islamaumaroc

مالك الأشتر

  دعوة الحق

123 العدد


     من شخصيات التاريخ الإسلامي النادرة، ومن أبطال الحرب البارزين في أيام العرب، جمع البطولة إلى النجدة، والشجاعة إلى الدين، والفصاحة والبلاغة إلى الكرم والأدب، ورغم ما مر بك من صفات الرجل فإن التاريخ لم ينصفه، ولم يحص مآثره وأمجاده، لأن ما به من صفات لا يمكن حصرها ولا يتأتى تعدادها. إنه يمثل العربي الصحيح، العربي الذي لا يقرب العيوب ولا يداني الدنس، العربي الذي يرخص الروح في سبيل الذود عن الكرامة والدفاع عن الحياض، هذه الكلمات المعسولة التي مرت بك ليست ألفاظا تقال في معرض الحديث عن مالك الأشتر، وإنما هي كلمات لها معانيها ومدلولاتها وآثارها في شخص بطل طبق على نفسه القواعد الموضوعة والحدود المرسومة حتى بلغ مرتبة المثل الأعلى للرجل  الكامل.
 
     ولد هذا البطل المشهور قبل الإسلام بقليل وقد عاصر النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يره ولم يسمع حديثه، غير أن مالكا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: «إنه المؤمن  حقا»، وهذه شهادة تعدل شهادة الدنيا بأسرها لأنها صدرت عن أعظم إنسان في الدنيا وهي دليل على أن مالكا قد كان شابا في عهد النبي (ص)  له وزن وله رأي في قومه وأنه دخل في الإسلام كما دخل فيه غيره من عظماء هذا العهد المبارك، بل لقد عد بين  المجاهدين الذين أبلوا البلاء الحسن في حروب الردة وموقفه معروف من (أبي مسيكة الأيادي) وهو زعيم من زعماء المرتدين وحديث مالك إليه حديث المؤنب المعتز بإسلامه وعروبته وشجاعته حتى لقد دعاه للمبارزة غير هياب ولا وجل مما يدل على أنه قد كان يومذاك شابا في ريعان الشباب. فإذا أضفنا إلى هذا أن مالكا الأشتر قد صرع عبد الله بن الزبير في وقعة الجمل وأن عمره كان إذ ذاك، على ما يروي المؤرخون، ثمانين عاما فتكون ولادته، إذن، قبل بعثة النبي بعقدين أو ما يزيد على ذلك قليلا. ولكننا لا نخلو من الشك في أن سنه قد بلغت إلى هذا الحد في معركة الجمل لأنه عاش بعد ذاك أيام حرب صفين كلها وأنه في نهاية هذه الحرب، وبعد التحكيم، عين واليا على مصر من قبل الإمام علي، ولسنا نرى أن يعمد الإمام إلى تسليم قطر من أهم الأقطار الإسلامية لرجل شيخ هم، بل نرجح أنه كان إذ ذاك في طور الكهولة وأنه تجاوز الستين بقليل.

   أما اسمه المفصل فهو: مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة.. إلى أن ينتهي بالنخع ثم يصل إلى مذحج جده الأعلى والذي تسمت به قبيلة من أشهر القبائل اليمنية العربية وأشدها قوة ومنعة. ولقد شهد أول ما عرف خطبة عمر في (الجابية) كما شهد وقعة اليرموك وشترت عينه فيها، وقيل أنها شترت (استرخى جفنها) في حروب الردة مع أبي مسيكة الأيادي. وسكن أخيرا في الكوفة وترك فيها نسلا.

    لهذا البطل شخصيتان: أولهما شخصيته قبل الإسلام وأثناءه وفي زمن الخليفتين أبي بكر وعمر، وكان خلالها غير بارز الصورة ولا ظاهر الملامح، وإن كان معدودا بين الفرسان النابهين، ولكن التاريخ لم يهتم بشأنه في هذه الفترة إذ كان منشغلا بالجهاد.
وشخصيته الثانية تبدأ بالثورة على عثمان حتى نهاية حياته وفيها انضم إلى معسكر علي بن أبي طالب وظل وإياه حتى قتل مسموما على طريق مصر على ما رواه المؤرخون.
كان رفيقا لعمار بن ياسر الصحابي الجليل وقد تألم لمقتله كثيرا وثارت ثورته يومذاك على جند معاوية فأبلى فيهم وأذاقهم الويل في كراته الشديدة عليهم انتقاما لرفيقه وثأرا لصديقه.

   كان الأشتر صاحب دين، وكان معدودا في التابعين وكان على جانب من التقشف والزهادة ودليل ذلك إعجابه الشديد بأبي ذر الغفاري ولعل من أقوى الأسباب التي حملته على مقاومة الخليفة عثمان أن هذا الخليفة قد جبه أبا ذر وأطاع فيه حاشيته ونفاه إلى الربذة، وكان مالك أحد الذين زاروا الصحابي الجليل رغم غضب الخليفة عليه، حتى لقد مات أبو ذر بين يديه وتولى مالك دفنه وابنه تأنيبا ينم على الألم لما لقيه من عنت وغبن، كما ينم على الاستياء والحقد على أولئك الذين آذوا صاحب الرسول  الأعظم فلم يعرفوا له قدره ومكانته، ولقد وضع الشيخ أبا ذر في حفرته الأخيرة ثم جرد سيفه فمسح به القبر ثم تكلم عن صاحبه فقال: إن أبا ذر رأى منكرا فغيره بلسانه وقلبه حتى جفي ونفي وحرم واحتقر حتى مات وحيدا غريبا، ثم تثور حفيظة مالك فيدعوا على المعتدين بقوله اللهم فاقصم من حرمه ونفاه.

   يضاف إلى ما تقدم، الخلاف الشديد الذي نشب بين مالك ووالي الخليفة على الكوفة سعيد بن العاص، وقد شكا منه مالك وعرض حاله على الخليفة فاستدعاه إليه واستدعى الوالي، فكانت النتيجة أن أقصي مالك عن الكوفة وأن أعيد سعيد بن العاص معززا مكرما، وهذه نتيجة مؤذية محنقة للأشتر تؤذيه في مكانته وزعامته وشجاعته فحفظها للخليفة وهو يحرق الأرم وينتظر اليوم الذي يستطيع فيه إقصاء الذين خالفوا القرءان والسنة وسيرة الخليفتين.

   ولو نظرنا إلى حالة مالك من حيث رجولته ودينه واستقامته  وعروبته الأصيلة، ثم لو نظرنا من الجهة المقابلة إلى حالة الخلافة أيام عثمان وتسلط بني أمية عليها وإحاطتهم بالخليفة إحاطة مقصودة بحيث لم يتركوا مجالا للناس يصلون إليه ولا الشكاوي تمر إلى أذنيه، ولو نظرنا إلى كل ذلك لعلمنا السبب في التزام مالك جانب الإمام علي فقد وحدت بينهما فكرة عدم الرضى وأن الخليفة عثمان، على ما يتمتع به من سابقة ودين وتقوى، مغلوب على أمره، قد تسلط عليه جماعة من أصحاب الاستغلال والأنانية يحاولون أن يحتكروه ويصدوه عن وجوه الخير والإسلام الصحيح.

    وهكذا اشترك مالك عمليا في حصار عثمان وحضر مقتل الخليفة وإن لم تمتد يده إليه ولكنه عد بين الذين عملوا من أجل هذه النهاية المحزنة ما وسعهم العمل، ولعل مالكا بما عرف عنه من ورع ودين لم يكن يقصد إلى القتل لأن ذلك أمر لا يقره الدين بل لعل أكثر الذين شاركوا في هذه المأساة كانوا يريدون أن يعتزل الخليفة عمله السياسي وان يقبع في داره وأن يرى الناس لهم خليفة آخر من نوع الخليفتين السابقين أبي بكر وعمر.

   فلما وقعت الواقعة كان مالك أول من دعا إلى تولية علي الخلافة بل لعله كان العامل الأول في إقناع الإمام بقبول الفكرة ثم لم يكتف بذلك حتى دعا الرؤساء والكبراء إلى مبايعة الإمام علنا لتكون البيعة صحيحة وقد دعا طلحة والزبير وغيرهما إلى ذلك فلباه الناس، بعضهم جزعا وخوفا وبعضهم الآخر عن رضى وطواعية ومحبة لما كان يتمتع به هذا الرجل القوي من مكانة مرموقة. حتى لقد ادعى الزبير أنه أجبر على البيعة إجبارا وذلك حين عوتب على قيامه ضد علي يوم الجمل، ويقال أن مالكا قال لطلحة حين بدا منه التقاعس عن البيعة: قم يابن الصعبة، ثم سل سيفه في وجهه، كما التفت إلى الزبير صائحا: قم وبايع والله لا ينازع أحد إلا وضربت قرطه بالسيف، وقد قال الزبير بعد ذلك، بايعت واللج على قفاي، واللج سيف لمالك الأشتر.

    وقامت الثورة الأولى على الإمام وانبثقت المشاكل المتشابكة المعقدة، فكانت وقعة الجمل أول مظهر من مظاهر الخلاف العميق بين بعض أفخاذ قريش وبني هاشم، وما من شك أن سيدنا عليا
قد كان موضع الثقة والاحترام من كل الفئات الإسلامية، ولكن الإنسان محكوم بطبيعة نفسه أكثر من أي شيء آخر، فالدين والأخلاق والثقافة، كلها أمور موجهة ومؤثرة عند أناس، ولكنها عند آخرين قد تكون أمروا ثانوية أو تكون ذات أثر لا يستطيع مقاومة تيارات النفس البشرية. ولعل هذا الأمر هو الذي أشار إليه مؤرخونا القدماء فسموه بالعصبية القبلية التي تغلب عليها الدين حقبة من الدهر بالنسبة لقسم من الناس على حين أن القسم الآخر قد تأثر بالدين وقتا ما ثم ما لبث أن غلبت عليه العصبية كرة أخرى، وهذا يزيد بن معاوية يستشهد بقول الشاعر:
                                 ليت أشياخي ببدر شهدوا
                                                جزع الخزرج من وقع الأسل

   وذلك يوم بعث حملته على المدينة، فقد تذكر ثارات أقربائه من بني أمية الذين قتلوا بسيوف بني هاشم (ومنهم الأوس والخزرج) في معركة بدر، وهكذا يروي المؤرخون، وهي رواية معقولة لا يدحضها المنطق ولا التاريخ.

    وكان لمالك الأشتر النصيب الأوفر في الدفاع عن سيدنا علي وخلافته في وقعة الجمل، ولقد بدأ القتال، فخرج رجل يصيح في الناس محذرا من الأشتر ويقول: أما الأشتر فلأنيابه قعقعة في الحرب.

    وتنتهي المعركة العجيبة لصالح الإمام علي ويخرج مالك يجرر أذيال الظفر وما كاد ينعم بالهدوء حقبة حتى تبدأ المعركة الكبرى صفين فيخوض مالك غمارها ويصطلي بنارها ويسهم فيها إسهاما كبيرا حتى لقد عد بلاء منصبا على جنود معاوية وكان معاوية يرى فيه العدو الأكبر والسد المنيع ضد أمانيه ومآربه. ولكن صفين تنتهي نهايتها الفاجعة بالنسبة للإمام ومالك فقد اضطربت الجبهة العراقية واختلف عسكر الإمام وغيروا اتجاه النتيجة بعد أن أجبروا عليا على قبول خدعة التحكيم وهو مبدأ مفيد لمعاوية ضار بعلي وجماعته، حتى ظن أن هؤلاء الذين ضحوا بالنصر، وقد كان منهم قابا، إنما فعلوا ذلك نكاية بمالك وحده، بل لقد كادوا يسلمون الخليفة إلى خصمه، وقد قال الأشعث وهو من حساد مالك حين أراد على أن يختار مالكا حكما يقابل عمروا ابن العاص: وهل سعر الأرض علينا إلا الأشتر، وهل نحن إلا بحكم الأشتر.

    ولقد تحدث التاريخ بعد ذلك أن الأشعث هذا كان يعمل بإيحاء من معاوية بالذات.
ولكن الغريب في أمر مالك أنه كان يثور أمام الناس جميعا إلا الإمام فقد كان يحبه حبا غير من طبيعته الثائرة وهذب من طبعه العرم ورقق من نفسه المزمجرة المحنقة، فكان إذا سمع الأمر من علي تلقاه كأمر عسكري لا تجوز مناقشته ولا تحق مداورته، وهكذا تراجع مالك يوم صفين نزولا عند رغبة الإمام، وهكذا قبل أن يكون واليا في منطقة الجزيرة، وهي منطقة تافهة، إلا أنها واقعة على حدود الشام. وهكذا أيضا قبل أن يكون واليا على مصر بدلا من محمد بن أبي بكر، حتى لقي حتفه في الطريق على أغلب الروايات. وانتهت بموت مالك حياة حافلة بالدين والإيمان والشجاعة والنجدة فعد بذلك من الأبطال الميامين في تاريخ الفترة الأخيرة من خلافة الراشدين.
ولقد سر معاوية بمقتله، فقال: - كانت لعي يمينان قطعت إحداهما بصفين (يقصد عمار بن ياسر) وقطعت الأخرى بمصر( ويقصد مالكا).
ولكن عمرو  ابن العاص كان أبلغ في الشماتة حين قال:- إن لله جنودا من العسل.
لأن مالكا مات مسموما بعد أن أكل عسلا، أما الإمام علي المحب المفجوع بصديقه الأمين فقد قال فيه: - كان لي مالك كما كنت لرسول الله.

   وقال أيضا وقد جاء خبره.- إنا لله راجعون، اللهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر-
وقال: - لله در مالك، أما والله ليهدن موتك عالما وليفرحن عالما، على مثل مالك فلتبك البواكي، وهل موجود كمالك-.
   بقي أن نذكر لك ناحية أخرى هامة عند هذا الرجل الكبير، فقد كان شاعرا من شعراء البطولة ولكن البطولة غلبت عليه رغم موهبته الشعرية.
يبرز شاب في معركة الجمل لمالك فيلقيه مالك أرضا ويهم بقتله فيذكره الشاب الصريع بالقرآن ويتلو عليه حاميم- والشباب يعلم أن مالكا لا يؤخذ بأمر كما يؤخذ بالقرأن- فيقول الأشتر مجيبا.
                      
                       يذكرني حاميم والسيف مصلـت
                                                 فهلا تلا حاميم قبل التقــــدم
                       
هتكت له بالرمح جيـب قميصــه
                                                  فخر صريعا لليدين وللفـــم
                      على غير شيء غير أن ليس تابعا
                                                 عليا ومن لا يتبع الحق ينــدم

    وقد اختصر الأشتر مذهبه السياسي في البيت الأخير وذلك: (أن من لا يتبع عليا مخالف للحق وحقت عليه الندامة ووجب قتاله) وهي أبيات- على بساطتها- تدل على قوة في الشكيمة وبلاغة في الأداء لا تأتيان إلا للشعراء.
ويدعو عبد الله بن الزبير إلى البراز فينزل إليه وهو شاب في عنفوان الشباب ويلتقي بمالك وقد بلغ الثمانين من العمر على قول بعض الروايات، وكان رغم سنه يصوم في الحرب، فيصرع عبد الله ويجثم على صدره فيصيح عبد الله مستغيثا.
                                        اقتلوني ومالكــــا
                                                 واقتلوا مالكــا معي
فيهيب مالك عن فريسته ثم يروي الحكاية مخاطبا عائشة:
                   
                      أعائش لولا أنني كنت طاويــا
                                     ثــلاثــا لألقيت ابن أختــك هـــا
                     غداة ينادي والرمــاح تنوشـــه
                                     كوقع الصباضي اقتلوني ومالكا
                      فنجــاه منـي شعبــه وشبابـــه
                                       وأنـي شيـخ لم أكـن متماسـكــا

   وابن آخت عائشة هو عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين)
وكان يصور نفسه في الحرب تصويرا صادقا فيقول:
                        لأوردن خيلـــي الفــراتـــا
                                           شعث النواصي أو يقال ماتا

كما يقول لأحد مبارزيه محذار مخوفا:
                         بليت بالأشتر ذاك المذحجي
                                           بفـارس في حلـــق مدجـــج
                         كالليث ليث الغابــة المهيــج
                                          إذا دعـاه القــرن لــم يعــرج

   وانظر إلى قوله يخاطب عمرو ابن العاص حين عم بمبارزته وهو ملآن حنقا عليه لأنه في رأيه- مورث النار ومحرك للخلاف، وأنه أيضا صاحب الحيلة في الحرب:
 

              يا ليت شعري كيف لي بعمرو           ذاك الذي أوجبت فيه نذري
              ذاك الـذي أطلبـــه بــوتـــري            ذاك الذي فيه شفاء صدري
              ذاك الذي أن ألقــه بعمــــري            تغـل بـه عنـد اللقـاء قـدري

وليس خافيا إني إنما أتيت بشعر هذا الفارس البطل لأدلل على أنه كان مطبوعا على قول الشعر وأن أيامه الرهيبة المخوفة لم تترك له الفرصة الكافية للتجويد في هذا الفن وإتقانه، الإتقان اللازم لكل فن، ولكن نفسه- بالفتح- في شعره يدل على أن وراءه طبعا شاعرا أصيلا وأن الشعر بالنسبة له صديق ورفيق يلجأ للتنفيس عن صدره كلما حزبه أمر أو نبأ به منزل.
 والشعراء الفرسان لا يستطيعون أن ينصرفوا إلى فنهم انصرافا تاما لانشغالهم بمزية أخرى غير مزية الشعر ولأن شهرتهم في الشجاعة والبطولة تغلب على شهرتهم الفنية فهم يظلون في المرتبة التالية بالنسبة للشعراء المتفرغين- إن صحت التسمية-.
هذا هو مالك الأشتر البطل المعروف والسيد المشهور، فهو فارس وسياسي وشاعر

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here