islamaumaroc

وصية والد صالح… إلى ابن بار..

  دعوة الحق

120 العدد

ألقى صاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس في يوم الاثنين متم قعدة عام 1375 الموافق 9 يوليو عام 1956 خطابا رائعا بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لمولد جلالة الملك مولانا الحسن ، ولأهمية هذا الخطاب القيم ، ولما احتوى عليه من درر وغرر، وحكم بالغة ، فإننا نتشرف بإدراجه في هذا العدد الخاص بذكرى سيد البلاد مولانا الحسن الثاني بمناسبة بلوغه حفظه الله سن الأربعين.                          


الحمد لله وحده
يابني:                                                                                       
في هذا اليوم الزاهر الزاهي الذي تحتفل فيه الأمة المغربية بذكرى ميلادك وقد أظهر الله عليك نعمته فاهتزت الأقطار لهذه الذكرى اهتزازا ، وحج الناس إليك أفواجا ، وقد أبى الله يا بني إلا أن تولد في أوائل عهدنا ، يوم اعتلينا عرش مملكتنا السعيدة ، وتولينا تدبير شؤونها في عهد احتدم فيه الصراع بين الحق والباطل ، وتأججت شرارة الكفاح ما بين مستعبد وشعب مناضل ، ويأبى الله إلا أن يكون أول احتفال بعيد ميلادك في عيد أضحى فيه الحق أبلج والباطل لجلج ولقد عاهد الله والدك أن يحارب في واجهتين ، فكان يكافح لاسترجاع حرية البلاد ، ويعمل في آن واحد لتربية أبنائه وبناته وفي مقدمتهم أنت يا بني لتكون نموذجا للجهاد. 
                  
يابني :                                                                                       
لقد اخترت لك من الأسماء ( الحسن) لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد وليكن لك في جدك المولى الحسن خير أسوة وأعظم قدوة ، فلم تكد تطل على السادسة من عمرك حتى قدمتك للمعلم ليلقنك آيات القرآن ، ليغرس في قلبك الطاهر الفتي ، حب الدين وعزة العروبة والإسلام ولما ترعرعت يا بني اخترت بقاءك تحت سماء المغرب ليتم تكوينك الثقافي في بيئة مغربية فبنيت لك مدرسة خارج القصر ليتربى فيك الاعتماد على النفس فحرمتك من مجاملة الخادمات ، وحنان المربيات ، حتى تزدهر شخصيتك ، وتصبح عصاميا بارزا ، قبل أن تكون أميرا ، ثم أحطتك برفقاء من مختلف كبقات الشعب أنني كنت أريد أن أعدك إعدادا منتزعا من بيئة بلادك فكنت أحرص أن يعاملك رفقاؤك كباقي إخوانك التلاميذ تقارعهم الحجة بالحجة ، فلا يخضعون لك إلا بقدر ما تبديه من تفوق ومعرفة ، وهذا ما كنت أرجوه من المدرسة المولوية ، انعزال عن القصر واعتماد على النفس ، وخوض معترك الحياة ، لقد سهرت يا بني على بناء المدرسة وبرامج التعليم وكنت المفتش فيها والمراقب ، وكنت أفاجئكم في الدروس وأحيانا بالليل  فكنت تقوم وتسرع إلي باسما مبتهجا ، كما أني كنت أراقب دفاتر واجباتك فأجازيك إذا تفوقت وأعاقبك إذا قصرت ولكن والحمد لله قلما كنت متأخرا.  
                                     
يا بني :                                                                                      
لقد كنت صارما مع الأساتذة وكنت ألح عليهم أن يعودوك الطاعة والامتثال ، وأن لا يتساهلوا معك وألا يحترموا فيك إلا القيم الإنسانية المجردة وما أفاء الله عليك به من ذكاء وعلم  وأدب وعمل وكان غرضي أن تتعلم الطاعة لتعرف في يوم من الأيام كيف تملي أوامرك أن من تلقى الطاعة جيدا أملاها جيدا.    
                                                                 
يا بني :
لقد كنت مدققا وملحا في أن يسود النظام حياتك كما كنت حريصا على أن أنسيك جو الملك والإمارة لأمتعك بحنان الأب الرؤوف غير أنه يا بني سرعان ما أدركت منذ صباك هاته المعاني فكنت تكد وتجتهد لكي تتمتع دائما برضاي وكانت غايتي يا بني أن أجعل منك ومن رفقائك نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه الشباب المغربي وقد شاءت عناية الله جلت قدرته الذي يقول : " إن يعلم الله في قلوبهم خيرا يوتكم خيرا " إن تحقق رجائي فقد حصلت يا بني على النتيجة ورفقاؤك اليوم يتحملون في حكومة المغرب المستقل مسؤولية كبرى منهم الأطباء والمحامون وكبار الموظفين.  
                                                                
يا بني :                                                                                      
لقد حرصت أن أجمع لك بين أطراف المجد وأن أمكنك من فضيلة القديم والحديث فأبيت إلا أن يكون تعليمك مزدوجا فلقد درست لغتك العربية ودينك الإسلام وكرعت من معين المعرفة والعلوم القديمة والحديثة حتى ارتويت لتعود قادرا على معرفة ما يجري حولك في العالم وتصبح رجل القرن العشرين الواعي العارف المطلع وكنت إلى ذلك يا بني أحرص على التناسق في ثقافتك أني أعلم أن مشكلة العصر هي التشبث بالقديم وحده أو الافتتان بالجديد وحده وكنت اجعل من مدرستك مخبرا لخلق هذا التناسق بين القديم والجديد.  
                      
يا بني :                                                                                      
لم أعتن بتثقيفك فحسب بل كنت أدربك على تعليم الإسلام واحترام أوامره وإقامة شعائره كما كنت ألقنك كيف يجب أن تعامل أباك وإخوتك وشعبك والناس أجمعين وهكذا نشأت يا بني للكبير محترما وللنظير أنيسا وملاطفا وعلى الصغير رؤوفا حنونا تصل الرحم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر. 
                                                                    
يا بني :                                                                                      
إن والدك يؤمن بأن قيادة الأمم وتسيير الدول فن قائم بذاته فلا يكفي فيه التعليم والتربية وحدهما بل لا بد من تكوين عملي يومي مباشرة يخرج من القلب فيصل إلى القلب فأعددتك مواطنا مغربيا قبل إعدادك أميرا فقد كنت أقص عليك تاريخ بلادك ومواقف أجدادك كما كنت ألقنك معنى المواطنة حتى تؤدي ولاية العهد التي أنطناها بك واحرص على أن تؤمن بالواجب الوطني والصالح العام وكنت أدفعك لتتعمق في قيم معنى الشعب لتخدمه الخدمة الصادقة.   
  
يا بني :                                                                                      
لم تكن غاية والدك الذي يحبك ويصطفيك إلا إعدادك الإعداد الصحيح وقد شاءت عناية الله يا ولدي أن تنجح في جميع مراحل حياتك حتى إذا أصبحت رجلا وجدت فيك خلال الأزمات التي مرت علينا المشجع والمعين والأنيس الأمين فكانت مذاكرتي معك تصابرا واطمئنانا وكانت مناقشتنا يقينا وإيمانا فعندما تدلهم الخطوب وتشتد الأزمات وقد أحاط بي المغرضون من كل جانب أخلو إليك في القصر فأجد في حديثك إيمان الشباب ، وأمل الشباب ، وأرى بأن المستقبل زاهر وسعيد وفي المنفى يا بني بفضل تربيتك الصالحة لم نكن نشعر بالإبعاد والإقصاء من الأوطان ، وإنما كنا نعد أنفسنا في خلوة نعد فيها برامج مغرب الغد لتحقيقها بعد عودتنا وإلا فنكون قد تركنا رسالة وبرنامجا لشعبنا الوفي والآن وقد عدنا يا بني أشهد لك أمام شعبك بأنك جابهت المحنة أنت والأسرة كلها بإيمان الواثقين بمستقبل بلادهم ، والمكافحين المستميتين في سبيل وطنهم وأن من أغلى أمنياتي أن تنشر يوميات المنفى في يوم من الأيام ليرى أبناء الشعب كيف أن التكوين الصحيح يتغلب على كل الصعاب ويقبر الأزمات.   
                        
يا بني :                                                                                      
لست أنسى عطفك وبرك وإحساسات الابن البار يوم حلقت بنا الطائرة إلى المنفى ولم يبق هناك ملك ولا أمير ، وإنما هناك العطف والتجاوب بين الأب والابن كنت أشعر يا بني أنك تريد أن تتقمص الألم وحدك ، وكنت تحاول أن تحل داخل نفسي لتتحمل سياط الألم والفراق وحدك ، وكنت أنظر إليك باسما راضيا ن وعرفت وأنا في الطائرة أن الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء قد أتت أكلها بإذن ربها ، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، فكنت يا بني رئيس العائلة المسؤول عليها تحاول أن تتحمل الأثقال وحدك ، وتتغلب على المشاكل وحدك ، وكنت وإخوانك وأخواتك والأسرة كلها صابرين ثابتين متجلدين ولعبتم دوركم التاريخي فأعجب بكم العدو والصديق وكان الناس يحترمونكم ويعجبون بكم وذلك كله بفضل التعليم والتربية والتكوين ، فلم نكن في المنفى نشعر بيأس ولا بألم ولا بضيق بل لم نكن نفكر في الزمان ولا في المكان الذي حولنا ، وإنما كنا نعد ونستعد للمستقبل ، وتوج الله هذا المنفى بازدياد أنيس عزيز هي آمنة تلك الابتسامة التي طلعت من مدغشقر فالا حسنا وبشيرا يخبر بأن المستقبل سعيد.

يا بني :
قل للشباب إن الجيل الحاضر كافح في سبيل الاستقلال ، وعليهم أن يتابعوا الكفاح بتثبيت هذا الاستقلال و لازدهار البلاد ورفاهيتها وتقدمها في عهد الاستقلال.

يا بني :
إن مهمتك خطيرة فيجب عليك أن تزداد من العلم والمعرفة يجب أن تدرس الأفراد أن تعرف الشخصيات، وقل يا بني دائما .رب زدني علما ، فكلما تعلمت ، وكلما اتسعت معرفتك ظهرت أمامك أرجاء محيط العلم الفسيحة فالعلم له بداية ، وليست له نهاية ( فاطلب العلم من المهد إلى اللحد).

يا بني :
أقم الصلاة ، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور.

يا بني :
في هذا اليوم التاريخي الخالد يوم ذكرى ميلادك أيها الحسن لا شك أنك ستتلقى من إخوانك وأخواتك وأسرتك وأصدقائك هدايا.
أما هديتي إليك يا ولدي في هذا اليوم ، فهي رضاي الدائم ، ولك من والدك أبرك الدعوات ، وأقدس التهنئات. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here