخص- جل الخطب وعظم المصاب بفقد فقيدنا العظيم في وقت نحن أحوج ما نكون إلى رأيه وهديه، ولولا وجود نخبة من مريديه وحملة رسالته تركهم من بعده لعز العزاء، وفقد الرجاء، بعد موته ونعيه.    

 
سيادة الرئيس- سماحة الشيخ الإمام- حضرات السادة.
إن عبقريا كهذا العبقري جدير بكل ما ناله من حظوة وتقدير، ومحبة وإجلال، في قلوب الخاصة والعامة، ولا بدع أن تجدوا- أيها السادة- عاهلا مسلما، نصيرا للعلم ومحبا للعلماء، كعاهلنا المفدى ملك المغرب جلالة الحسن الثاني، في طليعة المعجبين بهذا العالم الفذ، المنوهين بعلمه ودينه وفضله، وعلى رأس من كانوا يعلقون على معرفته وحكمته عريض الآمال، ويستمعون إلى أحاديثه في مجالسه الحسنية السنوية دون انقطاع ولا فتور.
فباسم خادم العروبة والإسلام جلالة ملك المغرب الحسن الثاني، وباسم حكومته وشعبه، وباسم أساتذة جامعة محمد الخامس، وعلماء جامعة القرويين ودار الحديث الحسنية، نجدد لكم جميعا عبارات العزاء والمواساة، وإنها لعبارات يشترك فيها كل مواطن وكل مواطنة في أقصى المغرب، فما من مغربي مغربي إلا وقد تملى من طلعة فقيدنا العظيم، وارتسمت صورته في قلبه، وارتوى من معينه الصافي، وأعجب بعلمه وسمته ووقاره بالغ الإعجاب. جدد الله عليه الرحمات، وأسكنه فسيح الجنات، وجعلنا أوفياء لرسالته، محافظين على عهده وأمانته.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here