islamaumaroc

لقاء في المغرب بين الجامعات الإسلامية

  دعوة الحق

123 العدد

شاركت في مؤتمر فاس، وفود الجامعات الإسلامية من عشرين قطرا، تلبية لدعوة مخلصة وجهتها «جامعة القرويين» إلى دور العلم الإسلامية، رجاء أن يلتئم شملها في رابطة جامعة عن إدراك واضح للدور المنوط بهذه الجامعات في هذه المرحلة الدقيقة الحرجة من صراع الوجود والمصير... وعن وعي مرهف لحاجتنا إلى التآزر والتعاون على حمل هذه الأمانة الصعبة في مواجهة التحديات المفروضة على دور العلم الإسلامية في دوامة العصر ومعترك المذاهب  والقيم...وفي وهج الحماس لهذا اللقاء، تماحت الفواصل بين أعضاء الوفود من الأستاذة العلماء، فإذا نحن هناك اخوة زملاء...قد تتباعد أقطارنا وتتناءى ديارنا، وتختلف أزياؤنا وصورنا، وتتفاوت شخصياتنا ومناهجنا.لكنا في رحاب العقيدة نرتفع على كل هذه الفواصل، فلسنا سوى أهل وعشيرة.
  بل قد تختلف المذاهب السياسية والأوضاع الاجتماعية لبلادنا، ثم يكون لنا من صوفية العلم وتجرده وحياده، ما يتسامى بنا فوق فوارق الأوضاع وعصبيات المذاهب والأحزاب.
   وشهدتنا ابهاء جامعة القرويين، نلتقي بغير أقنعة ولا حواجز ولا عقد: فأخذ «الدكتور عبد العليم الهندي» مدير جامعة عليكرة، مكانه إلى جانب مولانا «أبي الأعلى المودودي» الإمام الباكستاني وجلس الدكتور محمد المحمدي الإيراني، عميد كلية الإلهيات والدراسات الإسلامية بطهران مع الدكتور جميل سعيد العراقي من جامعة بغداد، واطمأن المكان بالسيد تقي الدين الحكيم عميد كلية أصول الدين بالنجف الأشرف، جوار الدكتور عمر ملا حواش من كلية الإمام الأعظم، أبي حنيفة، بالأعظمية.
   وألغيت المسافات النائية التي قطعها السيد أحمد دومكاوو الونتو، والدكتور عبد الجليل حسن، من
الفلبين وماليزيا في أقصى المشرق، والشيخ إبراهيم نياس، والدكتور حميدو الكالي والسيد بابا محمود حاسي، من السينغال ونيجيريا وتمبكتو في قلب القارة الإفريقية..
  وانضم الدكتور الصابوني الدمشقي، والدكتور عبد العزيز الخياط الأردني، إلى الشيخ بدور المتولي بعد الباسط والدكتور محمد نابل والدكتور زكي شبانة من جامعة الأزهر، والشيخ الفاضل بن عاشور عميد الزيتونة بتونس والسيد عبد المجيد شريف من الجزائر وعلماء القرويين من المغرب...
  وكان التاريخ يستعيد بهذا اللقاء المشهود، ذكريات المجالس العلمية التي بين المشارقة والمغاربة في رحاب الدولة الإسلامية الكبرى.
وما ارتاب أحد منا في جدوى الدعوة إلى اتحاد الجامعات الإسلامية، بل كان المريب حقا أن يتأخر تأسيس هذا الاتحاد، بعد أن عرف عالمنا المعاصر اتحادا للجامعات الإفريقية يقوم على وحدة القارة واتحادا للجامعات العربية تفرضه روابط قومية، واتحادا للجامعات الفرنسية وطنا أو لغة، يتداعى بوحدة ثقافية.
  وعرف عصرنا كذلك، اتحادا على نطاق أوسع وأعم، في المنظمة الثقافية للأمم المتحدة (اليونسكو) وإنها لتدعو إلى التقارب الثقافي بين أمم متباعدة شتى، وتحاول أن تصل بينها بروابط للتفاهم والتعارف، متحدية حواجز منيعة وعصبية من التفرقة العنصرية، والصراع المذهبي، ومتجاهلة ما بين بعضها وبعض، من ثارات وأحقاد...
أفلا يكون الذي بين الجامعات الإسلامية من أواصر القربى، عقيدة ومزاجا وتراثا أولى وأقدر على أن يؤلف بينها، ناسخا ما عساه يكون هناك من فوارق طارئة وخصومات محدثة وحواجز من رواسب ليل التخلف ومكايد الاستعمار !؟
   كلا، ما ارتاب أحد في جدوى هذا اللقاء الذي أذابت حرارته ما بيننا من فوارق.
ثم كشف الحوار الحر بين أعضاء المؤتمر، في الجلسات العامة واللجان وفي دور الضيافة ومحافل السمر: عن طيب نوايانا وبعد آمالنا، كما كشف عن بؤس واقعنا وقصور وسائلنا...
اتسعت آمالنا، فرجونا، مخلصين لهذا المؤتمر التأسيسي أن يوضح معالم الطريق أمام اتحاد للجامعات الإسلامية ينسق برامجها ويعادل بين شهاداتها ويتبادل الرأي و الخبرة والزيارة والمشورة.
وتواصينا بأن يكون هناك مركز إسلامي للبحث والدراسات وسجل إحصائي لدور العلم الإسلامية، ومكتبة جامعة لما نشر أو ينشر عن دراسات في الإسلام للمتخصصين من شرق وغرب ومجلة للبحوث العالمية يكتبها أساتذة الدراسات الإسلامية بلغاتهم القومية مع تعريف موجز باللغة العربية.
وامتدت آفاق طموحنا، فرنونا إلى أن تتعاون الجامعات فيما بينها على رعاية دور العلم الإسلامي ومؤسساته، حتى لا تخذلها الظروف المادية أو غير المادية، وعلى رعاية المغتربين من طلاب الجامعات الإسلامية، بالمنح السخية رسمية وغير رسمية.
  وأخذ المغرب ثواب المبادرة إلى حمل هذا العبء كله، استجابة لقرار المؤتمر ريثما تعود وفود الجامعات إلى أقطارها فتحمل كل جامعة نصيبها من هذا العبء على قدر طاقتها...
وفي مواجهة ذلك كله، تبدو الظروف صعبة والوسائل قاصرة:
  فمثل هذه التوصيات حين توضع موضع التنفيذ، تحتاج إلى رصيد مالي سخي ومضمون وقد تستطيع كل جامعة أن تدبر،  بطريقة أو بأخرى، مبلغ الاشتراك السنوي وقد حدد بألف جنيه، لكن حصيلة هذا المبلغ، على فرض توفرها أن سدت النفقات العاجلة فليست بحيث تبقى شيئا لمركز البحوث والمكتبة والمجلة فضلا عن المعونة المالية لدور العلم الفقيرة، ورعاية الطلاب الوافدين.
ترى هل يتحقق أمل المؤتمر في إنشاء صندوق لمواجهة هذه الأعباء، تموله تبرعات الدول والشعوب، وأغنياء المسلمين؟
ذلك ما لا يملك أحد أن يقطع فيه الآن بيقين...
وهناك معاهد للتعليم الإسلامي في بلاد لا تؤمن بجدوى هذا التعليم.
كما أن هناك ظروفا مادية قاسية، تحول دون ازدهاره في كثير من البلاد التي تؤمن بجدواه.... 
وفي القطر الإسلامي الواحد قد تختلف ظروف معاهده الدينية لتعدد المذاهب، فيكون منها معاهد رسمية تنفق عليها الدولة، وأخرى غير رسمية.
  وقبل هذا كله، هناك هذه يتولى أمرها طوائف مذهبية... الفجوة الرهيبة الفاصلة بين الجيل الواحد من أبناء الأمة الإسلامية، فريق منهم يتلقى علومه في جامعات ومعاهد تصله بلغة الأمة وعقيدتها وحضارتها وتاريخها، وآخرون يتابعون الدراسات العالية في الجامعات الحديثة بمعزل عن هذا كله، فهم فيما بينهم غرباء...
  وأقول مع هذا كله، ان لقاءنا في مؤتمر فاس، كان مجديا فميا رسخ في إدراك لحاجتنا إلى التآزر والتعاون وما أرهف من طموحنا إلى آمال كبار، بقدر ما كان مجديا فيما كشف عن بؤس الواقع وقوة المصاعب وضراوة التحديات.
إذ لا يمكن أن ينجح المسعى، دون وعي لهذا الواقع واستيعاب لأبعاد الموقف الصعب لدور العلم الإسلامية في عصرنا الحديث...
   ولم تبلغ بنا السذاجة، أن تصورنا إمكان تلبية المؤتمر في هذه الدورة التأسيسية، لأمال طموحنا البعيد، لكن الذي تصورناه أنه يخطو بنا الخطوة الأولى على الطريق الطويل، بهذا الوعي المدرك لدور الجامعات القيادي، المؤمن بأن وجودنا كان وسيظل أبدا معركة فكرية، تناضل فيها الأمة عن ذاتها ضد عوامل المسخ والتشويه، وذرائع الغزو والإهدار...
وليست محنتنا بلعنة إسرائيل، سوى شاهد جديد يضاف إلى الشواهد التاريخية على مكان الفكر في موازين القوى...
   لقد سهرت العصابة ألف عام وأكثر تخايل الوجدان اليهودي بحلم التسلسل إلى أرض الميعاد، وتخطط لاغتصاب فلسطين والائتمار ببيت المقدس، بتعبئة فكرية، تولتها الأجيال من أحبارهم ورؤسائهم، كي يحموا ولاء اليهودي، في أي مكان وأي زمان، لعنصريته وأحلام أسلافه وميراث ماضيه.
   وإلى حائط المبكى، ظلت الأجيال منهم على امتداد الزمان والمكان، تتجه بنفسها المعقدة ووجدانها المسموم، قبل أن تتم لليهود السيطرة على زمام القيادة السياسية والاقتصادية في الدول الاستعمارية، وتسخرها لتنفيذ مآربها الشيطانية ومخططها المشؤوم.
وانهزامنا، نحن العرب والمسلمين، فيما مضى من جولات معركتنا ضد أعداء البشر، دون أن نخوض معها حربا عسكرية بمدلولها الصحيح لما اعوزنا من رؤية واضحة لإبعادها المترامية، وفهم واع لمنطق التاريخ وحتمية السنن الثابتة...
   ولما تسلل إلينا من تيارات الغزو الفكري الذي تسيطر عليه الصهيونية العالمية بكل خبثها ومكرها...
فتصدع وجودنا المعنوي بتفرق كلمتنا وتمزق شملنا وانتشار قوانا، وشغلنا بتوافه القضايا وسطحي الظواهر، عن نذر الخطر الذي ما فتئت منذ مئات السنين ترهص بالكارثة، ولم نلمح وميض النار من خلل الرماد حتى اشتعل حريقا في الحرم المقدس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here