islamaumaroc

بين التأمل الديني والتجربة الجمالية

  دعوة الحق

123 العدد


   إن العلاقة بين التجربة الدينية والتجربة الجمالية علاقة صميمة وإن كان ذلك لا يبدو بسهولة للناظر العجلان، ففي التجربة الدينية هناك عملية استبطان الفكر لذاته، هناك انطلاق نحو الداخل، وفي التجربة الجمالية الصادقة يوجد نفس هذا الاستبطان للفكر داخل ذاته، كما توجد حركة من الفكر نحو الأعماق وإنما هناك روابط أخرى هي التي سنحاول أن نلقي عليها الضوء هنا.

   إننا في التجربة الحسية نقوم بانفتاح نحو عالم متغير باستمرار تنعكس فيه الطريقة التي نتلقى بها الأشياء ونتقبلها، أما دراسة وجودنا الباطني فلا تقودها التجربة المحسوسة وإنما تتم عن طريق التأمل. فعندما نتأمل تجربتنا نتجه إلى ما هو أبعد من الوصف المحض للواقع الذي نعيشه دون أن نغفل النظر إلى هذا الواقع.  فالتأمل ينطلق من الوصف البسيط للتجربة المعاشة ويعود في النهاية إلى ذلك الواقع في حركة مغنية وموضحة له. ويتجه الفكر نحو ذاته مجاهدا للقبض على طبيعته. فالتحليل التأملي إذن يعزز التجربة المحسوسة ويعمقها ويكشف دلالتها الحقيقة ومحتواها بدل أن يفصلنا عنها، كما يظهر لنا التأمل أن التجربة المباشرة في مظاهرها أكثر تميزا وتحددا تكتسب دلالتها فقط من علاقتها مع الذات، وهكذا يتم تأسيس علاقات بين أنماط تجربتنا المختلفة أن تجربتنا متكاملة وهي عادة لا تعرب عن نفسها في شكل مجزء أو غير متماسك، وإن حياتنا الباطنية حركة مستمرة تجاه الذات وتقدم هذه الحركة وتراجعها يكشف في النهاية ما هو حقيقي في الذات، ومن هنا تطرح على التجربة الإنسانية مهمة فلسفية غايتها استعادة التوافق والانسجام الكامنين في مختلف أنماط التجربة.

   عن منهج التأمل يسوقنا إلى القبض على مفهوم الفن والجمال، ويجب أن يطلعنا كيف تتوافق عملية الخلق مع التأمل في مشروع واحد. فالفن يبني عالما في انسجام وحرية، والفرحة التي نخرج لها من تأمل الأعمال الفنية إنها هي فرحة التعرف، أن حريتنا تتعرف على ذاتها في العمل الفني ومن خلاله وتحتضن نفسها في علاقاتها مع عالم جديد الخلق، كما أن خيالنا وقد تحرر من عقاله يثبت ذاته في تلقائية خلافة ويجد نفسه في كون مصنوع على صورته. إن فهمنا للعمل الفني معناه أننا قد وجدنا الطريق نحو ذلك الكائن الذي يبحث عن نفسه من خلال ذلك العمل، أي أننا واصلون إليه، كما أن تأمل الفنان لعمله الفني وإنجازه له هو تعبير عن وعيه الكامل بذاته، فالعمل الفني يكشف عن المشروع الذي يضعه الفنان والذي ينشئ الفكر الإنساني ذاته من خلاله.

   إن الفن أسمى طرق التعبير وهو إعادة خلق للأشياء في سياق له دلالة شخصية وخصوصية،
ومجهود الفن في البحث عن طرق متعددة للتعبير لا علاقة له بترجمة العواطف الموجودة سابقا، لأن العمل الفني قبل كل شيء تحرير من الاستغراق في الأشياء استغراقا مباشرا ومحسوسا وبحث عن أنماط جديدة في التعبير، فهنا ينشد الفكر الإنساني تحرير نفسه من كل ما هو متلاش ومصطنع، إنه ينشد الكشف عن نفسه من خلال تجربة الامتلاء والتلقائية، كما أنه يصارع لتحرير نفسه من ربقة الحياة اليومية، من روتينها ومن عرضيتها. وإذا بدت بعض الأعمال الفنية فارغة المحتوى فلأنه ينقصها نفس روحي ولأنها تفشل في تجنيد هذا النمط من الحرية الذي هو امتلاك كامل للذات.
إن الفن ليس مجرد إنجاز لبعض القيم التي يمكن أن توجد سابقة على العمل الفني والتي تسعى إلى التعبير عن نفسها من خلال ذلك العمل كما أنه ليس مجرد انعكاس لبعض حالات الوعي في حدته، وأن نشوة العمل الفني تصدر عن حرية تغزو لتفرض ذاتها من حلال ذلك العمل وتجددها باستمرار، فبالتأمل نصل إلى دلالة الفن وبه نصل إلى صميم التجربة الجمالية، وإحدى الصعوبات التي تعترضنا في استكشاف التأمل هو الاعتقاد بأن التأمل يعارض الفعل يجب أن ننظر إليه وكأنه فعل من نمط سام غير مشكوك في فعليته، فلا يقتصر الفعل على بناء شيء، إنه يعني أيضا نوعا من التلقي ويمكن أن نقول بحق الفكر التأملي هو أكثر حركة، فرغم أن التأمل يتطلب منا أن نغفل بعض أنواع الفعل، فإن الباعث على الفعل يجب البحث عنه في أعماق الحياة الروحية، إن التأمل في حركة المتعالية يمتد بنا إلى ما وراء عالم الموضوعات المحسوسة ويعلن عن نفسه كحضور محض، ولا يمكن أن نتحدث عن سلبية التأمل في هذا المضمار إلا إذا أعطينا لهذه الكلمة دلالة أعمق فلكي يكتسب التأمل هذه السلبية يجب أن نتخلى إطلاقا عن سلبية اللافعل، لأنهما هنا ليستا من طبيعة واحدة.

   إننا خلال تحليلنا للتأمل الجمالي نلتقي دائما بتجربة الفرح والهدوء، لأن الوعي تسره الموضوعات، يطمئن إليها ويثبتها، ويمكن أن نقول بأنه يكون حرا بمقدار ما يملك ذاته في تلقائية قابلة على أن تشكل ذاتها، أن الوعي ينظر إلى موضوع ويتقدم نحوه في حركة تكون نهايتها التعرف على الجميل، فالجمال هو المبدأ الذي يجدبنا نحو الموضوع الفني فالجمال هو تجل للكمال، لسمو  يفرض علينا إلا تسأل الموضوع أي شيء إلا أن يكون ذاته، لا نسأله إلا أن تكون كينونته مجمعة في وجوده لها طابعها الذي هو الامتلاء واللانهاية. إن التأمل الفني حركة سير إلى الوراء، وهو في نفس الوقت إنجاز لتجربة محسوسة لا ندعي أنها تسحب انتباهنا من الواقع المحسوس بل بالعكس نحن في التأمل نعود  إلى الواقع المحسوس برؤيا مجددة، إننا ننتقل إلى ما هو أبعد من الموضوع وفي نفس الوقت نبقى حاضرين معه بشكل يصبح معه انتباهنا حركة إيقاعية ذهابا وإيابا، ويصبح معلوما لدينا دلالة الموضوع وقيمته، وفي هذا الإدراك الثنائي يوجد المنبع الذي يوحد الروحي بالمحسوس اللامادي بالمادي، فالموضوعات الجميلة تساهم من خلال محسوسيتها في استقرار رؤيتها وصمودها، إن الجمال هو دائما مقترح وليس معطى ولا يمكن مطلقا أن يصبح الجمال موضوعا للامتلاك المباشر الفوري، إنه يبلغ إلينا في جعل التأمل كما لو كان يعاد خلقه، ولكي نبلغ نحن إلى الجمال لا نحتاج إلى أكثر من أن نجمع انتباهنا ونتفتح على دعوة الجمال، إن الجمال لا يقدم لنا فائدة ولا يخدم لنا مصلحة، إنه يهبنا الفرح الروحي ويسمو بنا إلى ما هو أبعد من أنفسنا، ولهذا كان أنسبه ما يكون بالتجربة الدينية، والتأمل هو الخيط الرابط بين المجالين، فالتأمل نستطيع إدراك التجربة الدينية، ومهمة التأمل هنا هي استكشاف ديناميتنا الروحية والبلوغ إلى الطبيعة الخالصة لهذه الدينامية، والحديث عن حياتنا الروحية هو الحديث عن الخط الذي يسير فيه وعينا نفسه، ثم إن التجربة الدينية لا تنفصل عن السياق الكلي لحياتنا، إنها منخرطة في حركة التقدم الكلي للفكر، هاته الحركة التي تنحى عن الفكر كل ما يمكن أن يشوب صفاءه، وان تقدم الفكر نحو العالم ليس فقط مجموع فتوحاته ومجموع نتائجه المحسوسة، ما دام الفكر هو ذاته لا مكتملا أبدا، إنه يبغي إثباتا لذاته أكثر صفاء وأبعد مما يمكن إنجازه عبر انفتاحه، إن الفكر وهو قطب الحياة الروحية ينشد تحقيق وجود وقد نفذت إليه نفاذا كليا الحقيقة والقيمة، ودور التأمل هو إلقاء الضوء على تقدم الحياة الروحية لا أن يحصى النتائج المحسوسة التي تتبع هذا التقدم فحسب، وعندما يسير التأمل حسب هذا النهج، فإنه ينزع الغطاء عن صميم كينونتنا، عن توقع مستمر وانتظار لا نهاية
له، ويجب ألا ننظر إلى هذا الانتظار وكأنه مجرد عنصر من عناصر الفكر أو كشيء مفروض على حياتنا من الخارج، فهذا التوقع المنتظر هو نفسه حياة الروح، فنحن ندرك وجودنا فينا حتى وإن لم نلق بالا إلى مصيرنا.

   إن التأمل الديني بطبعه وعي أبعد من العالم المحسوس، إن الوعي الذي للتأمل الديني وعي بتجربة التآلف الحي مع شيء يجلى نفسه أبعد من الإدراك المحسوس المباشر للعالم، إن حركة التأمل الروحية تعلي من وضعية الاعتماد على العالم للغدو شيئا واحدا مع العالم، نستبطن العالم ويستبطننا، نحل في العالم ويحل فينا، لأنه عالمنا نقبله ولا نرفضه، وقبولنا هو تعبير عن رضانا الروحي، فالتجربة الدينية تسوقنا إلى تطهير الفعل من ضلال الأنانية ومن كل رغبة في الامتلاك إلا امتلاك الذات، تسوقنا نحو حالة من الانفتاح والتركيز والإخلاص.

    فهل نحن بعيدون عن التجربة الجمالية؟ إنه بإمكاننا الآن أن نفهم العلاقة بين التجربتين فهما أعمق، فالتجربة الجمالية تشمل منذ البداية مضمون التجربة الدينية، بل إن التجربة الجمالية تمهد الطريق لشيء يعليها وبهذا تشعرنا بحلول نظام جديد بداخلنا، أن تأمل الجميل يشكل بداية للحياة الدينية.

   إن الحياة الروحية هي الطريق الحقيقي لملاحقة الحرية، وهذه الملاحقة التي تصبح فيها الروح شفافة لذاتها تحدث في مراحل متتابعة، والطريق الجمالي نحو الحياة هو إحدى هذه المراحل في ملاحقة الحرية التي تجد مفهومها العميق في أحضان الدين، فالحرية تتداخل مع الحياة الروحية كما تمتزج بإرادة الخلق الفني، والمتصوف كالفنان لا تحدهما قيود إلا أن يتأملا موضوعهما بإرادة الاستغراق فيه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here