islamaumaroc

الصاحب بن عباد، هل كان مصابا بالسادية ؟

  دعوة الحق

123 العدد

    «داء السادية» منسوب إلى المركيز «دوساد» وكان كاتبا فرنسيا ولد بباريس سنة 1840 وغادر الدنيا سنة 1913، ألف روايات جعل شخوصها يظهرون بمظاهر الشهوات العارمة ويعذبون بالجلد النفوس البريئة، وهذه النزعة المنحرفة تسمى بالتعبير المذهبي وغلا هذا الداء واستشرى في الأوساط «الأفرودية» حتى هدم جوانب من الأخلاق المعاصرة وعده علماء النفس شذوذا وبيلا.
وما كان علي من حرج في أن أنقل هذا الداء من حيز في دنيا النفس إلى حيز آخر فرحت أسمي «بالسادية الأدبية» من ظهرت في طباعه مظاهر هذا الداء وهو الجلد والضرب وتعذيب النفوس البريئة، ولقد يكون الجلد والضرب بل الطعن معنويا لا يجاوز الأمور المادية والملموسة، أفما كان امرؤ القيس يقول:
« وجرح اللسان كجرح اليد»
  
     ووجدت تلقائي في دراسة من دراساتي الأدبية وجها لوجه (أبا حيان التوحيدي)  الكاتب العظيم الذي كان قد وقع ضحية للسادية حين أمعن في جلده الصاحب ابن عباد أديب العجم الذي كان يفتن الأفانين في قهر الأدباء والشعراء وفي ردهم على أعقابهم خاسرين، بعد أن يقفوا ببابه أياما، وقد أتوا من بلاد بعيدة يخفقون إليه آباط الإبل- كما يقول التعبير العربي القديم- حتى يصلوا إليه فيردهم مقهورين.

    ولقد تولى الصاحب لبني بويه في بلاده زمنا مديدا في القرن الرابع للهجرة واستطاع أن يعزل من يشاء وأن يولي من أراد، حتى أنه حين كان وزيرا لمؤيد الدولة البويهي نصب أخاه مكان فخر الدولة بعد موته سنة 373 للهجرة.

     وكان ذا نفوذ وزاري مكنه من التمرس بآفات السياسة ومقاليدها، أما في دنيا الأدب فإنه تخرج على أدب أستاذه ابن العميد وزير البويهيين المشهور، وقد أعجب به ابن العميد ورأى فيه مخايل النبوغ المبكر فقربه إليه بكتابة الصكوك والرسائل ورئاسة ديوان الأوراق، ثم أصبح قائدا أو أميرا ومديرا لشؤون الدولة، ثم صعد إلى سدة الوزارة، وعلت منزلته وانتفخت حاله حتى وقف ببابه القواد والحكام، ومن يؤذن له بالدخول عليه يظن أن قد بلغ الآمال ونال الفوز بالدنيا والآخرة، وقد وصف « ياقوت » في معجم الأدباء تلك الأبهة الوزارية التي كان يمرح فيها الصاحب ابن عباد حتى قال: « فإذا حصل في داره من أذن له بالدخول إلى مجلسه امتلأ فرحا ومسرة ونال شرفا وتعظيما، فإذا توسط المجلس وقد جلس فيه على الأرائك الحضور قبل الأرض بين يدي الصاحب ثلاث مرات، ثم يقبل الأرض مثل ذلك ثلاث مرات عند انصرافه، وما كان الصاحب بن عباد ينهض بالتسليم لأحد»، ولما توفيت أمه هب أعوانه إلى تعزيته حفاة حسر الرؤوس، كما يقول ياقوت أيضا.

     أما مجالس أدبه التي ظهر عليه فيها « داء السادية الأدبية» الذي يكون «المحاسني» في تاريخ الأدب والدراسات الحديثة أول من اكتشفه فيه وتكلم عليه، فقد تجلى في حلقات الأدب التي كان يعقدها بمجلسه بمدينة الري، فإنه حين يرى ازدحام الأدباء ببابه، والحجاب يواعدونهم الدخول عليه والمثول بين يديه ينتهي إليه خبرهم وأسماؤهم بواسطة حجاب، من أين أقبلوا عليه منتجعين وطالبين لعطاياه التي كان يبذلها رياء وفي غير جود صريح، فيأخذ بنظم البيت والبيتين مكدد الخاطر معملا ذهنه، فيجعل في ذهنه من نظمه الركيك بيتين في وصف البدر أو الشجاع وثلاثة أبيات في وصف العاشق المعمود وبيتا واحدا في تمثيل الخال على وجه الحسناء أوي قول في المطر أو الزهر أو التطريب والبساتين، ويحفظ هذه الأبيات عن ظهر قلب ثم يأذن بدخول طائفة من الشعراء، فبعد أن يستقر بهم المجلس، وهو على عرش رفيع، قد جثم بأبهة سلطانه، يلتفت إلى أحد الشعراء ويقول له:
- أنت اعمل بيتين في وصف القمر ليلة تمامه، ويدير وجهه إلى شاعر آخر وينبذه بهذه العبارة:
- وأنت اصنع ثلاثة أبيات في وصف العاشق الذي هده العشق.

     ثم يدير وجه يتفرس الآخرين ويوزع عليهم ما يقترح نظمه من الشعر بالأوصاف التي أعدها.
فيجعل هؤلاء الشعراء المحرومون أيديهم على لحاهم ويفركون عثانينهم ثم يقول الواحد منهم على البديهية ما جادت به قريحته من جمال المعنى ومكين اللفظ، فإذا سمع الصاحب إنشاده جعل يتأفف ويظهر الامتعاض، ثم يقول للواحد منهم بعد الإنشاد:
- إنك لم تحسن قولا ولا أصبت معنى، فاسمع ما أقول في وصف ذلك.
ثم ينطلق الصاحب (وهو الأديب المخادع) فينشد تلك الأبيات التي كان أعدها وحفظها بسره ويتظاهر بالارتجال والبديهة وقد بلغ مراده في قهر الشاعر، فيقول له:
- لو صنعت شعرا كشعري هذا لأتيت على ما في نفسي ثم يتم تمثيليته الفاجعة للشعراء الآخرين، وينهض أكثرهم من مجلسه بغير جائزة بنهوضه وهو فرح بذلك، يعد نفسه قد ظفر بتوزيع القهر على هؤلاء الأدباء والشعراء.

    وأحسب أن صيت كرمه الزائف قد بلغ الناسخ الفقير الكاتب المجلي الموهوب (أبا حيان التوحيدي)، وكانت الوراقة ببغداد عملا له يسلخ الأيام والليالي في سبيل كتابة مخطوط، وكان خطه جميلا يتأنق في تسطيره، فإذا فرغ من نقل المخطوط الذي أمامه إلى الطروس التي بين يديه نقده صاحب المطلب نقودا زهيدة يقيم بها أوده.

     ورواده الخاطر اللماح، وأكاد أسميه (خاطر السراب)، أن يشد الرحال إلى الري والأهواز فيأتي الصاحب بن عباد ويمدحه ويؤلف فيه كتابا ينال منه عليه مالا يرتد به غنيا فيستريح من صناعة الخط وكتابة الكتب للناس، وأحسب أنه استدان أجرة السفرة البعيدة التي كانت الخيول تجتازها في تلك الأسفار حتى وصل إلى الري، ونزل بباب الصاحب، فعرف به ابن عباد من حجابه الذين كانوا يدلفون إليه- بتقارير- على نحو ما تسمى في عصرنا- عن كل أديب أو شاعر أو فيلسوف يحل ببابه.
وكان يعرف أن أبا حيان أصبح أحد كتاب العصر متانة تعبير ولهجة قول وحدة لسان، فأومأ إلى الحاجب أن يطرحه ببابه أياما حتى إذا كاد ييأس أدخله بأمره عليه.

    وكان (أبو حيان) قد امتلأ فؤاده أملا وأشرقت نفسه قبل الدخول عليه، ثم لم تلبث هذه النفس البريئة أن تقبضت حين نبذ الصاحب صاحبها بقوله، وقد نهض المسكين لمدحه بخطبة أعدها:
- ما لهذا أذنت لك بالمثول في مجلسي، خذ هذا المخطوط وانسخه.
فرفع (أبو حيان التوحيدي) وأسميه (الكاتب المظلوم) عينيه إلى الصاحب حسيرتين، وأدرك بلحظة واحدة أنه خسر سفرته عند هذا الجبار العنيد، فقال له:
- أيها الأمير، ما لهذا قدمت عليك، لقد كانت الوراقة موفورة لي ببغداد.
- انهض وخذ هذا المخطوط واشتغل عليه.
وبذلك أخرج الصاحب الكاتب «أبا حيان» من مجلسه مقهورا يتعثر بالخيبة وضيعة الأمل المعسول، الذي استحال في حلقه إلى مثل مرارة الموت.
يقول (أبو حيان) فسلخت الأيام والليالي وأنا أنقل الكتاب حتى كادت تتقرح أصابعي لسعته وضخامته، وذلك في الليل على ضوء السراج الخافت حتى كاد بصري يذهب.

   
وقصد الصاحب يوما المرور بأبي حيان وقد جلس الكاتب المظلوم القرفصاء وأمامه الدواة وقد تلطخت أصابعه بالمداد، وعلا وجه الهزال من الحزن، فلما رأى الصاحب قادما نحوه نهض للحال تكريما له وسلاما عليه. لكن الصاحب رماه بنظرة شزراء وهو يجتاز به، في غير اكتراث، وقال له:
- اجلس! مثلك لا ينهض لمثلنا.
فجلس أبو حيان، وأحسب أنه قد أحس ساعتئذ بطعنة نجلاء تخترق فؤاده.
فأزمع رحيلا وطرح للصاحب مخطوطه دون أن ينال عليه أجرا، وكان الاتفاق قد جرى سرا في قهره بين الصاحب وأستاذه ابن العميد، فلم يجد أبو حيان عند الأستاذ إلا العلقم الذي وجده عند التليمذ، فعاد من حيث أتى- بخفي حنين- كما يقول المثل العربي في الخيبة والخسران، لكنه لم يكد يعود إلى بغداد حتى سن سنان قلمه وجلس جلسته المكينة في بيته المسكين وأخذ يحبر طوال الليل والنهار والشهور كتابا جديدا من كتبه الرائعات، وحين استتم تأليفه سماه ( مثالب الوزيرين)(1)، وحشر في هذا الكتاب الضخم فضائح العلم والأدب والخلق التي ابتلي بها الصاحب بن عباد ومثالب الأخلاق والشهوات التي عرفها الناس في الصاحب، والطمع والأثرة والفضول مما كان يملأ قلب الصاحب حتى شرحه تشريح الجثث وجلده بالحديد بعد جلده الناس بسياط القهر والمظالم، وكان أبو حيان في كل كلامه منتقما متشفيا ثار لكرامته مدى مسيرة الزمان، وقد تناول ابن العميد بمثل ذلك.
وإنني اليوم، وأنا أكتب هذا الفصل لمجلة (دعوة الحق) الموفقة الراقية، أعد نفسي قد شفيت غلة أسفي على ابن حيان وقد صادفته كما أراد في كتابه (الصداقة والصديق)، واعترفت بفضله وأدبه، وقررت أسلوبه وبراعة فكره وإنشائه للطلبة في الجامعات التي عملت بها، وثبت في بعض كتبي ذكره في محامد أدبه الخالد، وحين نقدت أستاذي ثم صديقي الدكتورعبد الوهاب عزام  وقد شاركه في هذا التأليف أخي الدكتور شوقي ضيف سنة 1947 فسميا كتابهما فيه ( رسائل الصاحب بن عباد) أخذت أقول لهما:
  - إنكما لم تذكرا الروح الشيطانية الناقمة على الأدباء، التي كانت تسكن جسد الصاحب واكتفيتما برسائله التي أصابت البيان العربي السليم بالكلفة والصناعة اللفظية، ولم تتعرضا لذلك بنقد أو تجريح، فكان نثره ونثر صاحبه ابن العميد وأضرابهما من العجم يومذاك - فكانت وبالا على النثر العربي .

    واجتاز الشاعر العظم أبو الطيب المتنبي في أرض الصاحب بن عباد وهو ذاهب إلى ابن العميد ومليك العجم فأرسل إليه الصاحب أن يمدحه وعرض عليه شطر ماله فقال لرسوله:
- أنا لا أمدح إلا الملوك.
   ووقع الصاحب بالحسد لأبي الطيب وبالكيد له، فألف فيه كتابا بمثالبه، وكاد يموت غيظا حين سمع أمدوحة الشاعر العربي الخالد في الملك عضد الدولة البويهي:
                       وقد رأيـــت الملـــوك قاطبـــة       وسرت حتى رأيت مولاها
                       أبا شجاع بفارس عضد الدولة       فــنـا خســرو شهنشـــاهــا

 وماتت للصاحب قريبة عزيزة عليه فمر به صحبه معزين وكان أكثرهم يستشهد وهو يعزيه ببيت من أبيات أبي الطيب في الرثاء حتى راح يقول:
 
    الموت الذي نزل بعزيزته:
وقد استطاع أحد الشعراء المنتقمين المقهورين أن يهجوه بقوله:
                       لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت     بالجود كفاه حتى أخجل الديمـا
                       فإنها خطرات مـن وساوســـه     يعطي ويمنح لا جودا ولا كرما

كذلك كان يسيء إلى الأدباء والشعراء وأهل الفكر فيردهم على أعقابهم بغير جوائز مقهورين ويعذب فيهم نفوسهم البريئة تشفيا في ممارسة داء نفسي فيه أسميه (داء السادية الأدبية)، وأقرر بأن الصاحب كان مصابا بهذا الداء العياء إصابة وبيلة

 
 1-  ينظر في كتاب الدكتور زكي المحاسني الجديد (عبد الوهاب عزام في حياته وآثاره الأدبية) وهو محاضرات سنة 1968 ألقاها الدكتور على طلبة قسم الأدب العربي في معهد البحوث والدراسة العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة. في هذا الكتاب فصل يتناول هذه الحادثة بتحليل كتاب مثالب الوزيرين (دعوة الحق)
  2- سأكتب لمجلة (دعوة الحق) الغراء مقالا أقرر فيه ما أفسده كتاب العجم في حياة النثر العربي وما أدخلوه عليه من الركاكة والصناعة اللفظية والسجع المقيت (المحاسني)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here