islamaumaroc

نجمة للعابرين (قصة)

  دعوة الحق

123 العدد

    - تكلم .. وأفصح لنا عن كل صلاتك... وإلا، فالموت المحتم مصيرك ..
وأغمض «أدهم الشر فلي» جفينة قليلا ... ونسي تماما أنه أمام قاضي التحقيق العسكري الإسرائيلي في «تل أبيب» وراحت الصور تترى أمان ناظريه كأنه يراها الآن بوضوح تام.

  كان فردا في عائلة صغيرة مستقرة الحال، تعمل في النهار وتنام عند بوادر الليل المبكرة .. ويبوح كل فرد من أفراد هذه العائلة الصغيرة بالأمة ومأساته وسواد مستقبله إلى فراشه القلق اللاهب.
فقد كتب على هذه العائلة التشرد كلمات آلاف العائلات الفلسطينية الأخرى.. هم فوق أرضهم ولكنهم لا يشعرون بأي حنين .. وهم في أوطانهم ولكنهم تعساء .. ليست في حياتهم نسمة من أمل أو ومضة من سعادة.
وتمعن المأساة في هذه العائلة الصغيرة ...
فبعد أن كانت نعيش معا وتسكن بيتا واحدا في «بئر السبع»، جاءت النكبة الأولى، فنزح من العائلة من نزح إلى «غزة» بينما «أدهم الشر فلي» انطلق يمعن في النزوح وكأنه يهرب من واقعه وأيامه..
 
وهو في الحقيقة لم يبرح فلسطين .. لكنه انتقل من «بئر السبع» إلى «الرملة»، وتشاء الظروف أن يعيش في هذه المدينة التي استولت عليها العصابات الإسرائيلية دون أن يتمكن من العودة إلى أهله في «غزة» أو الإمعان في النزوح إلى حيث لا يدري .. .
 
كان لابد على «أدهم الشر فلي» من أن يعمل .. فلم يكن يطيق حياة البطالة .. فاشتغل أول الأمر أجيرا في مطعم . . تم خادما في مقهى.. ثم عتالا.. وأخيرا افتتح دكانا صغيرا لتصليح الأدوات الكهربائية، وهي المهنة التي كان يتعاطاها في «بئر السبع».
  ولم تمض سنوات قليلة حتى اطمئن «رحمون» الإسرائيلي إلى «أدهم الشر في» وشاركه في عمل كبير في افتتاح مخزن ضخم لبيع الأدوات الكهربائية وتصليحها.
  لم يكن الأمر سهلا في أن يطمئن «رحمون» إلى «أدهم الشر فلي»، لكن الأعوام الطويلة التي أمضاها «أدهم» في «الرملة»منحته الثقة التي سعى إليها لدى سكان المدينة وبخاصة اليهود منهم.
 
  وكانت المعرفة بينه وبين «رحمون» قد نشأت عندما كان «أدهم» يعمل في المقهى وكان «رحمون» من زبنائه .. فنشأت بينهما صلة امتدت مع الأيام وطولها .. حتى إذا ما فتح «أدهم» محله الصغير لتصليح الأدوات الكهربائية كان «رحمون» من أول زبنائه.
 
 
غير أن اليهودي عندما أراد أن يشارك «أدهم الشر فلي» تجسس عليه ولاحقه، واستقصى أخباره وجولاته .. حتى إذا ما أطمأن إليه فتح له قلبا واسعا عبر منه «أدهم» إلى عالم جديد.
ولم يسع «رحمون» إلى مشاركة «أدهم» حبا له أو عطفا عليه، بقدر ما كان استغلال لموهبته الفائقة في تصليح الأوائل الكهربائية التي كانت تستعصي على غيره.
  لكن «أدهم» أصبح في يوم من الأيام، واحدا من أغنياء مدينة «الرملة» وومن يشار إليهم.
وصارت الأحوال بين الشريكين على أحسن ما يرام، وحين أعرب «رحمون» لشريكه العربي عن رأيه قائلا :
- أما وقد أصبحت غنيا، فأنت غير ملتزم بشراكتك معي إن شئت.
قال «أدهم الشر فلي»، والف خاطر مارد ينتصب في أعماقه :
- وكيف لي ذلك، وأنت لي الصديق والمعين والشريك .. إنني لن أتخلى عنك، ولكن ذلك بإمكانك أن كنت تريد.
فعاد «رحمون» يجدد الثقة بأدهم ويمنحه من وده أكثر مما منح.

                                                    * * *
  غير أن صورة ذلك الحي الفقير. وذلك المنزل الصغير، وتلك العائلة التي تشردت وفكت الأيام بعنف مأساتها الأولى أواصر الارتباط بين الأفراد، كانت جميعا ما تزال ماثلة في خاطر «أدهم الشرفلي» وتتعاظم على مر الأيام.
  وكثيرا ما كان يحن إلى أهله وعائلته .. وعبثا كان يبحث عن عين أليفة واحدة بين جميع العيون التي حوله . . فابن منه عين محبة وقلب حنون وعصب ينشد إلى غضب، ومأساة واحدة تلف الجميع وتطهر القلوب كلها في بركان من اللوعة واتون من الأسى الذي لا يحد ولا ينتهي.
ولم يكن أقسى على «أدهم الشر فلي» من تلك الليالي الطويلة المؤرقة التي كان يمنيها في التذكر واللوعة والحنين إلى بيت فقير في «بئر السبع» وإلى ناس أحبة أعزة.
ويقرر «أدهم الشر فلي» يوما التسلل على «غزة» ليلتقي بأهله ممن نزح إليها.
واشتعال نار الشوق في صدره جعله يخفي شكله ويبدل معامله ويسلك الطريق .. الطريق التي يعرفها شبرا شبرا، وتلك المسالك الوعرة والحواجز والأسلاك الشائكة التي تفرق بين الأخ وأخيه والأم وأولادها.
  والتقى الأحبة .. وتعانقت القلوب، وذرفت الدموع، وطلب إلى «أدهم» البقاء .. لكنه كان يبحث عن العمل . . العمل الكبير الذي لم ينته منه بعد، على الرغم من أن مرور الأيام والقضاء الأعوام .  لكن الأيام والأعوام لم تكن في حساب «أدهم» بشيء، فإن ما رسمه في أفكاره لا بعد صورة وصدى من لقاء حافل بالدموع مزين بالبسمات.
  وعاد «أدهم الشر فلي» إلى «الرملة» ... ولكنه سرعان ما حن إلى أحبته، فسلك الطريق إليهم من جديد...
  وكانت هذه المرة أهون عليه وأبسط سبيلا .. ثم عاد إلى «الرملة» مرة أخرى .. عاد إلى شريكه اليهودي «رحمون» وهو أشد التصاقا وأكثر حبا وأبعد تفانيا في خدمته واسترضائه واستعطافه.
لقد عرف الآن جدوى العمل ..
العمل الكبير الذي حلم به كثيرا.
 فقد تعرف «أدهم الشر فلي» على رجل في «غزة» كشف له عن سر الطريق .. وأوضح له جدوى العمل.
                                                   * * *
 - إن الثقة الممنوحة إليك يا «أدهم» ستسهل علينا العمل . . فكن على التصاق شديد بهم وأسلك الطريق عبر شريكك «رحمون» فإنه رجل ذو نفوذ كبير، ومنه سوف تحصل لنا على كافة المعلومات التي تطلب منك.
                                                   * * *
  وينتقل «أدهم الشر فلي» في أرجاء فلسطين المحتلة، يذهب إلى «حيفا» وإلى «تل أبيب» وإلى كافة المدن الأخرى .. ويلتقي هناك بعدد كبير من اليهود يرحبون به . . بشريك «رحمون» المخلص، وينسجم بين هؤلاء وأولئك .. ثم يعود من جديد،
يسلك طرقا معوجة، في ليال قاسية مرة، ويلتقي بذلك الرجل الذي عرف سر العمل، يضع بين يديه الأخبار والأسرار التي حصل عليها من كل مكان.
  ويجيء يوم يقول فيه الرجل «لأدهم» :
- إنك رجل عظيم..
  وفي اليوم ذاته يقول «رحمون» لأدهم :
- إنك رجل عظيم . .
وتوضحت شخصية «أدهم» فإذا هو صاحب مكانة مرموقة دخل الأرض المحتلة وخارجها.

                                                   * * *
وتحل النكسة الثانية . . فتهتز نفوس العرب وتئن قلوبهم في مشرق الأرض ومغربها .. ويفكر «أدهم» بالرحيل، فالمصيبة أعظم من أن تحتمل .. لكن الرجل الذي عرف سر العمل يلتقي بأدهم ويخبره بالاستمرار في خدمة «رحمون» والتفاني في أرضائه إلى أبعد الحدود .. فقد جاءت ساعة العمل المجدي، وباتت أسرار «أدهم» التي يحملها في كل يوم من الأرض المحتلة .. نارا تتفجر في كل مكان ولهيبها بحرق مضاجع اليهود.
وكانت كلمة الرجل :
- إنك عظيم يا «أدهم» .. ولكن حذار من مغامراتك، فقد يشك «رحمون» بك لأنك غدوت كثير التغيب دائم التنقل غير منصاع كثيرا لأوامره، لكن «أدهم» يقول :

- لم يعد بإمكاني أكثر من هذا .. فالأعوام العشرون التي انقضت حرقت في جوفي كل شيء .. وأخشى أن أدفن في رماد نفسي .. لم أعد أطيق لم أعد أطيق.
                                                     
                                                  
* * *
- تكلم .. وأفصح عن كل صلاتك يا «أدهم»، وإلا فالموت المحتم مصيرك.
ويفتح «أدهم الشر فلي» جفنيه ليبصر قاضي التحقيق العسكري الإسرائيلي يكاد يلتهمه بنظراته، وقد جلس قربه ضابط المخابرات .. أما الشخص الثالث، فقد كان «رحمون» شريك «أدهم الشر فلي» ورجل المخابرات العريق.
- لماذا لا تتكلم يا «أدهم» .. هل أفقدك التعذيب القدرة على الكلام ..؟
ابتسم «أدهم» ابتسامة ساخرة، وقال :
- التعذيب . .؟ هل تسمون الضرب والطي بالكهرباء وإبعاد الماء والطعام تعذيبا ..؟
التعذيب . . هو هذا الجرح الذي نحمله في أعماقنا منذ عشرين عاما ..
- سأتلذذ إذ أراكم تتحرقون لسماع كلمة . . لكنني سأشهد طوفان الحقارة يخنقكم ويميتكم .
ويصرخ ضابط المخابرات :
- أخرس أيها اللعين .. لقد كان علينا أن نكتشفك منذ أمد طويل .. ولكننا أفسحنا لك المال وأوليناك من نفوسنا كل قرب لنعرف من أنت .. ولكننا أفسحنا لك المجال وأوليناك من نفوسنا كل قرب لنعرف من أنت ..
قال «أدهم» صائحا :
- وهل عرفتهم من أنا .. ؟
 قال قاضي التحقيق :
- جاسوس مخادع وإنسان لئيم ..قال «أدهم» ضاحكا : 
- كلا . . إنما أنا رجل عظيم ... أليس كذلك يا «رحمون» ألم تقل لي هذا بنفسك ... ؟
قال «رحمون» ممتعضا :
- لقد شككت فيك، وكان علي أن أتصرف منذ وقت ..
رد «أدهم» :
- يا لذكائك المفرط .. إنك عندي أغبى من رأيت في عمري ..
 احتد «رحمون» وهو يقول : 
- اخرس أيها النذل الحقير ..
 وقال قاضي التحقيق :
- جاسوس حقير ..
 وقال ضابط المخابرات :
- جاسوس حقير ...

وارتفعت ضحكة «أدهم» مرة أخرى وهو يقول :
- جاسوس لمن يا أحقر الناس ... أجاسوس من يعمل لأهله .. لنفسه .. لوطنه .. لأمته ... يا أغبى البشر . .؟
وران على غرفة التحقيق هدوء نسبي امتد لحظات، مزقه ضابط المخابرات، حين قال :
- والآن. أفصح لنا يا «أدهم» عن كل صلاتك . . ونعدك أن نفرج عنك.
 فابتسم «أدهم» قبل أن يجيب :
- كل ما لذي سلمته للرجل الذي يعرف سر العمل .. أبحثوا عنه إن كنتم أذكياء .. ابحثوا عنه .. إنه هنا .. في كل مكان ... إنه ذلك العربي الثائر الذي يحيل ليلكم إلى نهار ... وسباتكم إلى يقظة، وراحتكم إلى قلق مستمر، ونشوتكم إلى رجفة مميتة من ذكر اسمه.. ابحثوا عنه ابحثوا إن كنتم أذكياء ...

                                                        * * * 
  وارتفعت مشنقة في «تل أبيب» ..
وأعلنت نجمة قبة السماء تزين الليل ..  كل ليل، وتنير الطريق للعابرين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here