islamaumaroc

نظرات إسلامية في كتاب "الإسلام والرأسمالية"

  دعوة الحق

123 العدد

هذه محاولة نقدية إسلامية لكتاب (الإسلام والرأسمالية) للمستشرق والعالم الاجتماعي اليهودي (مكسيم رودسون) .. تستهدف (الرد الإسلامي) على وجهتي النظر الرأسمالية والاشتراكية تجاه العلاقة بين الإسلام والرأسمالية، والمساهمة في معترك الصراع الفكري الحديث القائم بين الإسلام والتيارات الفكرية المعاصرة...

    أولا : المنطلقات والمقاصد الفكرية
1) مساعدة رجال الفكر في البلدان الإسلامية على تفهم مصيرهم لقصورهم وعدم تخلصهم من العوائق التي تحول دون أن تكون لهم رؤية واضحة فيما يخص  هذا المصير . ! )هذا كتاب طموح، لأنه يريد أن يؤدي خدمة، يريد – ومؤلفه عالم اجتماعي معنى بالشؤون الإسلامية – أن يخدم رجال الفكر في البلدان التي ارتبطت بالإسلام دينا وحضارة، وذلك بمساعدتهم على فهم مصيرهم، وهذا لا يعني أني اعتبر نفسي بحكم كوني «أوربيا»، أفضل من خيارهم ذكاء ومعرفة، فلست أزعم أبدا ذلك، ولكن الظروف جعلتني أسبقهم إلى التحرر من بعض العقبات الاجتماعية التي تسد الطريق إلى فهم معضلات تلك البلدان، وأجد السبل مفتوحة أمامي للتعرف الموضوعي على ماضيها، وللتخلص من الأساطير التي تحجب صورة حاضرها) ص 19.
2) الروح العلمية المتجسدة في مراعاة قواعد البحث العلمي، والموضوعية الكاملة البعيدة عن المقاصد الخفية المسمومة :
     أ- فالكتاب لكونه نظريا (كان بالضرورة كتاب حجاج ونفائس، إذ أن النتائج التي انتهيت إليها فيه تتعارض في الواقع مع آراء أخرى بالغة الذيوع) 23 ص.
ب- وأنا قد هاجمت- على وجه الخصوص- أوهاما وخرافات شائعة في العالم الإسلامي نفسه. ومن المؤكد أن كثيرين في هذا العالم سيتهمونني من أجل ذلك بمقاصد خفية مسمومة، عنصرية أو استعمارية، ولكني أعتقد أن مواقفي المعروفة تكفي لتدفع عني هذه التهم، وإن الازدراء العنصري والطمع الاستعماري يختفيان بالذات وراء مسايرة الأفكار السائدة لا وراء دحضها. هذا إلى إني كثيرا ما تصديت، وبنفس الحدة، لأوهام سائدة في أوربا نفسها (...) ص 23.
3
) معالجة الموضوع بناء على افتراضات تاريخية واجتماعية بالغة العمومية مؤيدة بالمعارف الحسية الراهنة. فهو على حد زعمه لا يقدم دعما لهذه الافتراضات أية حجة لا تصدر عن الوقائع ولا تؤديها المحاكمات المعتادة في البحث العلمي (على أن هذا لا يعني، كما سيظن كثيرون، أني أخضع دراستي لمعتقدات جامدة، مشكوك في سلامتها مطعون في أصولها. على ما يعنيه هو أني حاولت أن أدرس القضايا التي يطرحها هذا البحث على ضوء افتراضات اجتماعية وتاريخية بالغة العمومية) ص23.
4) البحث ذو اتجاه ماركسي ويقوم على الأرضية الفكرية لعلم الاجتماع الماركسي (وتبقى نقطة أخرى هامة، أعتقد أنه يحسن بي أن أحدد موقفي منها هنا. ذلك أن هذا الكتاب، قصدا وواقعا، هو ذو اتجاه ماركسي) ص 23.
5) اعتماد المؤلف على أسلوبه في فهم الاتجاه الماركسي، وهو أسلوب يتعارض مع الأساليب الأخرى (أما الحقيقة فهي أن هناك «ماركسيات» كثيرة، بالعشرات والمئات. ولقد قال ماركس أشياء كثيرة، ومن اليسير أن نجد في تراثه ما نبرر به أية فكرة، أن هذا التراث كالكتاب المقدس حتى الشيطان يستطيع  أن يجد فيه نصوصا تؤيد ضلالته. وأنا لا أزعم إخضاع الآخرين لانسنوبي في فهم الاتجاه الماركسي. كل ما أطلبه هو حقي في أن أحدد اتجاهي أنا، أن أحدد ماركسيني أنا، وهي ماركسية أعرف أن ماركس نفسه قد لا يقبلها في كليتها ...) ص 24.

                                                  * * *
    تلك هي الأسس الفكرية التي زعم ردنسون أنه يبني عليها الفكرة الرئيسية في كتابه، وهي دعوة المسلمين إلى الأخذ بالاشتراكية . . وذلك باقتناعهم – بجهد تاريخي وتحليلي كبير- أن ليس هناك أي تناف بين العقيدة الإسلامية وبين إقامة الاقتصاد والسياسة في المجتمع الذي يدين بالإسلام، على الأسس الاشتراكية !!
     وقد استخدم رودنسون في سبيل هذا الاقناع –لتثبيت مقاصده الفكرية وتدعيمها- ما يلي :
أ- الاعتراف للإسلام بالدور العظيم الذي لعبه في تطور الحضارة الإنسانية، مع التركيز على أن أحكام الإسلام كانت قواعد عارضة لظروف مؤقتة ! (ص 50). وهذا تجديد في «أسلوب»الدعوة إلى الماركسية، يعتمد على مهادنة الدين ظاهريا قدر المستطاع، وعدم التهجيم عليه بصورة مباشرة كمحاولة لاستقطاب اتباعه حول الإيديولوجية الماركسية، باقناعهم أن لا تعارض بين الأخذ بعقيدتهم الدينية وبين إقامة حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أساس اشتراكية !
ب- العقيدة الإسلامية ليست مؤيدة للرأسمالية ولا معادية لازدهارها ! (ص 162).
1) فالإسلام بادئ ذي بدء لا يعبئ الناس لأغراض اقتصادية، بل هو دعا الناس إلى التمرد على روابطهم القبلية ليدخلوا في جماعة جديدة غايتها العمل في سبيل الله. والله قد طلب من عباده أن يعيشوا حياة تقية فاضلة، دون أن يغيروا من نشاطهم الاقتصادي الطبيعي المعتاد ! (ص 316).
2) الإسلام لم يفرض على الناس على الحضارة وعلى الدول نهجا اقتصاديا محددا !! (ص 181)
3) الإسلام لم يعترض على صيغة الإنتاج الرأسمالي، وتعاليمه لم تكن أبدا عائقا أمام نمو هذه الصيغة، أي عوائق في الطريق إلى تكوين وضع اقتصادي اجتماعي رأسمالي ! (ص 206).
4) الإسلام لا يمنع المسلم في أي حال، عمليا، من أنت يستثمر ممتلكاته وفقا للأسلوب الرأسمالي مع بقائه الكلي في حدود الشرع، ودون أن تفل من نشاطه أية قيود قانونية أو شرعية، أخلاقية أو عرفية، تزيد عن تلك التي يعرفها «المسيحي» ! (ص 50).
5) ليس هناك دليل قاطع على أن دين الإسلام هو الذي منع العالم الإسلامي من أن يتجه نحو طريق الرأسمالية الحديثة (ص 181).
6) من المتفق عليه لدى الجميع أن الوضع الاجتماعي الاقتصادي الرأسمالي (أي النظام الرأسمالي الحديث) لم يكن في أي وقت نظاما اقتصاديا لأي من البلدان الإسلامية قبل العصر الراهن (ص 69).
ج- إذا قررت الدول الإسلامية –ما دامت العقيدة الإسلامية لا تفرض عليها نهجا اقتصاديا معينا أن تصبح مجتمعات صناعية، فهي أمام خيار بين طريقين أساسيين : الرأسمالية أو الاشتراكية ! (ص 305).
1) فليس هناك من طريق ثالث- غير الرأسمالية أو الاشتراكية -، على عكس ما يظنه 
الاقتصاديون الأوربيون الراغبون في الخلاص من هذا المأزق وكثيرون من مفكري العالم الثالث الراغبين في إعطاء لون وطني لبرنامجهم الاقتصادي (ص305).
2) وليس هناك اقتصاد مسلم أو مسيحي، كاثوليكي أو بروتستاني، افرنسي أو ألماني، عربي أو تركي، فكل ذلك لا يمكن أن يكون في أقصى أحواله الأنلونيات سطحية للاختيار الاقتصادي الرئيسي (ص 307).
3) وليس من الصحة في شيء، الحكم على مستقبل العالم الإسلامي من خلال «المعتقدية» الإسلامية، بالذهاب إلى القول أن الإنسان المسلم مرتبط بقيم قدسية ويفكر على هدى مقولات ليست تلك التي يفكر بها الإنسان الأوربي (ص 300).
والدليل على ذلك أن العقيدة الاشتراكية تجتاح –على صور مختلفة- أكثر البلدان التي نسميها إسلامية. بل إن الشيوعية نفسها وجدت في بعض من هذه البلدان أنصارا لا عد لهم (ص 301).

                                                  * * * 
    ومن الملاحظ في مؤلف ردنسون كظواهر عامة أساسية.
أولا . . عدم التهجم على الدين بالطريقة الماركسي المعتادة، التي نجد تعبيرا عنها في الميدا القائل : (الدين أوفيون الشعوب). فرودنسون رغم كونه ماركسيا وعلمانيا ينظر إلى الدين على أنه ظاهرة اجتماعية، فإنه لم يأخذ بهذه «الطريقة الصريحة»، وإنما اختار طريقة أكثر خطرا على الدين، وأشد جاهلية، تتضح معاملها فيما يلي :
أ- الإسلام مرحلة تاريخية، بمعنى أن أحكامه كانت قواعد عارضة لظروف مؤقتة جعل المسلمون لها فيما بعد قيمة شاملة تتجاوز مكانها وزمانها (ص 50).
ب- الإسلام لم يفرض على المسلمين نهجا اقتصاديا محددا (ص 181). فالله طلب من عباده أن يعيشوا حياة تقية فاضلة، ولم يطلب منهم تغيير نشاطهم الاقتصادي المعتاد (ص 316).
ج- التغيير الذي طرأ على الحياة الاقتصادية في ظل الإسلام كان بفعل تأثير بعض الحوادث الطارئة كالفتوح وكالتخصص الإنتاجي في قلب سوق مشتركة ذات أبعاد عالمية (ص 317) وأن المسلمين اسبغوا القدسية على البنى الاقتصادية الجديدة كما لو صدرت عن الله وعن نبيه (ص 317).
فرودنسون في سبيل انباث هذه المزاعم – وغيرها كثير – لم يستعمل الكلمات النابية أو التي تدعو إلى النفور والحذر . . وإن خانته حواسه أحيانا فأفصح عن عدائه الدفين للإسلام بصورة سافرة، كمطاعنه في القرآن والسنة النبوية الشريفة (ص 45 و ص 48) وما سطره في صحفته 66 بقوله : (وظلت الفوارق بين الأحرار والعبيد، بين الاقطاعيين والمحرومين، بين الأغنياء والفقراء، بقية من لا مساواة أصيلة لا سبيل إلى اجتنابها. ولا هي تنال بالأذى – إلا في حالة إساءة الاستعمال- المساواة الوحيدة التي كانت أية دولة تملك أن تحققها على هذه الأرض).
ثانيا : .. إهمال الرابطة التي يخلقها التفسير الماركسي للتاريخ بين الإسلام والإقطاع .. «فالاقطاعية» حسب النظرية الماركسية مرحلة ضرورية من مراحل التطور البشري، بل إنها كانت بالذات المرحلة الوحيدة التي أمكن أن تتشكل فيها الملامح الأولى للوضع الرأسمالي. والإسلام حسب هذا التفسير يدخل في إطار هذه المرحلة، أي في إطار مرحلة الإقطاع.
وإهمال رودنسون لهذا القانون الماركسي الأساسي، ليس لاعتقاده بعدم انطباقه على الإسلام، وإنما بسبب طبيعة مؤلفه، الذي يستهدف استقطاب المسلمين حول العقيدة الاشتراكية، وهذا بطبيعة الحال لا يمكن أن يتم إلا بوسائل سلمية لا بوسائل تهجمية. ومن الملاحظ أن رودنسون استخدم هذا الموقف البطولي كجزء من مؤامرته الشيطانية.
   (أولئك الذين تصبح تفكيرهم في ظل الماركسية العقائدية التقليدية كما حددها انجلس، وكما صيغت في قوالب مدرسية من قبل الجهاز التربوي الذي أنشأته الاشتراكية الديمقراطية، ثم من قبل الجهاز الإداري السطاليني، أولئك قد لاحظوا دون ريب، وفي سخط أكيد، أني في كل هذا الحديث الماضي لم أشر ولو مرة واحدة إلى طبيعة الوضع الاجتماعي الاقتصادي الذي ترعرعت فيه تلك البرجوازية الإسلامية. وأكثرهم دون ريب كانوا يتوقعون، من قلم ماركسي، أن يلصق على هذا الوضع صفة «الاقطاعية»، ولا سيما أن «موجز الاقتصاد السياسي»، وهو الكتاب الذي يتضمن الناموس
المرعي الإجراء حاليا في الاتحاد السوفياتي وفي البلدان والأحزاب التابعة للقيادة السوفياتية، يصنف العالم الإسلامي القديم بين بلدان «صيغة الإنتاج الاقطاعي»، وإن أضاف إلى ذلك بعض الخصائص المحلية) (ص 108).
ثالثا : الغرض من الكتاب «خدمة» رجال الفكر في البلدان الإسلامية (ص 19) .. وفوق ذلك هو نصيحة لدول العالم الإسلامي. فهذه الدول هي بالذات في واحدة من تلك اللحظات الحاسمة التي تستطيع فيها أن تختار طريقها. ذلك لأن تعمم التحرر من الاستعمار، وإقلاع «الامبرياليات» الغربية عن أساليب السيطرة المباشرة، والمنافسة بين النظامين الاقتصاديين الكبيرين في المجتمع الصناعي، قد خلقت وضعا نوريا أصبح من الممكن معه، إلى حد ما إعلان القطيعة مع الماضي وألبده من منطق جديدا !! (ص 304).
                                                    * * *
   إن كتاب رودنسون- كما قال مترجمه  - ليس دراسة وثائقية لموقف الإسلام من النظام الرأسمالي، بل أنه فوق ذلك دراسة نظرية وتحليلية للعلاقات «الجدلية» بين العقيدة الإسلامية وبين المواقف السلوكية والروابط الاجتماعية وعادات التعامل الاقتصادية والبنى السياسية التي تعلن انتسابها إلى هذه العقيدة، على أرضية فكرية محددة، متكاملة المنطق، منسقة مع معارف الإنسان في مرحلتها الراهنة، هي علم الاجتماع الماركسي – كما يرى أن تكون صورته اليوم-.
إلى هذا الحد، ليس لأي معترض كان أن يتعرض على روبنسون، أو على غيره، لو أنه اقتصر على إبداء رأيه في العالم الإسلامي وقضاياه . . أما وأنه قد تطاول وتماد حين وجه كتابه إلى رجال الفكر في البلدان الإسلامية –خدمة لهم- ليصرفهم من مصيرهم الذي عجزوا عن فهمه ! فإنه بذلك فرض وصياته الفكرية- التي لا ندري بالتحديد هل هي ماركسية أو يهودية- على أناس يعترف بأنه ليس بأحسن منهم «ذكاء ومعرفة» !!، وبناء على أرضية فكرية مرفوضة وغير صحيحة في نظر الإسلام والمسلمين، انتهت به إلى آراء ونظريات أبعد ما تكون عن الحقيقة والصواب، وجعلت جهده التاريخي والتحليلي الكبير الذي بذله من أجل تدعيمها، جهدا عقيما لا يثبت أمام تحليل، ولا يخلو من نقص ...
   ولا أريد أن أتوسع –هنا- في تبيان المقاصد الحفية «المسومة»، فيكفي شهيدا على ذلك أن رودنسون زعم لنفسه أنه استند على افتراضات اجتماعية وتاريخية بالغة العمومية مؤيدة بالمعارف الراهنة والمحاكمات المعتادة في البحث العلمي . . بينما هو –في حقيقة الأمر- استند على شواهد ضعيفة ونادرة- هي انحرافات في أصلها عن الإسلام، أصبحت شمولية في الوقت الحاضر- ليستدل بها على أن الإسلام لم يفرض على أتباعه نهجا اقتصاديا محددا ! وإنما ترك الباب مفتوحا ! أمام المسلمين ليأخذوا بأي طريق اقتصادي استحسنوه !! 
إن النزاهة العلمية في البحث والاستقصاء والاستنتاج- التي يجب أن تهيمن على كل بحث علمي موضوعي نزيه-، كانت تفرض على المؤلف – لو انعدمت الغايات الخفية المسومة- وهو يعالج موضوع الإسلام والرأسمالية، أن يستدل بأدلة مستمدة من الإسلام نفسه، لا بانحرافات المسلمين من الإسلام !!!
    ومادامت هذه الانحرافات لا تمت إلى الإسلام بصلة، فإنها من تمة لا تصلح أساسا ولا تفصيلا للحكم عليه بها ..وهذا بالضرورة يجعل النتائج التي انتهى إليها رودتسون –مادامت الأسس فاسدة- نتائج فاسدة لا تقوم على أساس صحيح. وهو ما سنراه تفصيلا ...
                                               * * *
ثانيا . . تحديدا العلاقة بين الإسلام والرأسمالية إن مشكلة البلدان المتخلفة، والتناقض المتزايد بين المجتمعات الصناعية وتخ....، وبين عالم الجوع الذي تتضور فيه بقية الإنسانية، هي إحدى المشكلتين أو المشكلات الثلاث الكبرى في عصرنا، ودراسة هذه المشكلة تعني إثارة سلسلة من الأسئلة الأخرى الرئيسية. فهل ينبغي لشعوب العالم الثالث في سبيل بلوغ الازدهار المنشود، واللحاق بالعالم الصناعي أو تذهب حتى إلى التضحية بقيمها – العزيزة عليها- التي خلقت خصوصيتها وفرديتها وهويتها؟ وهل كانت هذه القيم هي منشأ التخلف، كلها أم بعضها فحسب؟..
  
(هذه هي القضية التي يثر الجدل حولها في كل مكان، بكل ذلك الحماس وذلك الاندفاع اللذين لا يثيرهما إلا ما هو حقا أمر حيوي للجميع. وهي موضع جدل بصورة خاصة في هذا الشطر البالغ الأهمية من البلدان المختلفة، ونعني به العالم الإسلامي، أي على التحديد العالم الذي كانت الغلبة فيه للدين الإسلامي خلال القرون الأخيرة، وهو تحديد لا سبيل إلى المبالغة فيه، لأن وحدة هذا العالم ذاته على كل صعيد هي ذاتها موضع جدل) ! (ص 31 و 32).
والجدل في العالم الإسلامي يدور حول معان أساسية كالتنمية الاقتصادية والاشتراكية، والرأسمالية، والقومية، والإسلام. (ص 32).
   وقضية العلاقة بين الإسلام والرأسمالية قد ناقشها المسلمون المستشرقون، ورجال الاقتصاد والمؤرخون الأوربيون معا. (ولم يكن نقاشا في الفراغ : فالمسلمون – تحت وطأة الإيمان أو القومية، أو كليهما معا- كانوا يحرصون على أن يثبتوا أن ميراثهم الديني لا يحول أبدأ دون الأخذ بالمناهج الاقتصادية الحديثة والتطورية، أو أن هذا الميراث موجه بطبيعته نحو العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أما العلماء الأوربيون فالذين ينظرون إلى الإسلام نظرة الود أخذوا هم أيضا بواحد من هذين الرأيين، بينما حاول الكارهون له منهم – ومعهم جحفل من الدعاة الذين لا يؤيدهم أي علم – أن يثبتوا أن الإسلام إذ يمنه تابعيه من أية مبادرة اقتصادية تقدمية يحكم عليم بالجمود والقعود، أو أنه – في تفسير متأخر- بدفعهم بالحتم إلى تحالف شيطاني مع الشيوعية الفاسدة المفسدة. وفي الحالتين يمكن أن يستنتج أن الواجب يقضي بمحاربة هذه الشعوب حرصا على تقدم المدينة بصورة عامة (ص 33).
ومن استقراء الفقرة الأخيرة، يستخلص أن :
1) طائفة من المسلمين ترى أن ميراثها الديني لا يحول دون الأخذ بالمناهج الاقتصادية الحديثة والتطورية. ومن رواد هذا الاتجاه محمد عبده ومحمد رشيد رضا ... (ه،. ص 33).
2) طائفة أخرى ترى أن ميراثها الديني موجه بطبيعته نحو العدالة الاقتصادية والاجتماعية. ويمثل هذا الاتجاه أدب الإخوان المسلمين في مجموعة، والعالم الباكستاني محمد حميد الله ...(هـ. ص 33)
3) فئة العلماء الأوربيين الذين ينظرون نظرة الود إلى السلام يأخذون بأحد الرأيين السابقين. ومنهم «لويس ماسينيون» الذي تقلب بين مواقف متناقضة. و «جان بول رو» و «جان اوستروي» و «جاك بيرك». . (هـ. ص 33)
4) أما الفئة الكارهة منهم له، ووراءها جحفل من الدعاة الذين لا يؤيدهم أي علم، فتحاول إثبات أن الإسلام هو الذي حكم على المسلمين بالجمود- وأبرز من قال هذا الراي «ارتت رينان» و «شارل رينا»- أو يدفع المسلمين إلى التحالف مع الشيوعية الفاسدة المفسدة.
إن تصنيف رودنسون للمواقف المختلفة، من العلاقة بين الإسلام والرأسمالية، تصنيف لا يخلو من النقص لسببين :
الأول .. أنه أهمل رأي المسلمين الذين يحددون العلاقة بين الإسلام والرأسمالية على أساس أن للإسلام نظامه الاقتصادي الخاص، باكتفائه حين تعرض لذكرهم بقوله : أنهم يرون أن ميراثهم الديني موجه بطبيعته نحو العدالة الاقتصادية والاجتماعية . . وغاية المؤلف من هذه العملية اللاعلمية تتضح في قوة وجلاء حين يعو في صفحة 57 ليبين أن هذه النظرة (التي عرض لها بأسلوبه الخاص !) توجد لدى جميع المجتمعات (إذا الواقع أن كل مجتمع له في رأيه العام تصور شامل للعدالة الاجتماعية، خاص به).
    وأضنني لست  بحاجة إلى المزيد في توضيح هذه النقطة. فيكفي – بالإضافة على ما سبق – أن المؤلف لم يول أنى اهتمام للمؤلفات العلمية الإسلامية التي تمثل الاتجاه القائل بل للإسلام  نهجا اقتصاديا خاصا، ككتاب «أسس الاقتصاد بين الإسلام والجاهلية» لأبي الأعلى المودودي (أمير الجماعة الإسلامية بباكستان)، وكتاب «خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي» لمحمد أبو السعود (مستشار بنك الدولة بباكستان سابقا)، وكتاب «اقتصادنا» لمحمد باقر الصدر إذا استثنينا الجانب الشيعي منه ..
والثاني . . هو استثناؤه مواقف الماركسيين من هذا التصنيف وغاية المؤلف من هذا الاستثناء تتجلى فيما يلي :
1) اتهام المواقف عبر الماركسية – وساء كانت لدى المسلمين أو لدى غيرهم – بأنها : (على بالغ تناضها، تستند جميعا إلى هذه الفرضية القبلية الضمنية : وهي أن المجتمعات – أي الناس في عصر ما ومنطقة ما- تلتزم دائما بعقيدة مسبقة، فوقية، وتنفيذ بتعاليمها، وتتشيع بروحها دونما تبديل جوهري، ودون مواءمة بينها وبين ظروف معاشها وما توحي به هذه الظروف ضمنيا إليها من أساليب تفكير، وهذه الفرضية القبلية قد لا يعي وجودها أكثر أصحاب تلك الآراء، تدخل الفساد والبطلان – كما يبدو لي – على موضوع النقاش نفسه) (ص 34).
وغنى عن كل بيان، أن المؤلف يلاحظ هذه «الظاهرة» في موقف غير «الماركسيين بصفة خاصة» وقد تناسى أنها تنطبق على مؤلفه أيضا، لأنه هو «نفسه» يلتزم بعقيدة مسبقة (هي الماركسية) متشبع بروحها، متقيدا بتعاليمها، يسير طبقا لافتراضاتها دون أي تبديل جوهري ! .. واستثناء مواقف الماركسيين يرمز إلى :
أ- إنها مواقف «علمية» تمتاز عن غيرها بالصحة !.
ب- إن قوانين الماركسية ومقولاتها تنطبق على غير الماركسية وحدهم، ولو كانت النوازل واحدة !!..
2) استخلاص أن مواقف الماركسيين هي المواقف الصحيحة لارتكازها على أسلم نظرية للعلاقات بين المذاهب العقائدية والواقع الاجتماعي (وليس هناك إلا عدد ضئيل من المؤلفين الجادين، وأغلبهم ذوو اتجاه ماركسي( !) طرحوا القضية بصورة حيوية، وفي الوقت نفسه وفقا لنظرة اجتماعية أسلم العلاقات بين المذاهب الإيديولوجية والواقع الاجتماعي) (ص 34).

                                                     * * *
   وانطلاقا من تزكية التحاليل المستندة على النظرية الماركسية، يحدد المؤلف في الجزء المتبقى من الفصل الأول، معنى الرأسمالية، ليتعرض في الفصل الثاني إلى تعاليم الإسلام.

ما هي الرأسمالية ؟
يرى رودنسون أن اصطلاح «الرأسمالية» قد استخدم في معان كثيرة يمكن تصنيف دلالاتها بين فئتين مختلفتين، وأن كثيرا من المناقشات التي دارت حول العصور القديمة، وهل عرفت الرأسمالية أم لم تعرفها، يمكن إرجاعه إلى الخلط بين هاتين الفئتين من الدلالات.
فمن جهة ولى استخدمت هذه الكلمة في الإشارة إلى مؤسسات (اقتصادية متفرقة، أو إلى مزيج من بعض ما يقام به من عمليات في إطار هذه المؤسسات أو أن توحى به. وفي كل الأحوال لم يكن المؤلفون الذين ستعملون مصطلح «الرأسمالية» بهذا المعنى يعتبرون أنه ينطبق بالضرورة على مجتمع ما بكلية، إذ من الممكن أن تتعايش المؤسسات الرأسمالية والعقلية الرأسمالية في داخل المجتمع الواحد، مع مؤسسات أو مع عقلية من طراز آخر، بل يمكن أن تكون أقلية في هذا المجتمع وبعد العلماء، بين الأمثلة على هذه المؤسسات أو هذه السمات العقلية ذات الطراز الرأسمالي جزئيا على الأقل، الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والمشروع الحر، وتطلب الربح كحافز أساسي للنشاط الاقتصادي والإنتاج للسوق، والاقتصاد النقدي، وأسلوب المنافسة، والعقلانية في إدارة المشروع ... (ص 35 و 36).
    ومن جهة ثانية، استخدمت كلمة «الرأسمالية» وصفا لمجتمع بمجموعة تسيطر فيه المؤسسات التي توصف بالرأسمالية والعقلية الرأسمالية، وقد أطلق هذا الوصف بصورة خاصة على مجتمع أوربا الغربية (وعلى امتداداته الأمريكية، منذ بداية القرن التاسع عشر لدى بعضهم، ومنذ القرن السادس عشر لدى آخرين، كما أطلق أحيانا على مجتمعات أخرى كالإمبراطورية الرومانية في بعض عهودها. (ص 36).
    ولما كان من العسير –كما يقول رودنسون- الأخذ بهذا العدد الكبير من التعاريف المتناقضة، لذلك ارتأى أن يأخذ بتعريف خاص يفصل في القضية على أساسه (وأنا قد اخترت تعاريف تدخل في إكار الفكر الاقتصادي والاجتماعي الماركسي. ولكن، الأمر يقتضي مزيدا من التمييز، فصحيح أن ماركس والماركسيين قد استخدموا مصطلحي «الرأسمالية» و «الرأسمالي» بأسلوب أكثر اتساقا من أساليب عدد كبير من المؤلفين غير الماركسيين، ولكنهم هم أيضا قد طبقا هذين المصطلحين تارة على المؤسسات الاقتصادية الخاصة، وتارة أخرى على المجتمع الأوربي الحديث الذي تمت فيه هذه المؤسسات أوضح نمو) (ص 37).
   ويفيض في تحليل هذه الظاهرة ومناقشة عناصرها وتحديد المصطلحات التالية : صيغة الإنتاج، النظام الاقتصادي. الوضع الاجتماعي الاقتصادي الرأسمالي، القطاع الرأسمالي. وينتهي في الأخير إلى أنه سيأخذ في اعتباره التعاريف الأخرى التي أخذ بها غيرالماركسيين الأكثر أهمية، أو التي تقترب من التعاريف الماركسية (فأكثرها الآن يوافق على أن تطلق صفة «الرأسمالية» على المجتمع الأوربي، من الناحية الاقتصادية، منذ القرن التاسع عشر أو منذ القرن الثامن عشر على أبعد الحدود) (ص 43).

                                                    * * *
وبعد تحديد المشكلة التي يطرحها البحث ومعنى الرأسمالية، في الفصل الأول، انتقل المؤلف إلى :
1) عرض تعاليم الإسلام ومواقف القرءان والسنة من النشاط الاقتصادي، والاقتصاد الرأسمالي، والمؤسسات الاقتصادية الرأسمالية (الفصل الثاني).
2) التعامل الاقتصادي في العالم الإسلامي الوسيط (الفصل الثالث).
3) أثر العقيدة الإسلامية بصورة عامة على الصعيد الاقتصادي (الفصل الرابع).
4) الإسلام والرأسمالية المعاصرة في البلدان الإسلامية (الفصل الخامس)
5) نتائج وتوقعات (الفصل السادس والأخير).
ومن الملاحظ أن آخر مبحث في الكتاب عنونه رودنسون ب : «الإسلام والاشتراكية».


  

 1 - نزيه الحكيم، سلسلة السياسة والمجتمع، منشورات دار الطليعة بيروت، الطبعة الأولى، يناير 1968.        


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here