islamaumaroc

[كتاب] أوصاف الناس في التواريخ والصلات، للوزير لسان الدين بن الخطيب -1-

  دعوة الحق

123 العدد

تـقـديـم:
  لا أحسبني بحاجة ملحة إلى التعريف من جديد بشخصية المؤرخ ذي الوزارتين لسان الدين ابن الخطيب، فقد تناولت هذه العبقرية الأندلسية المغربية على صفحات مجلتنا العزيزة «دعوة الحق» في أعداد سابقة، لاسيما عندما حققت بوساطتها كتاب «كناسة الدكان، بعد انتقال السكان» لذات المؤلف.
   لهذا سأتناول وزيرنا في أضيق نطاق للتعريف به، في مناسبة تقديم مخطوط جديد له، لم يسبق له النشر من قبل، وهو «أوصاف الناس في التواريخ والصلات» فنقول: كان لسان الدين محمد بن عبد الله ابن سعيد بن الخطيب السلماني حينما تولى السلطان يوسف الأول ابن الأحمر عرش غرناطـة
(733-755هـ/1333-1354م) يقارب عمر هذا الملك، أو يتجاوزه بقليل، وكانت تربيته قرب بني الأحمر، إبان قيام والده على رئاسة ديوان الإنشاء، فتوثقت بينه وبين يوسف هذا صلات فتوة وشباب. وكان من الطبيعي أن يرقى ابن الخطيب في عهد هذا السلطان إلى مرتبة الوزارة، فضلا وعلما وأدبا وثقة، وكان لمهارته السياسية وذكائه الفريد وقع عظيم في نفس السلطان، ففوضه الأمر في معظم شؤون الدولة، كاختيار العمال والقضاة، إلى إصدار المراسيم ومكاتبة الولاة، بل أنابه عنه في إدارة دفة الحكم، وخاصة عندما قاد أبو الحجاج الجيش الأندلسي بنفسه في معركة طريف الكبرى (7 جمادى الأولى 741هـ/ 30 أكتوبر 1340م)، ودفع إليه بخاتمه وسيفه حتى يعود من الجهاد. وقد حدث أن هلك الرئيس أبو الحسن بن الجياب في وباء الطاعون الجارف (شوال 749هـ/ يناير 1349م) فخلف ابن الخطيب أستاذه هذا في الوزارة، وتقلد مكانه بديوان الإنشاء. وكان ابن الخطيب يومئذ قد ملك زمام اللغة نثرا وشعرا، بفضل شيوخه من أعلام الأندلس، بالإضافة إلى ثقافته الشخصية وتجاربه الذاتية، حتى ظهر أثر هذا كله على رسائله السلطانية وإخوانياته، ثم مؤلفاته ومصنفاته العديدة في شتى فنون المعرفة.. فحاز إعجاب الأوائل ممن أرخوا له، وفي مقدمتهم «المقري» الذي أوقف الجزء الأعظم من مؤلفه «نفح الطيب» على ابن الخطيب، بل قرن اسم الكتاب به، فسماه :«نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب».
   ثم تتقلب أمور الملك والسياسة في غرناطة، وتدور الدوائر في قصر بني الأحمر، فتتقاذف ابن الخطيب كما هو معلوم، لاسيما في عهد ملكه الغني بالله محمد الخامس (755-793هـ/1354-1392م) الذي سعى حثيثا - بإيعاز من قاضيه النباهي ووزيره ابن زمرك- لدى القائمين بالحكم في فاس يومئذ إلى موته، وأفتى الفقهاء المتعصبون ؟
بإعدامه شرعا، وقد تم ذلك في أواخر عام 776هـ/ مايو- يونيو 1375م، ودفن عند باب المحروق بفاس.
   ونعود إلى مخطوطه الجديد الذي نحن بصدد تحقيقه ودراسته، لنعرف الباحث والقارئ أن هذا المخطوط قد وجدناه ضمن مؤلفه الضخم «ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب» بحيث يكون جزءا منه مستقلا، ويقع في 140 لوحة من الحجم المتوسط، بمقياس14,2×20,5 سم. ومسطرتها 19 سطرا في المعدل العام، ومتوسط كلمات السطر 13 كلمة، قد كتبت بخط أندلسي جميل، في عدد من نسخ «الريحانة» التي اعتمدت على ثلاث منها في تحقيق «أوصاف الناس في التواريخ والصلات»:
1) نسختان بدار الكتب بالقاهرة:
الأولى: ونرمز لها بالرمز «ا» ويوجد منها الجزء الأول وبعض الجزء الأخير في مجلدين، وبخط مغربي، في أثنائها ثقوب ونقص، وهذان الجزءان مصوران بالفوتوستات عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة تونس، ويقعان في 309 لوحة، تحت رقم 19875 ز.
والثانية: ونرمز لها بالرمز «ب» بها نقص يسير من الخطبة، أولها بعد الديباجة «... وسميته لتنوع بساتينه المنسوقة، وتعداد أفانينه المعشوقة، بريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب..إلخ» في مجلدين كتبا بخط النسخ، وقد نقلا عن الجزأين المخطوطين المقيدين بدار الكتب المصرية برقم 524 أدب ش، ويقعان في 460/650 صفحة، وقد سجلا تحت رقم 3459ز.
(ب) ونرمز لها بالرمز «حـ» وهي نسخة الأسكوريال بمدريد، والمسجلة تحت رقم 1835 فهرس الغزيري، وهي نسخة جيدة للغاية، وقد كتبت بخط أندلسي باهت، وتقع في 281 لوحة كبيرة، ومسطرتها 27 سطرا، وبالسطر 12 كلمة في المتوسط، وقد ذكر في نهايتها أنها كتبت عام 888هـ، وهي عبارات عن مختارات من كتب ابن الخطيب، ثم مجموعة عديدة من الرسائل- التي بعث بها إلى معاصري يوسف الأول ابن الأحمر ثم ولده الغني بالله إلى ملوك المغرب.
وغني عن البيان أن النسخ الموجودة للريحانة في المغرب، وخاصة منها ما كان بالخزانة العامة بالرباط لا تقل جودة ووضوحا عن تلك النسخ الثلاث التي اعتمدتها للتحقيق، ولم أجد فيها بصدد « أوصاف الناس» زيادة أو تناقضا يستأهل مني التنويه به أو الإشارة إليه.
ومخطوط اليوم الذي نقدم له عبارة عن تراجم لما يقرب من 140 شيخا وأديبا، من أهل المغرب والأندلس خاصة، ممن سبقوه أو عاصرهم، وواضح من تسمية الكتاب أنه في معظمه قد صنف عن كتب التاريخ والصلات المعروفة، وإن كان له فضل التنسيق والتعليق، حتى لنكاد نعتبر من كتبوا قبل ابن الخطيب بصدد من ترجم لهم بمثابة مصادر رجع إليها بطبيعة الحال قبل تحريره هذه « الأوصاف». ولا جدال- بعد هذا- في أن ابن الخطيب قد أفادنا بعمله هذا كثيرا، حيث جمع لنا نخبة متفرقة من العلماء البارزين في كتاب واحد، على غرار بعض المؤلفين السابقين أو اللاحقين، مما يضيف إلى المكتبة الأندلسية ذخيرة حية من ذخائر ابن الخطيب، يعتمد عليها الباحث- كمصدر هام- إلى حد بعيد.

الـكـتـاب:
« أوصاف الناس في التواريخ والصلات»
(71:ب) فمن ذلك ما صدر عني مما ثبت في كتاب « التاج المحلى، في مساجلة القدح المعلى»:

1- جعفر بن الزيات
  علم الأعلام، وخاتمة شيوخ الإسلام، تجرد للعبادة في ريعان شبابه، ولازم جناب الله وأكثر الوقوف ببابه، ولم تزل الفتوحات القدسية تعرض عليه أذواقها، والمحبة الربانية تصلح إليه أشواقها، وتدير لديه دهاقها، حتى خلع لباس هذه البدنيات ونزع نطاقها، وبث في أسباب هذه الأكوان ذوات الألوان وأزمع فراقها، فأصبح فردا تشير إليه الأبصار، وتنال ببركته الأوطار، وتحدى لرؤيته القطار، ودعي إلى السفارة في صلاح المسلمين (72:ا) فأجاب، وسعى في إخماد الفتنة فانجلى ليلها وانجاب، وأعمل في مرضاة الله الأقتاب وخاض العباب، وكان ببليش ببلده منتجع رائد، ومعدن فرائد، وفجر الله ينابيع البلاغة على لسانه، وجعل 
زمام الفصاحة طوع لسانه، فدون بالنظم في شتى الفنون، وجلى أفكار المعارف مفوفة المطارف للعيون، فكان يقعد بمسجدها الجامع فيدرس ويحلق، ويهذب ويخلق، فيأتي من الإعراب بالإغراب، ويتكلم في التفسير بغير اليسير، ويلمح من التعليل لا بالقليل، ويشير إلى فريقه برموز طريفة.
ولما نادى به منادي فراقه، وغيب الدهر نور إشراقه، بكت هذه الربوع عليه دما، وأصبح وجودها عدما، وقد أثبت من آدابه وشعره ما يدل بسعة صدره، ويدل على قدره.
ومن ذلك في وصف:

2- أبي الحسن القيجاطي:
( 72 : ب) أخطب من صعد المنابر وارتقاها، وأفصح من هذب العبارة وألقاها، واستجادها وانتقاها، نجم ببلدية الشرق، وتألق في أفقها تألق البرق، ولم تزل رتبته في ارتفاع حتى استأثرت الحضرة(1) به على ما سواها، فأحرز فيها الغاية وحواها، ونشر معارف المطارف وما طواها، فنفق للأدب سوقا، بسقت فروعها بسوقا، وقلد بحر العصر من عقوده درا منسوقا.
ثم تقدم خطيبا بمسجدها الجامع فقرط بألفاظه الرائقة عاطلة المسامع، وأسال بمواعظه البالغة درر المدامع، وهو منجد الحلبة ومخرجها، وموقد  الأذهان ومسرجها.
خبا بوفاته للعلم كوكبه الثاقب، وووريت بمواراته المفاخر والمناقب، وله نظم تعطرت المجالس بجرياله، وتعلقت المحاسن بأذياله، ونثر حسدت عقود الغانيات درره، وغارت النجوم الزهر لما اجتلت غرره.
ومن ذلك (73:ا) ما صدر عني في وصف:

3- أبي إسحاق بن أبي العاص
حابق حلبة العلم والدين، والمستولي على قصب السبق في تلك الميادين، أتت طريف منه بطرفة رائقة، وأغرب منه هذا المغرب بروض تحسد الرياض حدائقه، ورد على هالتها أبرارا، وانتظم لأول حلوله في طبقة الكتاب والعهد قشيب، وفود الوقت لم يرعه للمقت مشيب، والربع آهل، والوارد في الرفد ناهل. متميز بخصائصه الحسنى، وتأهل للمحل الأسنى، وقعد للجملة بعد فقد صدرها، وأفول بدرها، وحلول شمسها في  رمسها، فخلف أستاذها ابن الزبير خير خلف، وأصمت لسانه من أنشد فيه «إنما الدنيا أبو دلف»، وصعد المنبر فجلت الخطوب خطبه، وهز منه الجذع فتساقطت رطبه، فأبكى العيون الجامدة، وأثار العزائم الخامدة، وأخذ بقلوب الدهماء فاستمالها، وبلغ منهم الغاية التي أراد ونالها، وحمل نفسه بآخرة على الجود، والإتيان بالحاضر الموجود، (73: ب) فكان للفقراء عالا، وللمعتفين قالا، وللعصر وأهله زينا وجمالا.
وقضى لسبيله- رحمه الله- فقيدا أسال الغروب، وهاج للأشجان الحروب. وكان له أدب أنيق الشارة، حسن الإشارة.
ومن ذلك في وصف:

5- أبي القاسم ابن جزي.
مجتهد عاكف، وروض فنون جاده من العلم كل واكف، أقام رسم مجده، ورفع عمد بيته في قنة العلم ونجده، فأصبح صدر بلده، وأنجب خلقين كريمين من ولده، وفرغ للعلم من جميع أعماله، وتفيأ رياض دواوينه عن يمينه وشماله، واقتصر على طالب كماله، مع وفور ضياعه ونمو ماله، فدون الكثير وصنف، وقرط المسامع وشنف، وترقى إلى الخطابة، وهي ما هي من جلال الرتبة وسمو الهضبة، ففرع سنامها، ورفع أعلامها، وغض شبيبته ناضر، وزمن فتائه حاضر، فوقع عليه الاتفاق، وانعقد على فضله الإجماع والإحقاق، ولم يزل يسلك طريق المجتهدين، فدون في الفقه والدواوين، وسفر في علم اللسان عن وجه الإحسان، ورحل في علم التفسير إلى كل طية، وركض في أغراضه كل مطية، حتى أنشأ الزمخشري وابن عطية(2).
وله من الأدب حظ وافر، ومذهب عن الحسن سافر.




  (1) - يعني بها غرناطة، عاصمة بني نصر، آخر ممالك المسلمين بالأندلس.
  (2) - سيترجم لشخصية هذا المفسر أيضا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here