islamaumaroc

الاستعمار الثقافي بين التبشير والاستشراق

  دعوة الحق

123 العدد

  إن أبسط تصوير للاستشراق وأعمقه هو أنه استخدام العلم في خدمة السياسة - ولقد يتحدث الكتاب ببساطة عن الدور الذي حققه الاستشراق في التراث العربي الإسلامي، ونحن نقول إن مصدر اهتمام المستشرقين بالشرق والإسلام، ووضع الدراسات المختلفة عنه، إنما يرجع إلى أن العالم الإسلامي واقع في قبضة استعمارهم، فهم يدرسون تاريخه وأدبه ليدرسوا نفسية هذه الأمم ليكيفوا موقفهم منه ويعرفوا من أي جهة يستطيعون إخضاعه، وما هي جوانب الضعف فيه للانتفاع بها، وما هي جوانب القوة للقضاء عليها، وذلك بقصد أن يبقى نفوذهم ويستمر، وهم في كل ما كتبوه قد عمدوا إلى وضع الإسلام واللغة العربية والثقافة والتاريخ في قفص الاتهام، وحملونا على أن نقف موقف الدفاع ورد السهام.
 
 ومن أجل هذا الهدف يركز الاستشراق على جوانب معينة، فهم يركزون مثلا على التصوف الفلسفي وأعلامه وإذاعة آرائهم وآثارهم، وذلك غرض خبيث ولاشك، فقد وصل الفكر الإسلامي إلى تصفية مثل هذه الموجات التي مرت بالعالم الإسلامي نتيجة اتصاله بالفكر اليوناني والفارسي والهندي، ولكن للإسلام مفهومه الأصيل في التصوف، فمحاولة الاستشراق في بعث لون معين واحد هو اللون المشبوه المتصل بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود مما لا يقره الإسلام أصلا، إنما يكشف عن الغرض الخبيث.

  ويبدو هذا الاتجاه من الاستشراق في الاهتمام بشخصيات بعينها في تاريخ الإسلام والأدب العربي: كالاهتمام بالحلاج في التصوف وأبي نواس في الأدب. وقد اهتم لويس ماسينيون بدراسة موسعة للحلاج، واهتم بلاشير بدراسة المتنبي.
 
وفي نفس الوقت تساق التهم وأعمال الانتقاص إلى الشخصيات الضخمة التي أضافت إلى الفكر الإسلامي إضافات هامة ولها مكانها الأصيل: كالحملة الموجهة إلى ابن خلدون والمتنبي والغزالي.
وقد أصدر أولياء الاستشراق والتبشير من الكاتبين باللغة العربية دراسات في هذا الصدد جروا فيها وراء أهداف الاستعمار، والغريب أن هناك ثلاث رسائل معروفة: «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» لطه حسين، و«مع المتنبي» لطه حسين أيضا، و«الأخلاق عند الغزالي» لزكي مبارك.

  وهي في مجموعها ترديد للاتهامات والشبهات التي أثارها المستشرقون والمبشرون.
  وهناك محاولة دائمة لتصوير الفكر الإسلامي بأنه واجه الاضطهاد وحيل بينه وبين الحرية وأن هناك « أبطالا» استشهدوا في هذا الصدد، وتلك محاولة باطلة لا أساس لها، فإن الفكر الإسلامي ظل حرا قادرا على التعبير، ما لم يصطدم كتابه بالخيانة، أو الاتهام بموالاة أعداء المسلمين.

  وقد ركز الاستشراق على الأفكار الدخيلة على الإسلام، ومن ذلك اهتمامه بفكرة وحدة الوجود، والحلول والاتحاد- وفكرة وحدة الوجود معناها تأليه المخلوقات واعتبار الكون هو الله- وهذا هو سر اهتمام المستشرقين والمبشرين بابن عربي والحلاج.

أما مفهوم الإسلام فهو أن الموجود اثنان: واجب الوجود وممكن الوجود، واجب الوجود هو ما نفهم الواحد الفرد الصمد، وممكن الوجود هو هذه الكائنات كلها التي ندركها بحواسنا الخمس مباشرة.
أما أصحاب مذهب وحدة الوجود فيقولون: إن كليهما واحد، ومعنى هذا أن الكون هو الله- وقد أنكر الإسلام عقيدة الاتحاد: أي حلول الخاق في المخلوق واستغراق المخلوق في الخالق، وهو- أي الإسلام- يميز طبيعة كل منهما، ولهذا أنكر الإسلام فكرة الحلول.
 
ولا يتقبل الإسلام «وحدة الوجود» لأن فيها انتقالا من عقيدته الأصيلة (لا إله إلا الله) إلى ما يقوله الصوفية (لا موجود في الحقيقة إلا الله) وسياق لنتائج الأخرى، والتصوف في مفهوم الإسلام يبدأ من القرآن والسنة وينتهي إليهما.
 
وهكذا فإن فلسفة وحدة الوجود والحلول والاتحاد هي مفاهيم غير أصيلة في الفكر الإسلامي، ومستمدة من فلسفات أخرى وثنية ومجوسية، وهذا هو ما يعجب المبشرين والمستشرقين في الصوفية، وهو الذي يدعوهم إلى الاهتمام بها.
 
«إنه لا يرى أن لغة القرآن هي أفصح لغات العرب أو اللغة العربية المحضة الناصعة التي تتخذ قاعدة من بين اللغات العربية».
  وقال:«إذا أردنا أن نطلب اللغة الأنصع فصاحة والأصح أصلا وتركيبا فعلينا أن نرجع بالبحث إلى  العصور التي سبقت ظهور الإسلام».
وقال: إن القرآن «مديح على طراز خاص من النثر».
 
  وقد رد عليه العلامة عبد العزيز جاويش باللغة الإنجليزية، ودحض شبهه وألقى بيانا مطولا عن اللغة العربية والقرآن. وقال: «أين لكم وأنتم الأغراب عن اللغة العربية أن تحكموا على الفاسد والفصيح والأفصح، فإن صحة الحكم في اللغة تستوجب وجود ملكة اللغة راسخة في الحس عريقة في النفس، وهو ما لا يؤتي بالكسب إلا بعد انقضاء السنين الطويلة».

  وقد نقل التقرير فقرة من كتاب برنيو الذي يدرس لفريق من طلبة أوربا اللغة العربية حيث يقول: «أتريد يا صاح أن تتعلم الكلام مع الأهالي الذين حولك... إلى أن يقول : لا نظن أني سأعلمك لغة القرآن، هذه اللغة قد ماتت ولا يتكلم بها أحد، فهي «لاتينية العربي»، وهي اللغة المستعملة في جنة محمد، وسأحبب إليك دراستها في المستقبل إذا أردت أن تتذوق حلاوة الاجتماع بالحور العين. ويقول الدكتور الهراوي: ويتمثل لك نتيجة عمل المستشرقين جليا في كل كتاب علمي أو عمراني أو اجتماعي يكتب شيئا عن الشرق وعن الإسلام، فإنك ما تكاد تقرأ أي هذه الكتب حتى الإفرنجية منها حتى ترى إجماعا على الجهل بالإسلام أو إجماعا على الطعن في النبي الكريم.
 
  وقد أنتج ذلك أن بعض المتعلمين من المسلمين الذين لم يلموا إلماما كافيا بدينهم أخذوا يتبعون خطأ المستشرقين، ويقتفون أثرهم بالطعن في نفس دينهم، واخترعوا لنا اسما غريبا لهذه الحالة هو: «حرية الفكر» والتجديد في الأدب العربي ومباحث في الشعر الجاهلي، إلى غيرذلك من التفنن في أنواع الجهالة المشعوذة، بلباس سطحي من العلم لا تكاد تلمسه حتى يتمزق ويهتك سر لابسه، إنه قليل الثقة عالة في معلوماته عن دينه لجامعة المستشرقين.
 
  وضرب الدكتور الهراوي مثلا بما ورد في دائرة المعارف الإسلامية في مادتي «إبراهيم» و«كعبة» من شبهات ومغالطات.
 
  ودائرة المعارف الإسلامية هي في ذاتها عمل من أعمال التبشير والاستشراق، لوضع الشبهات المختلفة التي توصل إليها خصوم الإسلام في ثوب له مظهر علمي، ولذلك فإن مراجعة مواد هذه الموسوعة يحتاج، من الباحثين المسلمين إلى حذر شديد.

  وقد عرض كثير من الباحثين لأخطاء دائرة المعارف المعتمدة - وأشار العلامة فريد وجدي إلى سيطرة البدع الدخيلة على الإسلام على مواد هذه الدائرة باستفاضة مثيرة، فقد أمعن مؤلفو الدائرة في تسجيلها وشرحها كأنها حقائق مقررة.

  وقد اعتمد المبشرون في ذلك معتمدين على كتب ليست علمية قاصدين التمويه بإدخال الأساطير والبدع إلى حقائق الشريعة كأنها كلها مواد الإسلام وقيمه.
وكذلك فعل التبشير والتغريب بكتابي الأغاني وألف ليلة، إذ جعلهما من المصادر العلمية التي يعتمد عليها.

  ولاشك أن من أخطر أعمال التبشير والاستشراق هو وضع موسوعات كاملة أمام الباحثين العرب والمساهمين تمكنهم من أن يجدوا فيها ما يريدون البحث عنه في سرعة وسعة، فيلجأون إليها دون أن يكلفوا أنفسهم مؤنة البحث عما تتضمنه من حقائق أو ؟

  والهدف الأكبر من مثل هذه الأعمال القاصدة إلى تشويه الحقائق، هو خلق شعور بالنقص وإحساس بالازدراء، من شأنه أن يسيطر على نفوس المسلمين والعرب.
ويصدق في هذا قول للدكتور عرفان عبد الحميد من أن هدف الاستشراق هو خلق جيل يتنكر لتراث هذه الأمة ليصير إلى حيرة واضطراب فكري، فيسهل عند ذلك غزو المجتمع الإسلامي بالفكر والمبادئ والمفاهيم والتصورات الغربية.

  وقد أشار مالك بن نبي إلى أنه في كل قضية أو مسألة أو معضلة تواجه المسلمين فإن الاستعمار والتبشير والاستشراق والتغريب قادر على طرح إجابات مستمدة من محاولته المستمرة لتغيير مجرى التفكير الإسلامي.

  ولقد يغري هذا الاهتمام الذي يوليه المستشرقون للتراث العربي الإسلامي إلى إنصافهم، وقد يغيب عن بال هؤلاء أن مصدر اهتمام المستشرقين بالإسلام والشرق إنما ينصب أساسا على دراسة نفسية هذه الأمة للتعامل معها بما يحقق لهم هدفهم في إذلالها أو تغيير مجرى فكرها بحيث تصبح مستسلمة خاضعة لهم.

  وقد أجمعت كتابات المستشرقين على أنهم لم يتخلصوا بعد من تعصبهم وأن علمهم لم يتحرر من الهوى، وقد سجل «لويس برنادر» « وجب» هذا المعنى حيث أشار برنارد أن ظاهرة التعصب الديني ظاهرة في مؤلفاتهم، وأشار « جب» إلى أن ظاهرة الأحكام المسبقة على الإسلام لا تزال تحكم هذه الأعمال بالرغم من محاولات التحرر منها، ولاشك أن زعم المستشرقين بأن أبحاثهم قد أخذت شكل الموضوعية والتجرد من الأهواء والأخذ بأسباب البحث العلمي - هذا الزعم لا يثبت أمام الصور المشوهة والعبارات الحاقدة الدفينة التي تظهر هنا وهناك من وراء الوعي بالرغم من محاولة إخفائها.

  وما تزال كتابات ورسوم دانتي وفرجيل وفولتير وديدرو، وهي من أوائل الكتابات المتعصبة، ما تزال تؤثر في كتابات من تبعهم من أمثال لامنس ومرجليوت ولويس شيخو وستوك وفنسنك. وقد انتقلت آراؤهم إلى طه حسين وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي وسلامة موسى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here