islamaumaroc

المدنية الحق ودرجة الأمانة في الإسلام

  دعوة الحق

123 العدد

   إن كلمة المدنية ترددها الألسنة كثيرا في هذا العصر الذي يصفه بعضهم بعصر المدنية فما هي المدنية في نظر الإسلام؟
  كلمة المدنية يراد بها الترقي في الأدب والأخلاق الإنسانية ترقيا تسعد به البشرية وينتشر به الخير والتعاون بين الأفراد والجماعات والأمم.
  وإذا أمعن الإنسان النظر بإنصاف وحسن تفكير بعد دراسة المجتمعات وجد أنه لا مدنية إلا المدنية الإسلامية ذلك أن دين الإسلام هو دين يريد من الإنسان أن يكون عضوا صالحا في المجتمع الإنساني ومدنيا راقيا يعمل لصالح الإنسانية.
  يطلب الدين من الإنسان أن يدخل فيه من بابه الذي هو الاعتراف بالوحدانية المستلزم لمراقبة الله في السر والعلانية. وأن يسير في طريقه الذي رسمه لمن اعتنقه، وأن يرتقي فيه من درجة إلى درجة، إلى أن يصير أمينا. وهذه أعلى مرتبة يستطيع الإنسان الوصول إليها.
  يريد الإسلام من المسلم أن يكون قويا حسا ومعنى وأن يكون طاهرا ظاهرا وباطنا ولذلك نجده يسعى دائما في تزكية النفس وتطهيرها ويدعو إلى الاستعداد للدفع والنفع.
  فالمؤمن القوي يحبه الله محبة زائدة قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير). ومن القوة أن يقوم المؤمن أو يحاول أن يقوم بكل ما يوجهه إليه ويأمره به الشرع الحنيف سواء كان لينا أو شديدا. ولا يرتقي إلى درجة الأمانة إلا أولو العزم من المومنين.
  ومن الضعف أن يأتي الإنسان باللين ويترك الشديد من الدين. روي عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: (جاء رجل من العالية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اخبرني بأشد شيء في هذا الدين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وأشده يا أخا المعالية الأمانة، ألا لا إيمان له من لا أمانة له ولا صلاة له ولا زكاة له).
  والطريق الذي رسمه الإسلام هو طريق المدنية الحق. ولا يعتبر المسلم مسلما ولا المؤمن مؤمنا إلا إذا التزم السير فيها ممتثلا الأوامر مجتنبا النواهي معتقدا أنه نهج السعادتين.
فالمؤمن الحق هو الذي يعرج في سلم الحضارة الإسلامية يسعد هو في نفسه ويسعد به المجتمع وقمة المدنية والحضارة هي أن يصير الإنسان أمينا.
  فالأمين يتحكم في النفس الأمارة ويخضعها للقوانين السماوية فيتنزه ويستكبر عن المخالفات والمعاصي بجميع أنواعها وإذا ما هفا هفوة لا يلبث أن يرجع ويسترجع فيزداد برجوعه واسترجاعه
ارتفاعا ورقيا وإيمانا لأنه يدرس خطاه ويعرف الطريق الذي انخدع به لهواه فأطاعه فلا ينخدع مرة ثانية لأن «المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين» كما قال عليه الصلاة والسلام.
   درجة الأمانة يلتزم صاحبها بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وهذا ما عرف به العلماء «التقوى» وإذا كان من المتقين صار من المحبوبين عند الله تعالى لقوله: (إن الله يحب المتقين) لأنه ينفعون ولا يضرون وهؤلاء هم المتمدنون ويفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: ( ألا لا إيمان لمن لا أمانة له) أن الأمين يوصف بالإيمان الحق المنفى عمن لا أمانة له. والأمناء على أنفسهم وعلى دينهم يراقبون ربهم في الحركات والسكنات وفي الفعل والترك «وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم».

   قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: «أولئك هم المؤمنون حقا» أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا أبو كريب حدثنا بن الحباب حدثنا أبو لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن ابي الجهم عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال: أصحبت مؤمنا حقا. قال : «انظر ما تقول. أن لكل نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟» فقال: عزفت انظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاعفون فيها. فقال: «يا حارث عرفت الزم» ثالثا. اهـ. وإذا قلت سابقا بأن الأمانة هي أعلى درجات الإيمان فلا أدل على ذلك من أن المسلم المؤمن الأمين يتجرد من كل حظ نفساني ليعامل أخاه معاملة يمليها عليه الدين الحنيف ولنضرب لذلك مثلا: المومن مأمور بالعدل قال تعالى: «أن الله يأمر بالعدل» وعند الخصام والشنآن مع القدرة على الانتقام فإن النفس توحي إلى الإنسان بالخروج عما رسمه الحق والشرع فيقف القرآن منبها للمسلم مذكرا له بالأمانة قائلا: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى».
 
   فبالأمانة يعم الأمن لأن بها يصير الإنسان آمنا ومأمونا ومن ثمرات المدنية والرقي والحضارة أن يسود الأمن والاطمئنان وعن الأمن والاطمئنان يبحث الإنسان فلا غش مع الأمانة، فتصفو المعاملة، ويطمئن المتعاملون. ولا خيانة مع الأمانة، فيطمئن الناس على أموالهم. والمؤمن الأمين لا يقع في أعراض الناس فيطمئنون من جانبه على أعراضهم وهكذا.
  
   فالأمين متمدن ومتحضر لأنه تغلب ببلوغه هذه الدرجة على النفس والشيطان والهوى وهذه الثلاث هي التي تجعل الإنسان عبدا للدينار فيصير عدوا للإنسانية لأنه يستعمل جميع الأساليب ويسلك جميع الطرق للوصول إلى معبوده وكلما قرب منه شخص فكر فيما يمكن له أخذه منه، وهنا يرتفع الأمن لارتفاع الأمانة، وبمجرد ما يشعر ذلك الشخص المسكين بأنه مهدد من طرف هذا الانتهازي الذي لا ضمير له ولا أمانة كلما شعر بذلك يصبح (واغوثاه !) ويدرك أن لا مدنية ولا حضارة مع وجود هذا النوع من البشر.

   إن هدف الدين الإسلامي هو أن يصل بالإنسان إلى درجة يتشبه فيها بالملائكة ويبتعد كل الابتعاد عن الحيوانية «فأبو حيان» لما يتكلم عن الإنسان يقول عنه: الإحسان منه زلة، والجميل منه قلته، والعدل منه غريب، والعفة فيه عرض ضعيف)، ويصح لنا أن نقول: أن ما قاله أبو حيان هو صواب من جهة لأن هذا هو الأصل ولا يخرج عنه إلا من هذب نفسه وجعل منها نفسا قوية قادرة على اقتحام العقبات الخيرية وارتقى بها إلى المنزلة العليا التي يريدها لها الإسلام قال تعالى: «والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر».
وقال تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فلهم أجر غير ممنون».

   الإيمان الصحيح يجعل من الإنسان إنسانا متمدنا لا يفكر إلا في الخير ولا يعمل إلا الخير ولا يسعى إلا في الخير فيصير بذلك مفتاحا من مفاتيح الخير قال النبي عليه الصلاة والسلام إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وان من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعله الله مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لمن جعله الله مغلاقا للخير مفتاحا للشر.

   فالمدنية الصحيحة والحضارة الحقيقية هي التي يلمس خيرها ويسعد به الفرد والجماعة ويكون باطنها كظاهرها وهذا لا يوجد إلا في الحضارة الروحية السماوية الربانية فدين يوصي المستمسك به بالوفاء بالعهد مع خصمه وبالحكم بالعدل على عدوه هو الدين الذي يحق له ان يسمى بدين الإنسانية هو الدين الذي يجدر به أن يوصف بدين المدنية، كيف لا وهو دين الرحمن ونبيه نبي الرحمة.

   إن الحضارة المموهة والتي هي في حقيقتها حضارة مادية ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب لا تعتبر حضارة في الأرض ولا في السماء وإنما هي وحشية وقساوة ألبست ثياب الزينة حتى يغتر بها الناس ويا ما أكثر المغترين الذين ينخدعون بهذه الحضارة المزيفة التي تفسد عقولهم وتأكل أجسامهم وتنزل بهم إلى أسفل سافلين فيبعدون عن العمل الصالح ويزين لهم الشيطان أعمالهم فيصدهم عن السبيل سبيل الاستقامة الذي فيه السعادة الأبدية. أن الأمانة كانت فرشا وأساسا للدين.

   فقد تمكنت هذه الصفة من النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة حتى عرف عند قومه بالأمين فكان ذلك تمهيدا للرسالة المحمدية وسببا في تصديق الرسول في كل ما جاء به.
يؤكد هذا ان أبا سفيان بن حرب لما سافر إلى الشام سأله ملكها هرقل عن أوصاف هذا الرجل الذي يدعي النبوة ليتحقق من أمانته وكان الصدق من جملة ما سأل عنه فقال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟.. فأجابه أبو سفيان: أن لا. فقال الملك: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله.

  فالأمين لا يكون إلا صدوقا، والأمة الراقية المتمدنة في نظر الإسلام هي الأمة التي صار أهلها أو غالب أهلها أمناء ذوي ضمائر تراقبهم وترعاهم فأراحوا واستراحوا وعم الأمن والاستقرار أوطانهم.

   وهذا النبي الأمين يذكر في بعض الأحاديث أن المؤمن لا يسمى مؤمنا ولا يكون مؤمنا في الملأ الأعلى إلا إذا كان أمينا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه).
فأمن الجار من بوائق جاره دليل على أن الإيمان قد تمكن منه تمكنا تاما وأنه صار ذا ضمير ديني يأتمر بأوامر الله، وينتهي بنواهيه، وكانت النتيجة أنه اطمأن وطمأن جاره. وهذه هي النتيجة التي يهدف إليها الإسلام من دعايته.

   وهذا الحديث كالذي قبله (ألا لا إيمان لمن لا أمانة له) يجعلان الأمانة شرطا في صحة الإيمان ويؤكد النبي الصادق المصدق نفي الإيمان عن غير الأمين بالقسم (والله لا يؤمن) فكأن الرسول عليه السلام يقول لا يصح أن يوصف بكلمة (مومن ) على الحقيقة إلا من كان أمينا. أو كأنه يقول من لم يصل إلى هذه الدرجة لا يكون كامل الإيمان والمعنى أنه لا يستوي من وصل إلى درجة الأمانة فيطمئن قلب جاره لأمنه بوائقه، ومن لم يصل إلى هذه الدرجة.

   وهذا كقوله تعالى في حق الذين أنفقوا أموالهم قبل الفتح والذين أنفقوا بعده:
(لا يستوي منكم من انفق من  قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى).
والنبي عليه السلام يحرض المومنين بهذا الحديث وبأمثاله على الاجتهاد في تزكية النفس والترقي بها إلى الدرجات العلى لتسعد وتسعد بها البشرية ويعتز بها الإسلام لأنه لا إسلام مع الخوف.
فثمرة الإيمان الصحيح الأمانة وثمرة الأمانة الأمن، وثمرة الأمن الاطمئنان والاستقرار، وتلك هي السعادة التي تنشدها الأمم، تلك هي المدينة الحق.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here