islamaumaroc

لماذا ندرس سيرة العظماء والأبطال ؟

  دعوة الحق

123 العدد

   لكل عظيم أو نابغ أثر في المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه، سواء كان نبوغه وعظمته في العلم المادي أو الديني أو المدني من عند الله أو بوحي منه دون تعلم من البشر، ذلك أن الرقي الفكري والعلمي والاجتماعي يتكون ويتركب متسلسلا في أطوار التاريخ الإنساني والحضاري كسلسلة متماسكة الحلقات، لكل طور حلقة من هذه السلسلة مطبوعة بطابع ذلك الطور، إلا أن هذه الأطوار يلقح بعضها بعضا وتتدرج في سلم الرقي كلما امتد بها الزمان، بحيث يكون المتقدم منها أساسا للمتأخر، ما دامت سائرة في سلم الرقي كلما امتد بها الزمان، بحيث يكون المتقدم منها أساسا للمتأخر ما دامت سائرة في سلم الارتقاء، إلا في عهد التدهور والانحطاط، حيث تنحل عزائم العاملين في ميدان الترقي ويستبد بالأمر الولاة الجاهلون فيشتغلون بسفاسف الأمور دون الاهتمام بمعاليها، وتنساق الأمة في تيار المترفين الوبيء. هناك تنعكس القضية وتأخذ الحضارات والعلوم في الانصراف عن الأمة التي لا تقدر قدر العلم ولا مكانة الأخلاق في حياة الأمة وعظمتها.

   وقد يبتدئ تأثير العظيم أو النابغ في بيته أو قرابته ثم يعم الفضاء بنوره الوهاج، ولذلك كانت دراسة تاريخ العظماء والأبطال مما يعطي لدارسها أحسن قدوة ويلقي الأضواء على أحداث الزمان وعبره، فيتجنب الإنسان كل كبوة، فاللبيب المحظوظ من بني الإنسان من استطاع أن يضع برنامجا يكفل له النجاح في حياته البيتية وحصل على ذلك النجاح، وأوفر منه حظا من تعدى نجاحه إلى قرابته أو قبيلته أو أمته، حيث يكون موضع إعجاب وثناء وتقدير، فيرتفع له من حسن صنيعه الذكر الجميل، ويتبوأ في المجتمع المقام الجليل، ويكون عائب خطته ومنتقص مكانته طعمة الأفواه ومسخرة الناس، خصوصا إذا كان العائب والمنتقض فاشلا في الحياة، عاجزا عن التدبير، أينما نوجهه لا يأتي بخير. ذلك أن النجاح في الحياة كثيرا ما يتطلب خبرة وكفاءة وقدرة على تنفيذ الخطة التي رسمها الشخص لحياته، وليس كل برنامج نظري يستطاع تنفيذه، وليس كل برنامج نفذ ووقع تطبيقه من البرامج النظرية حالفه التوفيق والنجاح، وحصلت للفرد أو الجماعة الغاية المطلوبة منه، وإذا كان الفوز والنجاح في الحياة يتمتع صاحبه بتقدير يناسب مجهوده ومسعاه، فإن الأفضل والأحق بالدراسة والعناية من أتى ببرنامج عملي لإسعاد البشرية، وأدعى أن هذا البرنامج يحمل عناصر البقاء والاستقرار والسعادة للمتمسكين به، والخلود على الدهر، واستطاع بدون مالية ولا عتاد حربي ولا مدد ظاهر أن يجمع حول مبادئه جماعة استطاعت أن تؤمن بها وأن تنشر دعوته وتؤدي رسالته حتى أصبح المؤمنون بها على توالي الزمان يعدون بمآت الملايين من البشر، فصدق الواقع كل ما قاله ووعد به، وأثبت الزمان صدقه في أنه رسول من رب العالمين إلى الناس أجمعين، برسالة من عند الله فينا هداية وسعادة ورحمة?للبشرية فحصل كل ما وعد به ودل الواقع على أنه رسول الله حقا وصدقا، أيده الله بقوة خارقة فوق قدرة البشر، لأننا نرى الحكومات والدول الكبرى تعجز عن تحقيق مشاريع دون هذه الثورة الاجتماعية الكبرى التي حصلت في العالم بعزيمة فرد واحد يزن في رسالته ومرماه وفضائل نفسه في الواقع أمما بأسرها، إنه رسول الله محمد عليه السلام، وإن كتابه القرءان الذي يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين.

    ومما جاء في هذا القرءان قول الله تعالى لنبيه ?هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ? [الأنفال: 62-63]. ومما يشير إلى قيمة وثقل وزنه المعنوي في الوجود ما جاء في حديث شق الصدر، حيث حكى الرسول لصاحبه أن أحد الملكين اللذين غسلا قلبه الشريف قال لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم،  ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك فو الله لو وزنته بأمته لوزنها، وهذه لطيفة ذات مغزى عظيم في قيمة الرسول الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وإياك أن تفهم من هذا الميزان ما يفهمه المتولون لوزن الأشياء من تقدير ثفل الأجسام فقيمة الوزن معنوية والوازنان من الملأ الأعلى.

   وإذا أردنا أن نفهم قيمة هذا الدين، فلا بد أن نجرده مما ألصق به على مر السنين، فقد مر على وجود هذا الدين هاديا للبشرية أربعة عشر قرنا بين أهله المؤمنين الذين حصل منهم بعض الغلو في شأنه، وبين أعداء الإسلام الذين جندوا طاقاتهم لمحاربته علانية، وكيده سريا، وافتراء أحاديث وتقولها على الرسول، حتى يشككوا المؤمنين في دينهم، حتى وقع تزلزل في قلوب بعض المنتسبين للإسلام، وتكونت فرق مختلفة في شعوبه، فوقعت مناظرات ومجادلات، سواء فيما يتعلق بالعقائد أو الأحكام أو مذاهب أخرى. وقد تصدى من يدافع عن الإسلام وعن أحاديث الرسول من حفاظ السنة للذب عن الدين، وتخليص سنة الرسول من تقولات المفترين، حتى استبان الحق وافتضح النفاق وأهل الشقاق، وظهر أمر الله وهم كارهون، كما نفى أهل السنة والجماعة ما ألصق بأصول الدين وعقائده وأحكام معاملاته، وهم الذين تحملوا علومه فأدوها أحسن أداء، فكانوا من الذين قال الرسول في حقهم: يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

    ولكن من المعلوم أن الشبه تتجدد حسب تطورات الزمان وتنوع المعلومات في البشر، فتحصل المقارنات بين ما ثبت في الدين وما وقع اكتشافه وما برز للوجود من التطورات الاجتماعية التي أثرت في عقلية الإنسان وعقيدته وسلوكه، ولذلك ينبغي في هذا العصر إعادة النظر في عرض دين الإسلام على الأجيال الصاعدة بما يناسب ويقنع عقلية أهل العصر الحاضر، حتى يتبين للجيل الصاعد نصاعة الإسلام وكفاءة جوهره للسير بأهله نحو الكمال، ويعرف علو مقامه في الوجود وما أداه لأهله بصفة خاصة وللإنسانية بصفة عامة في تاريخه المليء بالمفاخر والمكرمات، فإذا أمن الشباب من جديد بأحقية دين الإسلام وصلاح مبادئه للحياة المدنية الفاضلة أمكن أن تتغير الحياة الاجتماعية من هذا الانحلال في الأخلاق والعقيدة إلى المثل العليا التي تحيى بها الأمم، فيضيف له هذا الجيل الجديد، بقوة إيمانهم المتجدد، مجدا طريفا إلى مجده التليد، فإن في رصيد الإسلام الروحي في قلوب الشعوب الإسلامية ما يساعد كل المصلحين على إصلاح الأوضاع ورفع المستوى الاجتماعي بكل إبداع.

   وكل أمة ترى من الواجب عليها أن تدرس آثار عظمائها وتحيي ذكراهم في المستوى الذي يليق بهم وبما أدوه لأمتهم، سواء في الميدان العلمي أو الديني أو الاجتماعي؛ وما تاريخ الأمم في الحقيقة إلا تاريخ عظمائها وأبطالها.

   أما أثر رسول الإسلام في الأمم التي اعتنقته أو التي تأثرت به بسبب احتكاكها واتصالها بأهله أو الأمم التي عارضت الإسلام وعملت بمقتضى إرشاداته في واقع تاريخها فتجل تلك الآثار للإسلام في جميع من ذكر عن العد والحصر.

    فالتاريخ الحقيقي لهذا الشعب المغربي إنما ابتدأ باعتناقه للإسلام فتكونت فيه الحضارات والدول، فهو مدين لدين الحق بسياجه وكيانه وشخصيته، وبالخصوص هو مدين لرسول الله سيدنا محمد بن عبد الله مطلع هذا النور على الشعب المغربي النبيل.

   ومما لا يليق بعقول الشباب المتنور أن يقبل على دراسة عظماء أوربا ويعرض عن دراسة من وحد أمته وطهر عقيدتها وأصلح أخلاق هذه الأمة وهيأ لها سبيل العظمة والمجد بين الأمم، وجعلها دولة ذات سلطان وكيان.

   وسوف لا نبني هذه الدراسات على الخوارق وما لا يصح من الأخبار، لأن عظمة من نفخ في الأمة الإسلامية بأسرها هذه الروح غني بحقيقة سيرته وعظمة روحه وخلقه العظيم، عن كل تلعين، إنه رسول الله وكفى، غني بحقيقة رسالته وتعليم ربه إياه ما لم يكن يعلم على المظاهر الفارغة والآراء الزائفة، والله يتولى الصالحين، وموعدنا الحديث المقبل بحول الله.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here