islamaumaroc

ابن عبد الملك المراكشي

  محمد العايد الفاسي

16 العدد

ابن عبد الملك المراكشي، أو صاحب كتاب الذيل والتكملة، شخصية لامعة في التاريخ المغربي والأندلس معا، وكل من أتيح له الإطلاع على بعض أجزاء الذيل والتكملة لكتابي الموصل والصلة، يعلم بالبداهة قيمة والتكملة لكتابي الموصل والصلة، يعلم بالبداهة قيمة هذا العالم المغربي ويشهد بعظيم اطلاعه واتساع باعه وطول عارضته وذلاقة لسانه وأجادته السباق في جولاته العلمية ونقده الصريح وبراعته في الدليل والحجة، مع مشاركة في مختلف العلوم المدرسة في عصره، ومعرفته بالأندلس وطبقات علمائها وأدبائها معرفة الخبير الباحث المستقصى يقل نظيرها بين الأندلسيين أنفسهم.
كل هذا يجعلنا جميعا نتطلع إلى أنباء هذا العصامي الكبير، ونتشوف إلى تفاصيل حياته الحافلة ومختلف دراساته، ولكنه ـ والأسف يملأ جوانحنا ـ بعد البحث الشديد والتتبع للمظان الختلفة والمصادر المظنون بها الإفادة، نرجع من حيث ابتدأنا حاملين إدارية الخيبة وعقم النتيجة، فلا نجد ترجمة مبسوطة لابن عبد الملك سواء في موضوعات المغاربة الذين المترجم منهم وإليهم، ولا عند المشارقة الذين المترجم منهم وإليهم، ولا عند المشارقة الذين وقفوا على كتابه أيضا واستفادوا منه وكان مصدرهم الفياض في كثير من تراجم الأندلسيين والمغاربة، ولا يقل الأندلسيون عن إخوانهم المغاربة والمشارقة إهمالا وتناسبا. وأمام هذا الإهمال نجد أنفسنا مضطربين لترديد هذا السؤال :
ما هي البواعث والأسباب التي جعلت مترجمنا مهملا إلى هذه الدرجة ؟ منظورا إليه بعين الريبة والحذر في كثير من الأحيان ؟ وما هي الأسباب الحقيقية التي أخرته عن وظيفة خطة قضاء الجماعة بعاصمة الموحدين السابقة ؟ ولأي شيء رحل المترجم من بلاده ووطنه إلى تلمسان في وقت كانت الحروب قائمة على ساق في هذه الناحية ؟ وأبو يعقوب المريني جاثم على أبواب مدينة الجدار بخيله ورجله ؟ فهل هناك مؤامرة دبرت ضد مترجمنا أحوجته إلى شد الرحلة وزيارة متبوعة في هذه الآونة الحرجة قبل استفحال الداء ؟ أن هناك خلاف بين البلاط المريني وبين قاضية شيخ الجماعية ؟ أم ليس هذا ولا ذاع نقد وعدم تهيب إلى لسان، لا يعرف هوادة ولا مجاملة فيخطر يبالنا أن ذلك أحد أسباب إهمال الناس له في موضوعاتهم التاريخية، فهل هناك نص يكشف النقاب عن كثير ممل جهلناه ؟
وكيفما كان الحال فسأنقل لك ما أمكن العثور عليه من نصوص واردة في حق المترجم، وبعده نتحدث حسب جهود خاصة وعلى مقتضى الإمكانيات المحدودة. قال ابن الزبير في صلة الصلة بواسطة الأستاذ الاهواني في بحثه القيم المنشور في مجلة المعهد المصري بمدريد :
محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري ثم الأوسىمن أهل مراكش أبا عبد الله ويعرف بابن عبد الملك، روى عن الكتاب الجليل أبي الحسن علي بن محمد الرعيني وصحبه كثيرا وهو أعلى من عندنا رواية، وعن ابن عبد الله محمد بن علي بن محمد بن هشام، وأبي الوليد بن عفير وغيرهم، واستجازني قبل سنة 80 وبعد ذلك، فكتبت له مرارا واستوفى جملة من تواليفي استنساخا وتكرر إلى سؤاله فيما يرجع إلى باب الرواية.
وكان رحمه الله نبيل الأغراض عارفا بالتاريخ والأسانيد نقادا لها حسن التهدي جيد النصرف، وإن ثل سماعه أدبيا بارعا شاعرا مجيدا امتدح بعض كبراء وقته، وكان نقده الأسنادي ذا معرفة بالعربية واللغة والعروض ومشاركة في الفقه. وما تقدمت الإشارة إليه من معارفه أغلب عليه، وكان الكاتب أبو الحسن الرعيني يستحسن أغراضه ويستنل منازعه، وكتب له على بعض كتبه بخطه : صاحبي ومحل ابني لفناء سنه وفائقي نباهة خاطره وذكاء ذهنه، وكان يفخر بذلك.
ألف كتابا جمع فيه بين كتابي ابن القطان وابن المواق على كتاب الأحكام لعبد الحق، مع زيادات نبيلة من قبله، وكتابه المسمى بالذيل والتكملة لكتاب الصلة، وعلى هذا الكتاب عكف عمره ولم يتم له مرامه إلى أن لحقته وفاته، لأنه ألزم نفسه فيه ما يتعاص الوفاء به من استيفاء ما لم يلتزمه ابن بشكوال ولا الحميدي ولا ابن الفرضي ومن سلك مسلكهم. وقد ذكرت مقصد هؤلاء الأئمة في ذلك في أول كتابه بالذيل والتكملة تستلزم ما عزم عليه وتطابقه، إلا أن مقصده منهما واف بما قصد الآخرون وزيادة لا تعيب مقصدهم وفيها زيادة نفعه الله ونفعهم به.
ولي أبو عبد الله قضاء مراكش مدة ثم أخر عنها لعارض سببه ما كان في خلقه من حدة اتمرت مناقشة موتور وجد سبيلا فنال منه. توفي رحمه الله بتلمسان الجديدة في أواخر محرم سنة ثلاثة وسبعمائة، ومولده ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة. ومن شعره:
لله مراكش الغراء من بـــــلد 
                        وحبذا اهلها السادات  من ســكن
إن حلها نازح الأوطان مغتــرب 
                        أسلوه بالأنس عن أهل و عن وطن
عن الحديث بها أو العيان لـــها 
                        نشأ التماسك بين  العيــن والأذن
انتهت ترجمة ابن الزبير. وعقد الشيخ القاضي ابو الحسن النباهي المالقي في كتابه المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء وألفتيا للمترجم كلمة قال فيها بعد تخليص كلام ابن الزبير السابق ما صورته : قال المؤلف رضي الله عنه وأوقفني ولده صاحبنا أبو عبد الله على كثير من المكتوبات الصادرة عن أبيه القاضي أبي عبد كثير من المكتوبات الصادرة عن أبيه القاضي أبي عبد الله ما بين منظوم ومنتور، ومن ذلك قوله رحمه الله (أورد له قصيدة لامية في الحنين إلى الأوطان يأتي بعضها عند ذكر شعره) قال النباهي وحكي لي ولده المذكور، إنه قصد أيام شبيبته عبور البحر برسم الجواز إلى الأندلس، فبلغ منها الجزيرة الخضراء وحضر بها صلاة جمعة واحدة، وأقام بها بثلاثة أيام جائلا في نواحيها آخذ عن أهلها. ثم قال حصل لنا الغرض من مشاهدة بعض البلاد الأندلسية والكون بها والحمد لله على ذلك. وعاد قافلا إلى أرضه، ولما توفي جرى على ابنه المسمى تحامل في متروكه لتعبة تسلطت عل نشبه أدته إلى الجلاء عن وطنه، فاستقر بمالقة الخ.
وفي كتاب الديباج المذهب لابن فرحون ص283 ط فاس ما نصه: محمد بن محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي الإمام العلامة الأوحد المصنف الأديب المفتي الفقيه المقرئ المؤخر الحافظ المقيد أبو عبد الله فاضي مراكش، من جملة شيوخه أبو زكرياء بن أبي عتيق تلا القرآن بالسبع، وأبو القاسم البلدي والقاضي أبو محمد الحسن بن الإمام الحافظ أبي الحسن علي محمد، والعلامة أبو الحسن علي بن محمد بن علي الفخار الرعيني الأشبيلي الكاتب وغيرهم، مولده ليلة الأحد عاشر ذي القعدة سنة 643 وتوفي سنة ثلاث (بياض في جميع النسخ) ودفن بتلمسان وانتهى.
هذه هي الوثائق الثلاث التي يمكن أن تعتبرها شبه ترجمة لابن عبد الملك، وبالنهاية منها ينسدل الرداء على المع شخصية عرفت في القرآن السابع وأوائل الثامن بالمغرب، اثنتان منهما لاندلسيين والثالثة لحجازي مسكنا ووفاة. فهل هذا كل ما هنالك ممن ذكر ابن عبد الملك ؟
كان بودنا أن نقف له على ترجمة مسهبة في كتب ابن الخطيب، وهو الشخص المحظوظ الذي يخوله عمله وأدبه ونفوذه أن يفيدنا كثيرا في هذا الموضوعن سيما مع اعتبار صلته الوثيقة بولد المترجم، وباعتبار إن كتاب الذيل والتكملة من أهم مصادر ابن الخطيب في تراجم الإحاطة، وإن كان لا يصرح باسمه في كثير من انقاله بل ربما نقل الترجمة بلفظ ابن عبد الملك مع تغيير قليل، غافلا أو متغافلا عن بيان المصدر، ولكنه بكل تحسر لم نقف على شيء مما كنا نترجاه، ولعل السبب راجع في الحقيقة إلى عدم توغل صاحبنا ابن عبد الملك في زيارة قواعد الأندلس الكبرى كغرناطة مثلا، واقتصاره على زيارة الجزيرة الخضراء أيام شبابه كما نقل ذلك النباهي وكما يصرح به ابن عبد الملك نفسه أثناء ترجمة شيخه محمد بن علي بن خميس من كتاب الذيل، على أن ابن الخطيب رحمه الله لم يترك الكلام نهائيا عن المترجم، فقد حلاه بأشرف الصفات وأثنى على بيته ونباهته حين أجرى ذكر ولده أبي عبد الله في كتابه الريحانة قال: وجرت عليه جراية تبلغ بها وأرتفد بسببها رعيا لأبيه واحتراما لبيته النبيل، فقد كان أبوه رحمه الله قاضيها صدرا في عصره وبدرا في هالة قطره، رحب المجال نسيج وحده معرفة بطرق الحديث وأسماء الرجال، متبحرا في علوم الآداب، منتديا لإقامة رسم المعارف كل الانتداب، وذكره مرة أخرى في الإحاطة عند ذكر ولده المذكور، وكلما نقل عنه وسماه باسمه إلا ويذكره بكل إجلال وإكبار.
ثم ماذا كان نصيب ابن عبد الملك عند مؤرخي المشرق بصفة عامة، من الغريب أن كتاب الذيل والتكملة ذاع وانتشر، ووصلت نسخ منه إلى بلاد الشرق الإسلامي، وجعلوه من مصادرهم المعتقدة، ورغما عن ذلك لم يوفره حقه ولم يذكروه إلا من طريق النقل عنه، وأمامنا الآن على طريق المثال بغية الوعاة للسيوطي، فقد جعله في ديباجة كتابه من مصادره ووقف على نسخة من الذيل والتكملة في  أجزاء تسعة، فهل بلغنا شيء عنه في كتب السيوطي المختلفة، ويقال هذا أيضا في الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي، فقد ذكر في كتابه الإعلان ص 112 أنه قرأ الأجزاء الخمسة الأول من كتاب التكملة لابن عبد الملك إلى قوله في السادس محمد بن أحمد بن عثمان القيسي. وهكذا نقوله فيمن أتى بعد هذه الجماعة من المؤرخين أمثال صاحب شذرات الذهب وإضرابه، وأخيرا نتلفت إلى إفريقية بصفة عامة والمغرب الأقصى بالخصوص، فلا نجد رواجا في بضاعتهم، فهذا أبو العباس الغبريني قاض الجماعة ببجاية في كتابه المذكور عدة من أقران ابن عبد الملك ولداته، ومع هذا لم يعرج عليه بأدنى إشارة، بل الأغراب من ذلك أن أبا العباس أحمد بن الخطيب المعروف بابن قتفذ في كتابه شرف الطالب وهو الكتاب الذي رتبه ومع ذلك عند ذكره العشرات منها ووصل فيه إلى عام 807 ومع ذلك عند ذكره العشرة الأولى من المائة الثامنة لم يعرج على ذكره نهائيا.
ومثلهما أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر مؤرخ دولة بني مرين مع تعين ذكره في دولة أبي يعقوب يوسف الذي تولى المترجم خطة القضاء أيامه، فإذا انصرفنا إلى الأوضاع الخاصة بالمغاربة فإننا نجد أمامنا ظاهرة غريبة مدهشة، ذلك أنك لا تجد  في كتبهم تعريجا عليه لا بثناء ولا ضده إلا كلمات هنا وهناك.
وقد كان يغلب على ظننا أننا ستعثر عليه في فهارسهم وإثباتهم، سيما والمترجم من أساطين علم الحديث ونقدته وكانت له معرفة خاصة بالأسانيد والعلل، وبراعة في نقدها وتزييفها أو تصحيحها إلى مشاركة في علوم أخرى عرف بما وأخذت عنه، فما سبب هذا الإهمال حتى ذويه وقرابته ؟ أذاك راجع إلى شدة شكيمة المترجم وحدة طبعه كما قلنا ؟ أم هناك اختلافات سياسية كانت طبعه كما قلنا ؟ أم هناك اختلافات سياسية كانت الموجب الأول في أبعاده عن خطة القضاء أولا ؟ ثم سرى ذلك الإهمال السياسي إلى إهمال أدبي أدى إلى نبذه حتى من الناحية العلمية الصرفة ؟ لا أدري، وكل ما يمكن أن أقوله أن ابن عبد الملك غريب في كل شؤونه وأطواره، وقد امتدت تلك الغرابة إليه حتى بعد وفاته.
وهنا يتعين أن نتفهم جيدا عبارة ابن الزبير السابقة من ترجمته، فمن المستبعد جدا أن تكون حدة خلقته السبب الوحيد في هذا الأبعاد والإهمال، وكيفما كان الحال فإن أكثر فهارس المغاربة لم تسند عنه أي طريق من طرق روايتها إلا ما قرأته في كتاب استنزال السكينة بتحديث أهل المدينة لأبي زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي من إسناده عن ابن الملك الحديث الرابع عشر المسلسل بالمراكشيين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين والثلاثين والحادي والثلاثين والثاني والثلاثين والثالث والثلاثين، كما أن أبا زيد المذكور أسند من طريقه كتاب الشفا للقاضي عياض بواسطة تلميذيه ابن البناء المراكشي وابن صفوان، كما قرأت في كتاب المنح البادية في الأسانيد العالية لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الفاسي في المسلسل الثاني والستين بالمغاربة إسناده حديث من قال رضيت بالله ربا من طريق أبي جعفر بن صفوان عن ابن عبد الملك. ورأيته أيضا في القسم الثالث يروي طريق أبي عبد الله محمد بن الحسن السجلماسي دفين باب عجيسة من فاس ـ من طريق ابن البناء عن ابن عبد الملك عن أبي محمد بن القطان وكذلك روى بنفس السند طريقه ابن الزيات فراجع تفاصيل ما ذكر في الكتب المشار لها، ومصدرهم جميعا الشيخ أبو السعود الفاسي في إجازته العامة لجماعة من علماء الحجاز والمغرب في خصوص الفهارس مؤرخة بعام 1083.
كل هذا إستفدناه من مراجعة معاجم هؤلاء الشيوخ، أما الكتب الموضوعية في الإعلام والرجال للمغاربة فقد ذكرت لك سابقا أن أكثرهم لم يتعرض له إلا بسطور قليلة أو بصفة استطرادية، فالأول كأبي العباس ابن القاضي المتوفى سنة 1025 في كتابه درة الحجاز رقم 464 ط الرباط ونصه محمد عبد الملك الأنصاري أبو عبد الملك الأنصاري أبو عبد الله القاضي بمراكش وهو مؤلف الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة توفى سنة 703. انتهى لفظه. والثاني كأبي عبد الله العبدري رفيق المترجم وصديقه فإنه ذكره وأنني عليه أثناء اجتماعه بابن دقيق العيد وحلاه بصاحبنا الفقيه الأديب الأوحد إلخ.. وناهيك بصفة الفقيه الأديب الأوحد عند العبدري وأمثاله.
ولنرجع إلى نص ابن القاضي فإن الموجود في نسخة خطية من الدرة وفي المطبوع أيضا، إن وفاة المترجم كانت سنة 703 وهو المعروف المتداول، وقد نقل الأستاذ الأهواني في بحثه المشار إليه أولا نص ابن القاضي وغفل عن تحقيق وفاته حيث تصفحت عنده بسنة 708. ثم نقول بعد هذا كله أن ابن القاضي في كتابه الجذوة الموضوع لمن حل من الإعلام مدينة فاس لم يذكر في تراجمها أين عبد الملك مع معرفتك أنه حل بها أثناء مروره إلى تلمسان، ومن عادة ابن القاضي رحمه الله الإجحاف والإيجاز عند ذكر أمثال هؤلاء أنظر ص 6 ما أتى به ترجمة حافظ عصره أبي الحسن ابن القطان، هذا إذا وجد مصدرا لترجمته أما إذا لم يسعده الحظ فأنه يعدل عن تلك الترجمة بالمرة.
وممن ذكر ابن عبد الملك من المؤرخين الفاسيين الأديب الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي الفشتالي في نظمه التاريخي مشيرا على طريقة حساب الجمل إلى تاريخ وفاته بقوله (وقل في ابن عبد مالك «ذاب» خشية) ومدلول ذاب على خشية إشارة خفية إلى حال ابن عبد الملك كما اومانا إليه.
وكيفما كانت معاملة مؤرخي المغرب والمشرق لهذه الشخصية الفذة وكيفما كانت أسباب ذلك الإهمال فقد انقطع عنا خبر المترجم أثناء إقامته بتلمسان منذ سافر إليها سنة 699، وفي هذه الآونة بالضبط كان أبو يعقوب المريني نازلا بساحة تلمسان ومحاصرا لها حصاره الطويل، وأنت عليم بأن أبا يعقوب أسس أثناء هذا الحصار مدينته الجديدة سنة 700 وجعلها مدينة تضاهي أكبر المدن مستجمعة سائر مرافق حاجيات العمران والحضارة، ومن دون ريب كان جانب الملك جماعات من أهل العلم وأدباء وشعراء، فأين ابن عبد الملك إزاء هذه الجماعات والحركات وابن جولاته وغمزاته كما نعلم ذلك من نشاطه الفكري وأي ذكر له عند من أرخ هذا الحصار التلمساني ؟ بالأسف لم نقف على شيء ينير لنا الطريق، وكل ما بأيدينا حكاية ابن الزبير ومن تعبه لتاريخ وفاته بتلمسان الجديدة، ثم وقفت على وثيقة عتيقة بخط بعض تلاميذ ابن عبد الملك لم يسم نفسه قال فيها ما صورته : يقول كاتب أصله سألت شيخي الفقيه الأجل قاضي الجماعة الاعدل العالم العلم. الفذ القدوة المقدم أبا عبد الله محمد بن الشيخ الأجل الفقيه الصالح المقدس المرحوم أبي عبد الملك الأنصاري بداره من مدينة اغمات وريكة في سابع ذي قعدة من عام اثنين وسبعمائة عن اسم مؤلف هذا الكتاب (يعني كتاب المختار لابن عبد الحق التلمساني) فقال هو محمد بن عبد الحق إلى آخر ما أتى به، وهذه الوثيقة بخط كاتبها مثبتة بأول ورقة من الجزء الأول من كتاب المختار المذكور رقم 174/ 40 من خزانة القرويين، وقد أفادتنا أن المترجم كان مقيما في آخر عام 702 باغمات وريكة بعد ما كان بفاس في طريقه إلى تلمسان فجمدى الأولى عام 699، فهل أكمل ابن عبد الملك رحلته الأولى إلى تلمسان في التاريخ المشار إليه ثم آب بعد، أم صدرت له أوامر خاصة بالرجوع إلى مسقط رأسه، وقد انقطعت عنا أنباؤه بعد إلى تاريخ وفاته، فبين تاريخ وجوده باغمات في سابع قعدة عام 702 وتاريخ وفتاته بتلمسان في أواخر محرم 703 مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ثم ما هي صفة إقامته باغمات في هذه الحقبة، فهل هي إقامة اختيارية أم هناك نوع من أنواع التغريب والنفي، سيما وقد عرفت اغمات بكونها ملجأ المغربين وقاعدة المنفيين، وصلتها بالمعتمد بن عباد وعبد الله ابن بلقين بن باديس شهيرة في التاريخ، ومالي اذهب بك بعيدا وهذا قاض آخر وهو محمد بن إبراهيم المشتهر بالأصولي ورفيق ابن رشد في محنته قد غربه منصور بني عبد الملك في آخر مراحله التغريب ؟.

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here