islamaumaroc

الدين منبع العلم

  دعوة الحق

123 العدد

  جاء في أخبار السيرة النبوية أن النضر وعقبة أقبلا على رؤوس قريش في حي من أحياء مكة صائحين:
 
  يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد.. فقد أخبرنا أخبار اليهود أن نسأله عن شيء أمرونا به... فإن أخبركم عنه فهو نبي.. وأن لم يفعل، فالرجل متقول، فانظروا فيه رأيكم... !
فلما جاء محمد عليه السلام تقدم إليه النضر سائلا: يا محمد، أخبرنا عن الروح ما هي؟ ففكر النبي لحظة ثم قال:« أخبركم بما سألتم عنه غدا» وتركهم وانصرف مطرقا وسار في سبيله مفكرا.
وجاء الغد... وتعاقبت الأيام... والنبي ساجد عند غار حراء يتأمل ويفكر، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا... واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها ولم يخبرنا بشيء !
واشتد البلاء على النبي.. فصاح مستغيثا بربه: أي رب... إليك أشكو بلائي، أي رب... أبعث لي وحيك ! لقد سألوني عن الروحي ولا أعلم بما أجيب.. أي رب أنسيتني؟ اللهم اني لفي بلاء..
وعند ذلك هبط عليه جبريل عليه السلام بالآية الكريمة:« وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وما كان ربك نسيا» « ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا». «... ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا..»
 
  إننا نجد دائما في هذا الحادث سمة من سمات العظمة في النبي.. فهو قد فكر في المسألة تفكيرا صادقا خلال تلك الأيام الطويلة... وقلبها على وجوهها، ولم يهتد فيها بنفسه إلى جواب.. فهو لم يكن بالذي يبيح لنفسه الكذب على الناس، فيخترع لهم جوابا بارعا يسيرا ينطلي على عقولهم الساذجة.. وحاول في الغار حل المسألة، فلما هاله إعجازها استنجد بربه.. فسمع منه ذلك القول الحكيم.  على أن موضع الدهشة عند العلماء والمفكرين هو أن محمدا في عصره وبيئته قد رأى ببصيرته المسألة في إعجازها بنفس العين التي يراها بها علماء العصر الحديث..

  إن الباحثين لم يندهشوا « لجوته» يوم قال عن الروح قولا مماثلا في قصته « فوست»، « فجوته» قد مارس علوم النبات والتاريخ الطبيعي... ودرس من قوانينها ما وضعه أمام هذا الإعجاز وجها لوجه.
 
  إن مسألة ما، لا يمكن أن تبدو أمرا معجزا للطاقة البشرية حقا إلا أمام رجل علم، غاص بكل ما أعطى للإنسان من ملكات مفكرة في أعماق الأبحاث

  النظرية والعملية معا.. وحتى رجل العلم المعلق في أبحاثه، المخدوع بالنتائج الأولى البراقة لاكتشافاته، فلما يبصر بعد المرمى، أو يفطن إلى استحالة المطلب حتى يخطو في تأملاته العليا خطوات.. فلقد حبس نفر من العلماء أنفسهم في معاملهم منذ أكثر من خمسين سنة، واضعين نصب أعينهم هذه المسألة: هل في مقدرو العلم يوما أن يخلق صناعيا مادة لها كل خصائص المادة الحية.. أي القدرة على النمو والتمثل..؟
 
  ولقد جرأهم على هذا المطمع اعتقادهم: إن الحياة في جوهرها ليست سوى تفاعل القوى الكيمائية الطبيعية... فهي إذن قابلة أن تصنع في المعامل صنعا.. !! ولو أنهم ما اجترؤوا بعد على أن يتصوروا إمكان الوصول دفعة واحدة إلى صنع « خلية» فالخلية في نظرهم جهاز قد بلغ في تخصصه ودقته أسمى المراتب، وما هي إلا نتيجة تطور استلزم الملايين من الأعوام. ومع ذلك فقد انكب العلماء يبحثون فما استطاع أحد منهم سوى « رفاييل ديبوا».. و«بتلربيرك» و« هيريرا المكسيكي».. و«ستيفان ليدوك» أن يأتوا إلا بكائنات منحطة.. فيها شبه حياة استنبطوها من الأملاح ونظائرها..

  وعلى الرغم من ذلك يقول لنا البيولوجي «جان روستان» هذا القول الممزوج بالتفاؤل: « إذا توصل العلم يوما؟ إلى خلق الحياة فإن هذا سيتم حتما بوسائل أخرى، وبالرجوع إلى طريقة الكيمياء العضوية التي لا تقهر... وأن النجاح الذي بلغته حتى الآن في هذا المجال ما عاد محل جدال، فهي اليوم قادرة على أن تخلق « صناعيا» عددا كبيرا من هواء النشاط الحيوي مثل القلوات وحتى الهرمونات.. الخ.

  أما علماء الطبيعة- الفيزيقا- فمنهم من يتجه وجهة أخرى ويضع المسألة على أساس آخر مثل « شرودنجر» الذي يبحث في أصول الحياة، وهل هي تقوم على أسس القوانين الفيزيقية؟ دون أن يتفاءل أو يتشاءم.
 
  أما الباحثون الذين يتابعون العلماء في أبحاتهم، ويلقون العنث الشديد في مطالعة آثارهم، ويتحاملون متجلدين على تفهم كتبهم... فإنهم يتساءلون متشائمين:
« لنسلم جدلا أن هؤلاء العلماء قد نجحوا في خلق خلية حية.. فما قيمة هذه الحياة الظاهرية إذا لم تكن منطوية على تلك الخصال الكاملة العاقلة التي تعين بعد نموها شخصية النوع حيوانا كان أو إنسانا ؟

  تلك هي الروح.. إنها ليست مجرد حياة بيولوجية عمياء صماء تنمو داخل معمل ! ءالي.. إنما المقصود بالروح ذلك الشيء الزائد الخفي على مجرد الحياة البيولوجية، فهل في مقدور العلم أن يخلق لنا يوما خلية نملة مثلا، فيها روح النملة بما فطرت عليه من سليقة الادخار والكد والنظام؟ ! لا يظن أحد أن العلم يستطيع أن يخلق ذلك ولا أقل من ذلك !
 
  ويبدو للعلماء والباحثين أن العلم قد عرف أخيرا حدوده وفطن إلى قصوره وءامن بوجود شيء خلق تحليلاته ومركباته شيء خفي لا يسميه الروح ولكنه في حقيقة الأمر ذلك الروح الذي أشار إليه الدين.
  
  ولتصغ إلى العلامة*أ .م جود* وهو يتحدث عن التحليل العلمي للإنسان قال: « لو أن علماء الطبيعة والكيمياء ووظائف الأعضاء والتحليل النفسي والاقتصاد والإحصاء.. الخ. اجتمعوا ليقرروا الحقيقة من الإنسان بعد الفحص، والتحليل العميق كل في دائرته المختصة به لما استطاعوا أن يخرجوا بحقيقة الإنسان.. لأن كل هذه التفاصيل المتفرقة عن الإنسان لو جمعت لما كونت الإنسان... فالإنسان ليس هو مجموعة الدقائق التي يتكون منها تركيبه المادي والحيوي والنفساني.. إنه أكثر من هذه المجموعة... إنه شخصية... هذه الشخصية شيء يفلت دائما من غربال العلم ووسائله.. هي شيء لا تحسه إلا إذا كنت لهذا الإنسان صديقا... والصداقة والحب من الأشياء التي لا يمكن أن يحسها العلم...

  ويمضي « جود» بعدئذ يحدثنا عن نتائج التحليل العلمي لنكتة فكاهية بلهجة لا تخلو من السخرية فيقول:
« إن السير» أرثر دلجتون» حاول أني يبحث في طبيعة « النكتة» وقد رأى أنها قابلة للتحليل شأنها في ذلك شأن أي مركب كيميائي.. فشرح جوفها وفك أجزاءها وقرر ما ينبغي أن تكون عليه النموذج الكامل لنكتة فكاهية... وكان المنطق يقضي بعدئذ أن نضحك للنكتة ولكنا لم نضحك لشيء فيها تبخر بعد التحليل، ولو حاولنا عندئذ أن تضم أجزاء نموذجية لنكتة مثالية حللها العلم وقررها لما ظفرنا مع ذلك بالضحك !»
والضحك الذي ينسبه « جود» إلى النكتة يسميه العلم « الروح ».

  ولقد بدأ العلم يعترف في صراحة بعجزه عن الوصول إلى روح الوجود بل أن من العلماء من اعترف صراحة أن « الذين هو خير طريق يوصل إلى هذه الغاية»
قال العالم«شروونجر»:
« إن بصيرتنا الدينية لها من القوة والمتانة والضمان ما لبصيرتنا العلمية»
ويقول « انشتين»
«إن بصيرتنا الدينية لها من القوة والمتانة والضمان  ما لبصيرتنا العلمية».
ويقول-أنشتين-:
(بصيرتنا الدينية هي المنبع وهي الموجه لبصيرتنا العلمية).
هذا الاعتراف هو ولاشك كسب للدين.. فما كان أحد فيما مضى أي منذ قرن من الزمن يتصور العلماء يقولون عن الدين مثل هذا القول !
ذلك كان حقا مسلك الفلاسفة والعلماء في الإسلام.. ولكن العلم لم يقف في وجه الدين تلك الوقفة المسرفة في التحدي والغرور إلا في القرن التاسع عشر.. ولمتابعة سير العلم وصل العلماء إلى حقيقة تقول بوجوب تثبيث أقدامهم الله في الدين.
فما من شيء يرينا دائما قدرة الله إلا عجزنا البشري !

  الحقيقة أنه لا ينكر أحد فضل العلم فيما وصل إليه الإنسان من ثقافة واتساع مدارك وتفهم لغوامض الحياة وكنهها وتنظيم لعيشه وأموره... وما أصابه من تقدم في شتى مناحي الحياة من صناعة وتجارة واجتماع وما إلى ذلك... وما كان من اختراعات رهيبة عظيمة الفائدة في خدمة الإنسان...

  ولكن مع هذا كله.. فإن الواقع يثبت ويؤكد أن العلم مهما بلغ شأنه وعلا قدره فإنه يستوي في نظر كثير من العلماء مع الجهالة ولا يعتد به  ما لم يقم على أساس ثابت من الدين الذي هو نبراس حي يضيء الطريق لإنتاج أخطر الوسائل وأقومها لبلوغ الغايات وإدراك المآرب ومواجهة الحياة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here