islamaumaroc

لا تنطق الأواني إلا بما سكن [حول المعربات عن الفارسية -4-]

  دعوة الحق

123 العدد


     قرأت العدد الأخير من مجلة « دعوة الحق» فكان مما قرأت تعليق مدهش للسيد عبد اللطيف السعداني بل بحث لي صدر منذ شهور وشهور عديدة، وقد تمثلت صاحبه فيه، يلهث بانتشاء الانتصار، ويتبدى بما يتبدى به، أولئك الأبطال الذين حسبوا أنهم يسحبون الفيلة من ذيولها، صائحا صاخبا: « وهذه أيضا»»...

    وأتبع الصيحة بكلام طويل عريض ذاكرا فيه، أنه قرأ الجزء الأول من مقالي « المعربات عن الفارسية» في دعوة الحق بعددها الصادر- شهر نونبر سنة 1967- ثم قرأ الجزء الثاني والأخير منه في العدد الصادر لها بشهر أبريل سنة 1969.

     فهذا الذي قاله حق كله، ولكني لم أكن فيه مسؤولا عن هذه الفجوة الزمنية، بل كانت المجلة نفسها هي التي شطرت المقال وقد اسلم إليها كاملا، ثم طال الوقت على هذا الشطر، مما جعل المجلة تفكر فيما تمهد به نشر هذا الجزء المذكور، بلا تمهيد ولا تقديم، وكان الله سميعا عليما...
فملاحظة السيد الفاضل لها زاويتها، ولكنه ما باله نفيه، لم يعلق على هذا المقال وقد انتهى إليه كاملا، إلا بعد أربعة أشهر كاملة؟

    هذا سؤال أيضا، كما نظن، وجيه، والجواب عنه عسير ولكننا رجعنا إلى ذاكرتنا فإنها تسعفنا، بأن هذا الصنيع معروف من السيد السعداني، فلقد كنت كتبت في مجلتنا مقالا بعنوان :« المغرب وفارس عبر التاريخ»، وبعدة مضي هذه الشهور، بل أضعافها بعدد أيام الحسوم، كان حضرته يعلق عليه، بما يشبه الغراء، ولكنه كان غراء مؤدبا حمدناه له وشكرناه بخلاف تعليقه هذا.

   ونعود إلى ما ورد في تلك المقدمة العريضة الطويلة، فنجده يذكر من كتب اللغة ما هو لسيبويه وابن جني مشيرا للمعربات ونحن لا نعرف للرجلين كتبا متداولة في اللغة، اللهم إلا أن يكون صاحبنا الفاضل سمع بالرجلين في « كليتنا»، فإن كان كذلك، وعنى « الكتاب» و « الخصائص»، فالكتابان معا في النحو والصرف، على الأساس، وإن كان فيهما بحوث أخرى بلاغية وفقهية لغوية، ولم يرد في الأخير منهما إشارة إلى ما عناه السيد، ولا يصح أن يعتد بباب ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، لأن هذا شيء وما عناه صاحبنا شيء آخر.

   ثم نحمد الظروف التي جعلت صاحبنا هذا، يذكر لنا أن القاموس المحيط ما هو إلا للفيروز ابادي، وأن تاج العروس ما هو إلا لصاحبه الزبيدي، « مثلا» كما أن لسان العرب ما هو إلا لابن منظور، والجمهرة هي كذلك لابن دريد، أما السيوطي فله المزهر والثعالبي فله فقه اللغة....
فهذه معلومات صحيحة، صحة « السماء فوقنا والأرض تحتنا»، ولكن صاحبنا فيها شأنه شأنه في
سيبويه وابن جني، وكذلك شأنه فيما ذكر من ثبت للمعاجم وأصحابها. ولو كان قد قرأ فصل المغرب، من المعجم العربي لطال نفسه في هذا.

    يقول في عملي أنه « يسمى العرف والعادة بالسرقة» وهنا يبدو أن السيد الفاضل، لا يحسن القول في السرقة، بالرغم من كونه يحسن غير هذا القول، السرقة يا سيدي لا تكون في « السلام عليكم وعليكم السلام»، ولا تكون في القضايا العلمية، كنقل قاعدة نحوية أو صرفية، وإلا لكان من أتلا بعد الخليل من علمائها سارقا، وهكذا نقول في نقل المدلولات اللغوية من معجم لآخر. وإلا كان الزبيدي مثلا في تاجه سارقا لابن منظور في لسانه، إذ من المعلوم أن ما في التاج، لا يزيد بعشر معشار المعشار، عما في اللسان، ومع هذا ما وجدنا أحد بلغت به السذاجة مبلغا جعله يقول في التاج ما قلته في « المعربات» التي لنا...

   وحتى الجواليقي نفسه الذي شككت في كتابه منسوبا إليه- كما زعمت- فإنه « قد أباح لنفسه الإكثار من الرجوع إلى القدماء مع الاعتراف بذلك حينا وعدمه أحيانا» كثيرة جدا. ومع هذا لم يقل أحد فيه بما قلت فينا، ولا كان عمله مشككا للناس في أمره وأمر أولئك القدماء...
هذا كله يجعلنا نقف متسائلين للسيد عبد اللطيف: فما عذر ناقدنا البصير، في إقدامه على هذا التجريح؟ لا عذر له إلا أن يكون عدم إطلاعه على التاج واللسان وعدم اطلاعه على ما قيل في الجواليقي من البيان، وهو عذر مقبول في جوهره، وهو الذي جعلنا نقول إنه ما اطلع على تلك المعاجم التي صدرها باللسان والتاج، وإن كان قد أطلع على القاموس كما يبدو، إطلاعا متسكعا متمحكا، وكان هذا مما قضى به دعواه في تلك السرقة المكشوفة...

   السرقة يا سيدي لا تكون إلا فيما دق وخفي من تعابير فنية أو نظريات، بل وآراء حديثة العهد بصاحبها، وأن جاريناك وسلمنا لك بما تريد وهو أن تكون السرقة في القضايا العلمية، فإن كلامك نفسه لا يستقيم لك، إذا الأخطاء الشنيعة التي عددتها علي، لا توجد بالكتاب الذي سرقت ذخيرته، كما هي وعلى الجملة لدرجة أنها جعلتك تشك في الكتاب وصاحبه.
كما أن الذي تداركته، وواخذتنا على عدم « سرقته» من الكتاب، لا يوجد بعلمنا...
فما السر في زهدنا فيه؟ إلا أن نكون مختارين للأشياء، مثبتين منها نعتقد بصحته، مهملين لما لا نعتقد فيه بتلك الصحة...

    وبعد هذه الوقفة ندخل في الموضوع، الذي أراد صاحبه أن يكون موضوعا...
فمن الأخطاء الشنيعة التي عدها علينا، قولنا في الإبريق: فيكون مركبا من اسم ومادة أصيلة، من رهيدن أو رهادن...

   فقال السيد: أما رهادن فليس في الفارسية مصدر بهذا الشكل، كذا قال، وليت شعري، كيف أباح لنفسه أن يحكم بهذا الحكم المطلق مع أنه لو رجع إلى أبسط كتاب ألف بالعربية في الفارسية، وهو « القواعد الأساسية» لوجد المصدر يثبت ذلك صراحة، والكتاب للأستاذ الكبير، والدكتور بحق وحقيقة المرحوم إبراهيم أمين الشواربي، عضو الجمعية الملكية الأسيوية بلندن، والحائز على وسام المعارف من الحكومة الإيرانية.

   وخطأنا في أستاذ، تخطيئات عديدة واتهمنا، سامحه الله، وجهلنا كذلك، فكون حبيب السير لمؤلف لم يكن في القرن السابع، شيء نذعن إليه، ونعترف بهذا الخطأ التاريخي فيه، أن وقع منا، ونشكر صاحبنا على كل حال، وإن لم نكن على جهل بكون الكلمة عرفت قبل حبيب السير بزمن بعيد، ويكفي أن نذكر أن كافور الأخشيدي كان لقبه الأستاذ وتهمتنا تزول، إذا كان صاحبنا فاهما للفصل الذي ذكره، صاحب الكتاب المذكور، بقوله:« ذكر تخريب ميافارقين وماردين بسبب استبلاى معلان برخشم وكين»، وإلا فنحن نكفيه المؤنة ونسوق له النص هكذا:
لشكر تاتار شدئد وأزجانبين مراده ومنجنيق بركز داشنه آغاز اند اختن تيروسنك كردند وهر روز أزشهر فوجي أزشجعان بيرون آمده نائرة قتال مي أفروختند وخرجن حبات جمعي أزمغولان رامي سوختند، أزجمله دو جوان بودند... إلى أن يقول: منجنيقي در برابر منجنيق شهر نصب كرد وآن دو أستاذ بيكابار سنكها أز منجنيق كشاده داده.. إلخ

   وخطأ السيد حينما قلنا في إيوان« ويبدو أن أصله اللغوي كان جمع أيو» فقال : لا توجد في لغة الفرس كلمة « أيو»...
ونكتفي بما قلناه له في مثل هذا التعليق، ونطمئنه بوجودها هكذا، وبصور أخرى، بمعنى البيت والدار 
والمسكن، ولو كان يعرف التركية لأحلناه على نص من نصوص معاجمها التي تناولت الكلمات الفارسية ونصت عليها بالذات، ففي معجم سامي نجد هذا النص « أو» س. أصلي « أوى»، « أيبو»جـ:« أوى»... خانه، بيت، دار، مسكن... كما أن « الأختري» في معجمه، نص على أن في الإيوان لغة أخرى، هي« أووان» بل جعل هذا هو الأصل فيه.

    وقد قلنا في حذر واحتياط « ويبدو» ولم نقطع بذلك حتى نؤخذ عليه أخذ عزيز مقتدر...
وفي هذه الكلمة بالذات، سخر منا ونحن نذكر أن « ان» قد يراد بها النسبة، كأنه ما سمع بهذا في الفارسية، ونحن نعذره، ونحله من الفارسية وقواعدها وألفاظها، ثم نحيله على ما ورد في كتاب، قديم ليس من الفارسية في شيء، بل هو التاريخ، لصاحبه البلاذري « فتوح البلدان»،ولا نكلفه إلا قراءة سبع ورقات منه، فيجد فيها هذه الأمثلة، وكثير منها عربي صيغ صوغا فارسيا.

   « يزيدان» نسبة إلى يزيد، « طلحتان» إلى طلحة، « خبرتان» إلى خبرة، « مهلبان» إلى المهلب «جبيران » لجبير،« خلفان» لعبد الله بن خلف« طليقان» لآل عمران من ولد خالد بن طليق، « اميتان» إلى أمية، «مغيرتان» للمغيرة ابن أبي العاص، « زيادان» لزياد، « أزرقان» للأزرق بن مسلم، « محمدان إلى محمد بن علي الحننفي« عميران» لعبد الله بن عمير، « حصينان» لحصين العنبري، «عبيدلان» لعبيد الله» لعبيد بن كعب النيمري، « منقذان» لمنقذ بن علاج، »« نافعان لنافع،« أسلمان»لأسلم،« حمرانان» لحمران بن أبان، «قتيبان» لقتيبة، « خشخشان» لآل الخشخاش، « سعيدان» لآل سعيد، « سليمانان» إلى سليمان بن جابر، « عمران» لعمر بن عبيد الله، «خالدان» لخالد، ، « سويدان» على السويد بن منجوف.« جبران» لآل كلثوم بن جبر،«كثيران» لكثير، «يلالان» لبلال، « شبلان» لشبل بن عميرة، « صلتان» للصلت، « قاسمان» للقاسم، « معقلان» لمعقل ( إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)، « جندلان» لعبيد الله بن جندل، «حربانان» لحرب بن عبد الرحمن، « موسجان» على عبد الله الكوسج، « بعادان» إلى عباد بن حصين، زيادة على « مأسوران» نسبة لماسور الفارسية، و« مسرفانان»، التي لم ينص على نسبتها.

   وخطانا الفاضل، فيما قلناه في بستان. ان ستان، من ستانيدن ستان، فقال: لا علاقة له بتاتا بمعنى كلمة « بستان».

   ونقول لصاحبنا ما قلناه، في مثل هذه اللهجة، ونحيله على عالم فارسي عتيق، هو أبو القاسم ابن خرداذبه، من رجال القرن الثالث فقد قال وهو يتناول كورة ستان: وترجمة أستان احازة... ولهذا قلنا معناه الحوز» في أصله الفقهي، وإن صار يعرف بالمكان..
ونكتفي بهذا القدر ونترك باقي المهاترات فهي مكشوفة للقراء، كما نترك باقي الأخطاء التي تثبت أننا لم يكن في عملنا « سرقة».. ونعود بالله من الصلف الذي يقضي إلى التلف...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here