islamaumaroc

محمد بن إدريس العمراوي

  دعوة الحق

العددان 121 و122

تقديم
لقد كان هذا الاديب اسعد حظا من الاديبين :احمد الغزال، واحمد بن عثمان المكناسي، حيث تعرضت له مصادر متعددة بما فيه الكفاية وان لم نستطع ان نعثر في أي واحد منها على تاريخ ميلاده، ولعل هذا الاهتمام الذي لاقاه هذا الاديب الكبير راجع الى المكانة المرموقة التي استطاع ان يتبواها في سلم الحكم من جهة، وللمكانة الادبية الفائقة التي كان يتمتع بها، فد شغل منصب الكتابة وتفوق فيه، كما شغل منصب الوزارة واظهر فيه من الجلد والصبر ما عز نظيره عند غيره، وقرن له بالحجابة فقام بهما على الوجه الارضي، ومن لم ندرك السبب في الالقاب الفخمة التي كانت تسبغها عليه كل المصادر التي تعرضت له.

مكانته من خلال بعض مترجميه :
ويقول عنه صاحب الاتحاف(1) : "اديب شهير ناظم ناثر، امام الصناعتين وحامل لوائهما بدون مين، تزرى ببديع الزمان بدائعه واوابده، وتخجل الفتح بن حاقان رقائقه وفرائده". ويقول عنه صاحب فواصل الجمان(2) الاديب غريط : "بلغ السلطان مبلغ جعفر من هارون، وابن اكثم من المامون، وحل منه محل ابن ابي دؤاد من المعتصم". ويقول في الاعلام(3) نقلا عن رياض الورد : "رقيق الاشارات، حلو الحكايات له في النظم والنثر القلم الاعلى، والمورد الاحلى". ونقلا عن الحسام المشرفي "اديب الادباء. وانجب النجباء. من تتلى فضائله في مجالس الاقراء ومنابر التدريس" الى ان يقول : "الوزير الاقحم، وديوان الملك الاعلم، ومن ظهر حسن صبره على شدائده في حوادث الدهر ومكائده، وعرفة بعيب نفسه اوثق عنده من مع ابناء جنسه، منقبض عن العامة ومن يجانسها، ممتنع عن التكبر والتجبر مما يحاسنها، عالي الهمة متين الرحمة، بقاء النعمة على كنده، مقرون ببقائها على يده، وجريان الامور على مذهبه بحسب استقامتها بسبه، تحفة الحضرة السلطانية وما حواليها" (4).
اما ابو القاسم الزياني فقد ذكره في البستان، وعلى الرغم مما عرف به من كبرياء واعتزاز بالنفس وسلاطة لسان، فقد قال عنه : "واظنه يخلف السيد حمدون او يقرب منه" ثم يقول : "واظنه يخلف السيد حمدون او يقرب منه" ثم يقول : "وهؤلاء الثلاثة الذين ظهروا في دولة امير المؤمنين بعد حمدون والحوات، هذا ابن ادريس، واليازغي، واكنسوس وهذا ابن ادريس اعرفهم بالتاريخ لانه باشره معنا ايام تخريج ما فبدناه" (5) وكان ابن ادريس بالفعل يساعد الزياني في نسخ كتبه ما يقرب من ثلاث سنوات. وقد اصحاش عنه الى الاديب حمدون بن الحاج الى ان مات هذا الاخير، حيث عاد يستعطف الزياني للعودة لملازمته ويتوسط في ذلك لمختلف الشخصيات الى ان تم التصالح بينهما على يد الشيخ ابي بكر المنجرة، وهذه الحادثة نعلمها عن طريق الزياني نفسه، حيث انه كان لا يتورع عن المن بما كان يسدي لابن ادريس من معروف "فابيت لما ظهر لي من سوء صنيعه بعد انتفاعه بالاجر والاجرة، والمعروف التام هذه مدة من ثلاثة اعوام. وانا اعطيه خمسة اواق في كل يوم، ولا يخرج الا ممتليء الجراب من كل ما يدخل علي من فواكه الوقت وغلله".
وبدون شك فان اكنسوس الذي رافقه في ايم الدراسة والطلب وتوثقت عرى الصداقة الاخوة بينهما كان اكثر ممن تعرض للرجل معرفة به واطلاعا على مراحل حياته. ومن ثم كان ما كتبه في الجيش العرمرم اكثر تفصيلا وعن ذلك يقول : "مع ما كان بيني وبين الوزير المذكور من شدة الاتصال في زمن القراءة بسبب المناسبة الادبية الجامعة بين المتجانين، وسببه اني لما قدمت الى فاس اول مرة وذلك سنة 1229 وكنا نحضر معا عند الآزمي، وجدناه في باب الشهادت من المختصر فلما ختم انشد الناس في ذلك قصائد على العادة ومن جملة ذلك قصيدة اولها :
ختام الهوى قد فض منك بسره
                     فمالك تطوي الحب من بعد نشره
فكتب الى الوزير (ولم يكن آنداك وزيرا) يطلب نسخة منها بقطعة اولها :
ختام الهوى هام الحبيب بحسنها
                 الخ...
فتمكن من يومئذ بيننا وبينه حب روحاني بقضاء سابق سبحاني، واقتناء الفضائل والنفائس، واقامة الافراح والمنتزهات والمخاطبات والمساجلات والمباسطات، فمضت لنا من ذلك ليال وايام ارق واطيب من ايام ذي سلم بلا منغص الا سرعة زوالها"(6).
ومن خلال ما سقناه عن مصادر مختلفة تتصل بالرجل قيمته الادبية والعلمية، واقتداره الاداري ويبقى علينا ان نعرف شيئا عن نسبه ونشاته.

نسبه ونشاته :
لااحد ممن ترجموا لهذا الاذيب تعرض لتاريخ ولادته وذلك على الاقل فيما اطلعنا عليه من المصادر، وكل ما نعرف عن نسبه انه يرجع الى المولى ادريس. حيث يذكر صديقه اكنسوس انه وجد بخط يد المترجم محمد بن ادريس مكررا ثلاث مرات، فساله : "ماهذا التكرار؟ فاجابه ابن ادريس : "هكذا بخط والدي مرفوعا الى السيد محمد بن الامام ادريس بن ادريس ابن عبد الله الكامل. تكرر في عمو آبائنا تبركا بالجد المذكور. ثم قال : "فقلت لوالدي هذا النسب صحيح؟" فقال : "هكذا كان آباؤنا ينتسبون، وكانت عندهم ظهائر الملوك المتظمنة للتوفير والاحترام، وضاعت لهم في بعض الفتن الواقعة في باديتهم قبل انتقالهم لفاس"، ومنذ قيام مغراوة على الادارسة واختفاء هؤلاء في اغمار القبائل استقر اجداده ببني عمر ومن قبيلة زمور، ولا نعثر على التاريخ الذي رجع فيه اجداده الاقربون الى فاس فيما بين ايدينا من المصادر، ويقيدنا بعضها ان اباه كان يعلم الاطفال بكتاب يقع بدرب اللمطي من فاس، وانه كان ورعا، كثيرا ما ينوب عن امام مسجد الاندلس، ويحدثنا اكنسوس انه كان يقرا الحزب بالمسجد المذكور بين الظهرين، وكان والد المترجم من المشاركين في ذلك الحزب، فيغتنم اكنسوس الفرصة لتقبيل يده وطلب الدعاء منه.
واما عن نشاته، فان اول مرحلة نستقيها من اخبار هذا الاديب، هي التي كان ينوب فيها عن ابيه في الكتاب، وانه كان يقوم بنسخ الكتب ليبيعها بعد تسفيرها، ولا يتصرف في شيء مما يحصل عليه من مال، بل يقدمه كله لوالده، وانه كان ينيب عنه عمه في الكتاب ليحضر بعض الدروس بالقرويين، وبدون شك فانه لقن القرآن الكريم في كتاب ابيه الى ان حفظه، كما اخذ عنه بعض المتون.
ولما ورد اكنسوس فاسا سنة 1229 التقى بع عند الآزمي وكان في باب الشهادات من المختصر، فلما ختمه انشد الشعراء قصائد وكان اكنسوس من بين المنشدين، فاعجب ابن ادريس بقصيدة رفيقة وارسل اليه قطعة شعرية يطلب فيها نسخة من قصيدته المذكورة وقد المعنا الى مطلعي القصيدتين معا سابقا.
ولما انتهى السلطان مولاي سليمان من بناء الدارين اللتين بناهما بزقاق الحجر والرواح من فاس استدعى علماء المدينة واعيانها، كما حضر جمع من الطلبة كان من بينهم ابن ادريس الذي القى قصيدة بالمناسبة نالت استحسان الجميع، ولهج بها كافة الحضور، وطلع القصيدة :
حياك حياك رب العرش يا دار
                   ولا تحمل حماك الدهر اكدار
ولم يستطع اديب وعالم كحمدون ابن الحاج ان يكتم اعجابه اذ قال وهو يقدم نسخة من القصيدة للسلطان : "هذا نفس غريب في هذا الزمان ظهر قي ولد من اهل فاس. فامر السلطان لابن ادريس بمائة مثقال، ولكل واحد من الفقهاء بخمسين مثقالا، فما كان من ابن ادريس الا ان اسلم المائة مثقال كلها لابيه، وكان هذا القدر ذا اهمية كبرى على هذا العهد.
ويحدثنا اكنسوس ايضا ان ابن ادريس كان ملازما للشيخ مولاي عمرو العمراني وكان زاهدا تقيا عابدا، وكان صاحبنا يقوم على خدمته، سيما وقد كان لهذا الشيخ شان عظيم بين اهل زمانه، حتى ان السلطان لم يتمكن من زيارته الا خفية، كما ان اكنسوس اتخذ صديقه ابن ادريس واسطة لزيارة الشيخ المذكور، وكان هذا يدعو صاحبنا بالسلطان الصغير. وكثيرا ما كان يضربه بين كتفيه ويقول له : "لابد ان تدرك كذا وكذا" (7) ولما نال الخطوة عند السلطان كان يقول : "ما ادركت ما ادركت الا ببركة ولي الله تعالى مولاي عمرو

اساتذته :
واذا كنا نجهل تفاصيل طفولته وتعليمه، فاننا نعلم انه درس على بعض كبار العلماء في عصره، كالشيخ ابي عبد الله محمد بن الطاهر ابن احمد الحبابي رئيس الموقتين بمنارة القرويين، والفقيه الآزمي، وحمدون ابن الحاج، ومحمد اليازغي، ومحمد بن الطاهر العلوي، والطيب الكتاني وعبد القادر العلمي، ومحمد الحراق، كما استجاز الشيخ عمر بن المكي الشرقاوي(8)

ابن ادريس الوزير :
قدمنا ان ابن ادريس كان متصلا بابي القاسم الزياني، وكان ينسخ له بعض كتنبه في الدولة العلوية، وانه وقعت بينهما نفرة ادت بابن ادريس الى الانحياش الى حمدون ابن الحاج. وبوفاة هذا الاخير تم التصالح بينهما على يد الشريف ابي بكر المنجرة كما سلف. وكل من الرجلين حمدون، والزياني عمل على تقديم صاحبنا الى السلطان، فقد قدمه حمدون بمناسبة بناء المولى سليمان داري ولده كما اسلفنا، اما الزياني فقدمه الى المولى عبد الرحمن بن هشام ايام كان خليفة لعمه بفاس، ولما تقلد العرش جعله على راس كتابه، ثم رقاه الى الوزارة، فبرز في القيام بجميع المهام التي اسندت اليه حتى نال اعلى مرتبة في الدولة. وواجه كثيرا من المشاكل العويصة في الداخل والخارج، غير انه عزل سنة 1246هـ وامر بلزوم داره، ثم ادخل الى السجن وثقل بالحديد، وكان لزعماء قبيلة الوداية اليد الطولى في ذلك، حيث زعموا للسلطان ان الوزير وابعاده عن الحكم، وخرج لزيارة ضريح المولى عبد السلام بن مشيش بعد ايام من اطلاق سراحه، فوشى به الى السلطان بعض حساده مدعين انه لا يقصد الا الفرار ! فارسل السلطان في طلبه ليمتحنه امتحانا اشد من الاول، الى ان اشار عليه الشيخ مولاي الطيب الكتاني بالاعتصام بضريح المولى اسماعيل بمكناس، وكان السلطان مقيما بها آنداك، وكان في النهاية ان عفا السلطان عنه، واعاده الى سابق مهامه، واضاف اليها الحجابة، وتم له ذلك سنة 1251هـ ولم يزل على ذلك قائما به في منتهى الاخلاص والصبر، حتى انه كانم لا يغادر باب القصر الا لغرض اكيد، ولو في ايام العطل والاعياد، وايام العطل، فاذا افرغ من اشغاله نام هناك، اما بيته فلم يكن يذهب اليه الا في اوقات خاصة، وحجته في ذلك كما كان يقول "الايام حبالى لا يدرى ما تلد، فربما يحدث امر واكون غائبا" ويحكي عنه من عرفوه انه يسد مسد اربعة اذا اجتهدوا على انه الى ذلك كان لا يالوا جهدا في ادخال السرور على الكتاب بممازحتهم والتبسط اليهم. وصفة اخرى سامية كان يتحلى بها وهي الحلم، فقد حكوا انه اثناء الفترة التي امتحن فيها كان حاضرا بمسجد درب السعود في احد اوقات الصلاة حتى طال بالناس القعود، فقدموا ابن ادريس، غير ان الامام استشاط غضبا واخرجه من المحراب قائلا : "ان منكوب السلطان لا يؤتم به" فانصرف ابن ادريس بعد انتهاء الصلاة قائلا في نفسه : "لئن اقدرني الله عليه لاجازينه بحبسه، الا انه وهو سمع في طريقه طفلا يقرا الآية الكريمة "ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا" فدخل جامع الاندلس وصلى ركعتين، وعاهد الله على الاحسان لمن اساء اليه، ولما عادت اليه سلطته قابل اساءة المسيء بالاحسان، ولم يمسه باي اذى(9).

وفاته :
بقي ابن ادريس على تلك المناقب الى ان ادركته الوفاة سنة 1264 بعد ان مرض اثني عشر يوما. ويذكر مؤلف الاعلام نقلا عن الجيش انه كان لا يمر عليه شهر الا ويصاب بمرض "الحلاقم" حيث تنفجر له من الداخل بعد اسبوع، وان اكنسوس ارشده الى دواء من مرارة الدجاجة، فلم يعد اليه المرض.

ابن ادريس الشاعر :
يذكر صاحب الاتحاف ان للوزير ابن ادريس شعرا كالدر المنثور، وان ولده ادريس جمع نص بعض ذلك الشعر فكان في سفرين وذكر انه وقف على اولهما ويتنهي بحرف النون، متعرضا للاغراض التي يشتمل عليها الديوان "فجمع منها علالة بين امداح نبوية وتوسلات وهبية، وفوائد وعظية، وتيجان ملوكية، وحقائق سلوكية، ونسيب وغزل، وجد في المسامرات، وهزل، وقدمه هدية لمخدومه السلطان مولاي الحسن" وقد اورد الاستاذ عبد الله كنون في سلسلة ذكلريات ومشاهير المغرب (الوزير ابن ادريس) مجموعة جيدة من شعره، نضيف اليها بعض ما عثرنا عليه، ومن ذلك يقول من صدر ميلادية :
اعد الحديث عن الحمى وظبائه
                       فالسمع مشتاق الى انبائه
وصل الحديث عن اللوى وعقيقه
                      والنازلين الجذع من جرعائه
فهناك معترك النواظر والنهى
                      ومجال افراس الهوى وظبائه
كم من صريع هوى باقنية الحمى
                     فتكت عيون العيس في احشائه
ومتيم لعب الغرام بقلبه
                    لما سقاه الوجد من هبائه
وله من قصيدة يمدح فيها ابا القاسم الزياني ويعدد مؤلفاته
منى ينجلي ليل التهاجر بالوصل
                       ويرجع مجد الود منا الى الوصل
وتسعدني سعدى بروي جمالها
                     فقد اضجرتني بالتعلل والمطل
لقد طال عمر الصد بيني وبينها
                    ولا شطحت داري ذراها ولا رحل
عجبت لها تدني المريب لوصلها
                   وتقصي الذي اصفى الوداد عن الوصل
وتمنع حتى طيفها وصل حبها
                   وتزور عن رد السلام من البخل
الى ان يقول :
ابا قاسم قد فقت كل مؤلف
                  واحرزت في نبل العلا في غفل
والفت في كل العلوم سواطعها
                  مرونقة الالفاظ عادمة المثل
ثم يستمر في ذكر مؤلفاته وقد عدد منها اربعة عشر مؤلفا.
ويقول متشوقا الى فاس :
حنت لاحمال اثقال النوى عيري
                      فذكرتني اصوات النواعير
ياعيري حثي الخطى واستنشقي ارجا
                            من نحو فاس وان عز الخطا طيري
فما مقاهي بارض لا انيس بها
                           ولا شراب سوى ماء "الخطاطير"
ايه فما البعد عن ارض بها سكني
                          اهل الحضارة فيها والقناطير
في كل ارض بها ارض وساقية
                          فلا مجاز سوى القناطير
نلقى بها اوجها زانت نضارتها
                         مثل الدنانير في زي النواوير
والقطعة مثقلة كما يلاحظ بالمحسنات اللفظية
ومثلها قوله في الغزل :
ذكرت ريح الصبا عهد الصبا
                     فهوى الصب هواها وصبا
ما سرت الا وسرت قلبه
                      ونقت عنها العنا والوصايا
باكرت روض النقا واتشفت
                    من لمى ثغر الاغر الاشبنا
صافحت زهر اللواغب السرى
           واتت صبحا تشكي الوصايا
جررت ذيل ذلال سابغا
              وجرت طلقا باكناف الربا
شوشت اغصان بان عندما
             نازعتها برد خز وقبا
سلبت من كل نور نفحه
            وغدت تهدي الينا السلبا
ما هفت يوما على القوم وقد
                 سكنوا الا استطاروا طربا
وفي سحر الادب يقول :
وانفع النفثات السحريات رقى
                 يبثها قلم الانشاء في الكتب
واكبر السحر تاثيرا واصعبه
               سحر تولد بين الحبر والقصب
قاض على الكل مقبول وقد شهدت
              له المصاقع عند الحكم بالغلب
لم يهرم الدهر ما اثنى على هرم
               زهيرة وفنى ما نال من نشب
وكان الرجل خفيف الروح، لطيف الدعابة، وتروى عنه في ذلك طرف ونوادر، ومن ذلك مداعبته لفكه ظريف كان احد مؤنسي المولى عبد الرحمان، وقد مات له غلام يدعى بيدق، وجارية تسمى شويطرة. فقد نظم قصيدة فكاهية على لسان مؤنس السلطان جاء فيها ما يلي :
هي الايام تفجع بالمصاب
                وتمزج حلو نعمتها بصاب
تكدر بالمنية كل عيش
                وتولع بانتهاب واغتصاب
وتختلس النفوس ولا تبالي
                وتستلب النفيس ولا تحابي
رمت عن قوس نبعتها سهاما
                اتت من لم يكن لي في حساب
اصابت بيدقا ورمت جهارا
               شويطرة ولم تسفق لما بي
فهذا كان يتبعني نهارا
             وتلك خديمتي عند الاباب
فتحسن عشرتي وتقيم بيتي
              وتحرسه وتغسل لي ثيابي
وذلك كان يحفظ لي مغيبتي
                    وامتعني ويحرس حول بابي
وكان الصدق شانهما ولكن
                   جيوش الموت تولع بالرغاب
الى آخر القصيدة الحافلة برشاقة اللفظ ومزاح بريء في غير ما تبذل، وقد استثاره احد خصومه فنظم الابيات التالية :
الا ايها الرامي بسهم سبابه
                 على جهة التعريض لي في كتابه
رويدك عندي للسفيه مثالب
                ولكن اغض الطرف دون جوابه
رميت امرءا لا يعلق الذم ثوبه
                    وليس يحوم العيب من حول بابه
ولي لساني صارم الحد فاتك
                     بقد حشا المغتاب لي في قرابه
فان مضك الذم الذي انت اهله
                    فانت الذي احوجتني بجوابه
وان مزقت اسمال عرضك نفثني
                    فانت الليث في وسط غابة
نهيتك عن امر تبينت غيه
                   وقلت لك التوفيق عند اجتنابه
فآليت الا ترعوي لنصيحة
                  وزدت لجاجا في عظيم اغتيابه
اذ المرء لم يقبل نصيحة مشفق
                     ولم يتحرج من قبيح اكتسابه
فدعه واحداث الزمان تنوشه
                  سيطرقه من لم يكن في احتسابه
ومن قصيدة له ذات نفس عال في مدح السلطان مولاي عبد الرحمن وقد استهلها بالتغزل والوداع تم تخلص الى المدح :
عرضت لنا كالطيبة المغناج
                 تختال في حلل من الديباج
هيفاء فوق قضيب بان اطلعت
                  بدر التمام جليل شعر داج
ورنت بعين مهاة رمل اودعت
                    فتنا تنسي فتنة الحلاج
لضعيف ذاك الجفن صوله قادر
                   في العاشقين كصولة الحجاج
يشكو لليل الشعر مدمج خصرها
                  مامسه من ردفها المواج
والعين من فرط السقام شكت
                  لنا ما يشتكيه الخصر من ادماج
اعدى سقام جفونها جسمي كما
                 قلبي بنار الخد ذو انضاج
ان مت من طرف الغرام فقاتلي
                 غيد الغواني بكل طرف ساج
اصف الدواء لذي الهوى واظنني
               من لحظ عير العبر لست بناج
الى ان يقول :
المالك الميمون طائره ومن
                 حياه وجه  السعد بالافراح
ما عابد الرحمن الا رحمة
                 ظهرت محسم ضلاله وعلاج
والقصيدة ذات بنيان متين، ومعان على الرغم من قدم جدتها ففيها تهذيب وتشذيب.
ومن قوله مفتخرا بشعره :
سل الرواة عن نفثات شعري
                فكم ابران من قلب سقسم
وكم اظهرن جودا من بخيل
                  وكم اولدن من بكر عقيم
فان الشعر في التحقيق سحر
                كما قد جاء في الاثر الكريم
ولي في نظمه القدح المعلى
                 واسرار تغيب عن العليم
فانظم حين انظم رائعات
                  تفوق الدار في العقد النظيم
وارفع بالمديح مقام قوم
                 وان كانوا دوي اصل لئيم
واخمل بالهجاء مقام قوم
                وان كانوا ذوي قدر عظيم
ولي قلم له باس شديد
                يئلم حد حد الصريم
ويترك ضربة الاقران صرعى
              لدى الميمون بالضرب القويم
وابدع في التغزل حيث قال :
الا خبروا ذات الخلاخل والقرط
                         باني ملك للجمال بلا شرط
لقد اودعت قلبي وربك لوعة
                      غداة غد بين الوشاحين والمرط
تميس كخوط البان غازله الصبا
                      وتسفر عن بدر وتفتن عن سمط
رمتني بسهم الغنج عن قوس حاجب
                       فاصمت فؤادي المستهام ولم تخط
وما كان بدء الحب الا بنظرة
                   وتبتديء النيران من ضرم السقط
عجبت لها مذ ورد الحسن خذها
             وزينه كف المحاسن بالنقط
وحلت بقلب المستهام واهلها
            بذات الغضا ما بين نعمان والسقط
واذا كان لنا من حكم نحكم به على هذا الشاعر الفحل، فاننا يتبين لنا من خلال ما اطلعنا عليه من شعره، انه يوغل لنا من خلال ما اطلعنا عليه من شعره، انه يوغل احيانا في استخدام المحسنات اللفظية حتى لنخاله من مدرسة ابن الخطيب وابن زمرك، في حين ليخيل لنا انه غرف مع شعراء فجر النهضة من مورد واحد. وان عملية التنقيب ولا كتشاف لادبنا في مختلف اطواره في انتظار كتابة تاريخ جيد له تنبيء عن اننا لسنا اقل من غيرنا في المجال الادبي شعرا ونثرا. وان مختلف الاحكام التي يزيجها البعض لا تثبت امام النقد المتبصر الواعي الصادر عن دراية واسعة ودراسة متانية. واذا كان هذا ليس مجال الاعتراض على تلك الاحكام فان الذي نبه اليه امثال هؤلاء هو ما يلي : امن الانصاف ان تعدو بعض الظواهر من عيوب الشعر المغربي بينما تغضون الطرف عنها في غيره؟ يقول بعضكم "انه في معظمه شعر مديح" وتنسون ان شعراء مصريين وغير مصريين من نفس العصر، وربما بعده مدحوا وافاضوا في المديح، الم يمدح البارودي "الم يمدح شوقي وحافظ وغيم والمهندس ؟
هذه واحدة، واخرى وهي ما ينبغي ان يتسم به الناقد الدارس من تجرد ومحاذرة الوقوع تحت تاثير بعض المقاييس الجديدة في النظر الى شعراء وادباء كانوا ينظمون ويكتبون تحت تاثير عوامل ومقاييس التي يحكم بها عليهم، وعملية التجرد والمحاذرة هذه تحتاج الى نضج ويقظة بالغين.
واخيرا يبقى علينا ان نقدم ابن ادريس الناثر، وهذا ما يحتاج الى دراسة خاصة سنبرزها حين تتوفر لذلك الاسباب والامكانيات.

(1) الاتحاف ج 3 ص 189
(2) ص 41
(3) الاعلام بمن حل مراكش واغمات من الاعلام لعباس بن ابراهيم ج 5 ص 273
(4) نفس المصدر ص 278.
(5) نقلا عن المصدر السابق ص 273.
(6) عن الاعلام ص 265
(7) الاعلام ص 277.
(8) الاتحاف ج 3 ص 194.
(9) فواصل الجمان ص 42
(10) الاتحاف ص 194.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here