islamaumaroc

في عالم الكتب المنبعثة: "الرحلة العبدرية"

  دعوة الحق

123 العدد

  إن مما تعتز به معلمة المغرب، ويبعث على السرور، وينشرح له صدره المثقف في ميدان المعرفة- ما يقوم به المركز الجامعي للبحث العلمي، وينشره من أبحاث ثقافية وعلمية من فينة لأخرى- في شتى الموضوعات.
   وها هو اليوم يطلع علينا بتراث علمي خالد طالما كان حديث الأندية الثقافية وتشوفت إليه نفوس الباحثين بشوق وشغف.
   تلك رحلة ابن عبد الله محمد بن محمد العبدري الحاحي المحتوية أوصاف- البلدان وأحوال من بها من القطان- مضيفا إليها الرحالة ما استفاده من أخبار، وأنشده من درر وأثبته من أحاديث وآثار إلى سوى هذا من إنشادات وإفادات ذات في مفهومها على حرية الرجل، وصدعه بكل ما يدرك ويرى- شيء قل أن يجده الباحث في نوعها من كتب الرحلات المدونة.
نعم طلعت علينا الرحلة في حلة قشيبة، وطبع أنيق فاق ما ظهرت عليه قبل. وذلك ما يحفزنا لشكر المحقق والناشر- الأستاذ الباحث محمد الفاسي الذي علمناه مسبقا ولوعا بهذا النوع من الأدب والتاريخ- خاصة هذه الرحلة العبدرية التي اشتغل بها مدة طويلة جعلتها تبرز في ميزة تبعث الباحث عن القرآة في شوق ونهم.
   وهذا وهو بالذات ما وقع للكاتب عبد الله الجراري- كأحد المطالعين والباحثين- فعندما تناولها بالمطالعة- أخذت بلبه وعرف حقا شخصية العبدري أكثر مما عرفه عنه من خلال ترجمته وحياته بل واختصار الرحلة للمؤرخ المرحوم- عباس بن إبراهيم المراكشي في الجزء الثالث من أعلامه.
فكان يتابع فصولها متنقلا فكريا مع المؤلف في أمكنته شرقا وغربا- إلى أن استوقفه تعليق الناشر أثناء قصيدة من بحر لابن الفكون في رحلته من قسنطينة إلى مراكش- من أبياتها:
وحل رشا الرباط رشا رباطي
وتيمني بطرف بابلي
نص التعليق ص 34 من الرحلة:
  1- « الرباط يعني رباط مدينة تازة- وتدعي رباط تازة- وكثيرا ما تختلط على المتأخرين- برباط سلا- أي رباط الفتح التي أسست قرونا بعد تازة، والتي لم يكن لها كبير ذكر حتى اتخذها الفرنسيون عاصمة لهم بعد فرضهم الحماية على المغرب».
فمن غير أن تسلط الأضواء الكاشفة على العبارة فهي واضحة المداول منطوقا ومفهوما تهدف في جلاء إلى رباط الفتح- لم يكن له كبير ذكر، ولا فيه ما يدعو إلى الاغتباط والاعتبار لا أدباء ولا علماء ولا ساسة ولا أمناء ولا رؤساء، ولا أبطال لهم أدوارهم المنتصرة برا وبحرا سواء فيه- الاتلانتيكي والأبيض المتوسط. بل ولا أرض خصبة وتربة طيبة.
إنها وأيم الحق- كلمة تستوقف المطالع لاسيما من الأستاذ الباحث السيد محمد الفاسي- الذي علمناه باحثا مؤرخا كاتبا ناشرا- إنها منه ذات وزن في النفوس بالأخص البعيدة عن الميدان فهي طبعا تقع منها موقع اليقين.
    وليس هذا التعليق الوحيد الذي لفت نظر الكاتب- فبهوامش الرحلة تعاليق تحتاج إلى الوضع على محك البحث والمناقشة في فرصة تسنح بعد. وهذا ما حفز القلم ليتحدث في اقتضاب عن- رباط الفتح- خدمة للتاريخ وصونا للحقيقة.
    قد سبق العمران في الضفة اليمنى السلوية وكانت الضفة اليسرى فضاء واسعا ليس فيه إلا القصبة التي كانت أوفق محل لتدبير الحركة السياسية والعسكرية إلى الأندلس لقربها أولا من بوغاز جبل طارق، والثغور البحرية التي يعبر منها الغزاة إلى الجزيرة، وكان عددهم يبلغ أزيد من 100.000، ولقتال البلغواطيين ثانيا، ولتوسطها ثالثا بين مخلاتي الغرب والحوز لهذه الغاية- اختط عبد المومن: « المهدية»- وهي القصبة التي كان ينزلها إذا أراد أبرام أمر وتجهيز جيش.
وكانت همة الموحدين تطمح إلى إعادة عظمة بني أمية – من علوم وفنون وصنائع- خاصة منهم المنصور فقد اشتهر بحب العلم وجمع الكتب، بل كان يتنافس مع ابن رشد الفيلسوف الشهير، وظهر لعهده جمهرة من العلماء والشعراء والفلاسفة- فكان يختار لتلك الآثار وتشييدها مدينتي العدونين، ومراكش بهذه العدوة، وإشبيلية بتلك العدوة.
   فشيد جامع حسان بربوة تشرف على مصب النهر المزين بمناره الأعظم المضروب به المثل في الشموخ ورائع الصنعة والهندسة، وقد نقش حول إحدى نوافذ من جهة البحر- صورة سيفين عظيمين مصلتين رؤوسهما إلى السماء- وفي تخصيص تلك الجهة بهاتين الصورتين- أرهاب للعدو المعاجم من الحبر، ورمز إلى التهيؤ له والاستعداد.
  مدينة رباط الفتح- العاصمة اليوم- ابتدأ تأسيسها يوسف بن عبد المومن الموحدي وشيدها ابنه يعقوب المنصور- وأعطيت لقب- رباط الفتح- تذكارا للفتح الأندلسي الذي كان بناؤه من غنائمه، ولأنه بني لغرض الجهاد والفتح وبه فتح على الموحدين- لهذا فهو رباط الفتوحات والفاتحين، ومعترك الجهاد والمجاهدين، ومعبر العساكر والجنود ومركز تجهيز الجيوش ونشر البنود.
   قال ابن الأثير: بنى يعقوب المنصور مدينة محادية لسلا من أحسن البلاد وأنزهها ويقول ليون الإفريقي في تاريخه: إن المنصور لما اختط رباط الفتح سنة 593هـ 1196م جمل عليها من أمناء المصامدة من ينظر في أمر نفقاتها، وما يصلحها من الفرق الاحتياطية، والقوات العسكرية، ولم يزل العمل فيها مدة 15 سنة وكان يقطن بها نحو الستة أشهر في السنة، وقد وضع تخطيطها على تصميم الإسكندرية المدينة المصرية الجميلة الواقعة على شاطئ المتوسط، ومن رأى هذا الشاطئ يؤمن بالتشابه والتقارب الواقع بين الشاطئين طولا وجمالا. واتساعا. وحسن تقسيم.
وللشاعر الفحل قائلا:
                             رباط الفتح مأوى الفاتيحينا
                                               بكـعبته يطوف الناس حينا
                             هو البلـد الأميـن ومن بنـاه
                                             عظيـم مـن ملـوك المسلمينـا
                              إلى المنصور نسبته وأعظم
                                              بـه نسبــا يزكـي الناسبينــا

  وتتصل بهذه المدينة- بقايا آثار مدينة شالة العتيقة حيث هناك أضرحة أشهر ملوك بني مرين وبعض آثارهم- كالمدرسة والمسجد.
   ويقال أن البناء الأول كان يتصل بأبنية شالة إذ كانت الدور والأسواق والمرافق وما إليها في طول مارة على ما يعرف اليوم بشارع القناصل، ووقاصه أو قصيبة النحاس، خارقة المرتفع المتصل بالمنزه، والمشرف على شالة الأثرية.
   وإذ ندم المؤسس المنصور على تأسيس المدينة- كندمه على إطلاق سراح الأسرى، وإدخال العرب من إفريقية إلى المغرب- حيث شاهدها فارغة حين التأسيس. فها قد تحققت نيته الأولى-     وأصبحت جوانبها تكتظ بالسكان، وتزدحم عشرات الأحياء الجديدة يحمل الواردين عليها من أطراف المغرب وغيره
     فبعد وفاته انتقل إليها غالب أهل شالة (الأثرية) وعمروا بعضها، ولمخ تتسع عمارتها بالمعنى الكامل إلا عند استيطان أهل الأندلس بها لدى خروجهم من الجزيرة مشردين بنفس العدو- سنة 1017-1602م
فتفرقوا في بلاد المغرب الأدنى والأوسط. والأقصى وخرج منهم بسلا طوائف عبروا الرباط  فحصنوه وبنوا به القصور والدور والحمامات وذلك أيام «فيليبس الثالث» وعددهم 6.000 نزلوا بقياطينهم بحسان وبنوا سورا من سيدي مخلوف المطل على أبي رقراق إلى باب الحد، ثم بنوا دورهم بنواحي العلو من « ليرة» إلى البحيرة قربا من البحر واستنشاقا لهوانه ثم جدد المولى سليمان العلوي باب السور المذكور لما بلغه- أن نابليون جاء إلى إسبانيا- فاصدر قدس الله روحه مكاتبه إلى ولاة المغرب وعماله يحثهم على تجديد أبواب البلاد ودروبها- كما جاء بتاريخ ابن عبد السلام الضعيف- وهؤلاء جماعة من أهل الدار البيضاء تقدر بـ 600 أسرة أخرجهم البرتغال من ديارهم سنة 915هـ 1510م فنزلوا بالبحيرة من الرباط إذ أنقذهم الله من شر العدو البرتغالي الذي هدم البيضاء. وما بقي حجرا على حجر.
    ومن نوازل العلامة- عبد العزيز الزياتي الكبرى في ترجمته « نوازل الجهاد» من سؤال وجهه أندلسيوا سلا الجديدة- يعني رباط الفتح- للعلامة أبي مهدي السكتاني في شأن نفارهم من طاعة محمد العياشي- منه في وصف الرباط حين خروجهم من الأندلس إليه« وكان هذا الثغر قبل دخول هذه الجماعة له وسكناها فيه- مهملا- فبالغوا في تشييده وتحصينه وبناء مساجده وأسواقه حتى صار حاضرة من الحواضر، وأصبح الناس يؤمونه من كل ناحية، وهم قائمون بحدود الشريعة تحت طاعة ملك البلاد.
   نعم بلغ هذا الثغر الطيب- رباط الفتح- أوجه العز والسؤدد عندما جلس على كرسيه ملوك دولتنا العلوية الشريفة- فأتموا المرافق وأكملوا ما كانت المدينة الرباطية في أمس الحاجة إليه دينا واقتصادا واجتماعا- فهذا أبو النصر المولى إسماعيل جر إليها الماء من عين « عتيق» وقد تحدث عن ذلك الفقيه القاضي الحاج محمد مرين في قطعة شعرية- توجد بخزانة الجراري، كما أدخل الماء إليه السلطان المقدس المولى محمد بن عبد الله العلوي- لذا وجدت في المجرى أنبوبتان إحداهما فوق الأخرى عند حفر الممر خارج باب العلو حسبما هو مثبت أسفل القطعة المشار إليها.
والمولى محمد بن  عبد الله هو الذي اتخذ أبواب القصبة هذه- بيت ماله وخزينة أموال دولته، التي كانت تبلغ أحيانا 30 مليون ريال. وهو الذي أسس عدة مساجد بهذه العاصمة- كمسجد السنة العظيم الذي نراه اليوم يوسع ويحسن، وأصبحت منارته تصافح الأجواء بل رابعة المنارات: (1) الكتبية بمراكش، (2) خرالدة بإشبيلية، (3) حسان بنفس العاصمة ومسجد أهل فاس، ومسجد القصر، ومسجد « مولينا» الواقع أمام « مسرح روايال» حيث لم تبق منه عدا صومعته بالحديقة العمومية- كما أن الكنيسة الكائنة قرب قصر العمالة- على أنقاض أحد المساجد أسست ويقال إنه- مسجد ابن صالح.
    وهذا المولى سليمان الملك العالم رحمة الله عليه عمد إلى اليهود الذين كانوا يسكنون داخل المدينة- بالسوق التحتي- شارع القناصل- ونقلهم  إلى حيث هم اليوم- بالملاح- كما فعل ذلك بيهود سلا- وكانت زاوية مولاي العربي الدرقاوي الواقعة بالحي الذي كانوا يسكنوه- بالحرارين-: كنيسة لهم- مسجدا- ومازال بسقفها- فوهة كان اليهود ينظرون منها « أضناي» الله في زعمهم وكان هذا سنة 1222-1840 م كما أنه جدد عدة مساجد كمسجد المولى سليمان الذي كان اسمه قبل- مسج السوق- بعد التجديد أعطى اسم المجدد « المولى سليمان» قدس الله روحه.
    أما الدار الواقعة بالمدرسة المسماة- مدرسة الاوداية- وكانت حقا بحرية ملاحية أيام الموحدين يتكون منها البحارة المغاربة.
فمن تأسيس المولى إسماعيل لولده المولى أحمد الذهبي- والطري الذي إزاءها ليس بمرقب ولا مرصد، وإنما هو مرتفع يشرف منه الملك على الجهات بدل أن يشاهد من خارج- والسور المحاط بالدار هو من بناء الأسارى الذين كان منهم مويط الفرنسي صاحب التاريخ في سيرتي المولى الرشيد والمولى إسماعيل، ومويط هذا بقي أسيرا بسجن القصبة عشرة أعوام حتى أعانه على افتكاك نفسه أحد رهبان فرنسا على مال.
    أبعد هذا العرض الخفيف عن الرباط وما كان يتوفر من مزايا تاريخية وسياسية- بارزة للعيان- وليس بعده بيان- يوصف بما ذكر: (ليس
له كبير ذكر) فجعل الرباط مدينة الفتح والفاتحين، وتربة الجهاد والمجاهدين- عاصمة للمملكة المغربية الموقرة وإدارة شؤونها الداخلية والخارجية. لم يكن اعتباطا وبمعزل عن المخزن الشريف  ويغير تدبيره وموافقته- رغم سيطرة المستعمر واستشهاده ؟ كلا، فقد أخذت آراء خبراء من رجالات المغرب وسياسته فكانت النتيجة الحتمية أن أدلوا بحجج فتحت المجال لصلاحية هذا البلد الأمين بمعناه الصادق وبمصادقة المخزن ورضاه. على اتخاذه قاعدة للدولة المغربية- لا لفرنسا كما زعم.
    نعم سبقت في عدة جهات من المغرب شمالا وجنوبا عواصم لدول إسلامية حسبما كانت ترتئيه ويتلاءم مع ظروفها السياسية والاقتصادية كفاس- عاصمة الشمال وقاعدة ملك المغرب ومراكش عاصمة الجنوب وقاعدة ملك الدولتين – المرابطية والموحدية ومكناس عاصمة الدولة الإسماعيلية وقاعدة الفتح الإسلامي. فلا عجب إذا أن صبح رباط الفتح اليوم رباط الجهاد الإسلامي والفتح الأندلسي عاصمة للمملكة العلوية الشريفة- مدفن أبطال ملوكها- كالمولى محمد بن عبد الله. والمولى الحسن الأول، وبطل التحرير المقدس- محمد الخامس طيب الله ثراه رباط الفتح ذو الصروح والقصور الملكية الشامخة كقصر لكبيبات الواقع على شاطئ المحيط (المستشفى العسكري اليوم)، وقصر أكدال المحمدي. وقصر السلام، والقصبة المرابطية الواقعة على ملتقى الوادي والمحيط التي تفنن ذو الوزارتين في وصفها أثناء كتابه « معاهد الاختيار» مطبوع والدار الإسماعيلية جوارها- ذات الطر الجميل (المرقب)
    وشالة الاثرية- مدفن الملوك المرينيين- والزاهية بزاويتها ومسجدها، وأضرحة بعض الموحدين بل وجمهرة من العرب الأول الذين دخلوا المغرب في ركاب دولة الرومان.
علاوة على شاطئها الأطلانتيكي الجميل. وواديها الرقراق البهيج- وادي الحجارة أو وادي الرمان ورابطتها الواقعة إزاء المصلى القديمة بين برج الصراط والبرج الحسني الكبير.
ولو لم يكن من مزايا هذا البلد العزيز إلا أنه مسقط رأس ملكنا الحسن الثاني العظيم ومسقط رأس ولي عهده المحبوب سيدي محمد قائد أطفال الشعب ورمز تقدمه لكان كافيا أن يحترم ويكرم بدل الحط من مكانته وأمانته.
   وأخيرا أظن- أن من العبث أن تكون مدينة- كرباط الفتح- لا كبير ذكر لها- وتتناولها بالبحث والدرس أقلام علية من الكتاب والمؤرخين- كأبي عبد الله محمد بن عبد السلام الضعيف الرباطي ومحمد بن الغازي الكبير الرباطي، في كناشته. ومحمد بن علي دنية الرباطي في مجالسه، ومحمد بن مصطفى بو جندار الرباطي في اغتباطه، ومحمد بن عبد السلام السائح في مهصور غصنه. ومحمد بن علي الدكالي السلاوي في إتحافيه وأدواحه. وعبد الله الجراري في كتابيه- العام- والخاص عن أعلام الرباط، كتب لا تزال مخطوطة لم تعرف سواد الطباعة بعد علاوة عما كتبه الأجانب عنه (كجاك كاي الفرنسي) في كتابيه المطول والمختصر. وما كتبته لجنة علمية من الرباط وناحيته بما جاء في أربعة مجلدات يوجد بالخزانة العامة والكتابان مطبوعان- سوى هذا من المؤلفات والتحريرات.
    وسيظهر قريبا تاريخ لرباط الفتح- يعرب في جلاء عن جانب من جوانبه- التاريخية- والثقافية- والسياسية والاقتصادية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here