islamaumaroc

من ملامح الثقافة المغربية في العقود الأربعة الأخيرة

  دعوة الحق

120 العدد

لا أعتقد أني أعدو طور الحقيقة إذا قلت بأن المملكة المغربية عرفت خلال العقود الأربعة الماضية تطورا كبيرا شمل مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وازدهار محمودا عم سائر القطاعات، وبعثا جديدا شهدته الحياة الوطنية في بلادنا بعدما مضى عليها قرون طوال كانت تغط أثناءها في نوم عميق بعدما عاشت في معزل عن العالم وهي قابعة وراء حدودها ، متسترة في ظل أنظمة اجتماعية وسياسية وعسكرية متداعية وراضية عن نفسها بنفسها ، ومقتنعة باجترار حضارة متقادمة وثقافة أخنى عليها الدهر رغم ما قدمته بلادنا في عهد ازدهارها من خدمات وما أسدته في أيامها الزاهرة الماضية من جليل الأعمال ، وما كونت من صالح الرجال.                                                                                 
وقد استطاعت بلادنا رغم هذه الأوضاع الجامدة أن تحافظ على سيادتها الوطنية وشخصيتها المغربية وذاتيتها القومية بفضل يقظة أبناءها الأشاوس وأبطالها الميامين ، وجنودها المغاوير، وبفضل العائلة الملكية التي بذل أفرادها قصارى الجهود للحيلولة دون الوقوع في شرك الاحتلال رغم ما كان يهدد البلاد من أخطار سواء من الأقطار الشرقية المجاورة أو من البلدان الأوربية المحاذية لشمال المملكة. 
                                                                       
وإذا كانت الحماية الفرنسية بداية لكفاح طويل مرير في سبيل استرداد الحرية والاستقلال لهذا الوطن فقد كانت كذالك مرحلة حاسمة التقت فيها بلادنا بحضارة العالم الحديث وصارت تأخذ بأسباب النهوض والتطور حتى تسترجع المكانة التي كانت تحتلها في الأزمان الغابرة يوم كانت الدول المغربية تمتد من المحيط الأطلسي إلى بلاد تونس ومن الأندلس إلى نهر السنغال، وتستعيد الدور الطلائعي الذي كانت تضطلع به في تاريخها المجيد وماضيها المشرق الوضاء عندما كانت أنوار المعرفة تشع من بلادنا على أجزاء كبيرة من هذا العالم بفضل جامعة القرويين من جهة و بفضل المجالس العلمية التي كانت تعقد في قصور الملوك والأمراء والوزراء بمراكش وفاس ومكناس والرباط وسلا وسبتة أعادها الله إلى حظيرة الإسلام . ومن معشر المثقفين ، لا يتذكر الندوات والدروس والمناقشات الفلسفية التي كانت تجري في مختلف ربوع الإمبراطورية المغربية والتي شهد قسطا وافرا منها علماء أفذاذ أمثال ابن طفيل وابن رشد وابن خلدون وابن الخطيب وغيرهم من خيرة العلماء والفلاسفة والمؤرخين الذين يفتخر المغرب بعلومهم كما ينوه العالم كله بمقامهم العلمي إعجابا وتقديرا، وإكبارا وتبجيلا؟                                               
ومن المعلوم أن نظام الحماية كان يرمي إلى طمس معالم الشخصية المغربية أكثر  مما يهدف إلى الإصلاح والتثقيف ويعمل لاستدرار الأموال واستيطان أبنائه من الأجانب أكثر مما يعمل على ازدهار اقتصاد بلادنا وتطوره.                                                                 
وقد أدرك رجال الحماية أن أول عمل يمكن أن ينبني عليه وجودهم في قطرنا هو القضاء على الوجود المغربي بواسطة إثبات ثقافة أجنبية تحل محل الثقافة المغربية والمقومات الوطنية التي تتكون منها ثقافتنا. وهكذا عمد رجال الحماية ومن يدور في فلكهم إلى محاربة الكتاتيب القرآنية والمعاهد الدينية والدروس الحرة التي كانت تحفل مساجدنا بحلقاتها النيرة ومجالسها العلمية ، وتبعا لهذا العمل الهدام حاول الفرنسيون تركيز ثقافتهم في مدارس عصرية تعلم النشء المغربي مختلف أنواع المعرفة من لغة ، وأدب ، ونحو ، وتاريخ ، وجغرافية ، وعلوم رياضية ، وكيميائية وطبيعية ن وفيزيقية وتلقنهم مبادئ في التربية الوطنية وغيرها ولكن هذه العلوم كلها رغم صلاحيتها التي لا ينكر قيمتها إلا جحود مكابر، كانت تؤدي بلغة أجنبية من جهة وتبث في روع أبناء البلاد معارف لا تتصل بوطنهم ودينهم ومقوماتهم ، فقد كانت هذه المواد المقررة غريبة عن كياننا الوطني وذاتيتنا القومية لأنها كانت تتعلق بجغرافية فرنسا وتاريخها وأدبها ولغتها ونحوها بل إن الطفل والتلميذ والطالب المغاربة كانوا يتلقون تاريخ الأمم والشعوب كلها باستثناء تاريخ بلادهم وجغرافيتها وتشريعها ولغتها. وحتى إذا تفضل هؤلاء الأجانب " الحماة " بتلقين بعض مظاهر الحضارة المغربية فإنهم كانوا يحتالون لإدراجهم ضمن برنامج محدود يشمل الأقطار التابعة للنفوذ الفرنسي ولا يتعدى نطاق حصتين أو ثلاث في السنة الدراسية إن لم يكن ذالك طيلة طور كامل من أطوار الدراسة.                                                      
وإن أكبر دليل على ذلك هو هذا الرصيد الناقص الذي تلقيناه نحن الشباب المغاربة الذين درسنا بهذه المدارس والمعاهد التي كانت تخصص لنا إذا كنا نفضلها على المدارس والثانويات الفرنسية التي كان المستعمرون يتغنون في إقامة صروحها ويبدعون في وضع هياكلها الهندسية لتخلب الأبصار وتسلب عقول الأغمار ويحكمون وضع برامجها وأنظمتها .                            
ولونا أن الله  من علينا- نحن أبناء الرباط بمعهد جسوس ووفق آباءنا لتحمل مصاريف دراستنا به لخرجنا،كما خرج غالبية أبناء جيلنا ، إلى ميدان العمل ونحن لا نحسن حتى التكلم باللغة العربية والتخاطب بيننا بواسطتها.                                                                      
أما المعاهد الثانية التي تابعنا بها دراستنا فلم تكن تحظى فيها الدروس العربية التي تتعلق ببلادنا لا بحصص ضئيلة وفق برنامج محدود يندرج ضمن البرامج العامة المقررة.                    
ولا أدري إلى ماذا كان يؤول مصير الثقافة المغربية في هذه البلاد لو لم يهب الله لها ملكا وطنيا مصلحا شعر منذ اعتلائه على العرش أن أول عمل يمكن أن يقوم به لتحسين أحوال الرعية وإصلاح البلاد وتهيئ أسباب تحررها واستقلالها هو الاهتمام بالتربية والثقافة وتكوين جيل مغربي صالح شاعر بمقومات بلاده مقدرا واجباته في الدفاع عنها والذود عن كيانها الوطني. وقد وجد هذا الملك الصالح في فئة من الشباب الواعي الذي كان يعمل في الخفاء لاسترداد حقوق البلاد في السيادة والكرامة سندا قويا ساعده على إدراك نوايا " الحماة " الحقيقية وأعانه على إيقاظ الشعب المغربي من سباته وتوجيهه نحو الكفاح في سبيل الحفاظ على مقوماته وصيانة كيانه من عبث المستهترين.                                                                              
وهكذا كان تربع جلالة الملك الراحل محمد بن يوسف على عرش البلاد فاصلا بين عهد الخضوع والاستسلام للحماية الأجنبية وعهد الانطلاق والانبعاث سعيا وراء إصلاح الأوضاع الاجتماعية وتحسين أحوال الشعب حتى يدرك ما يهدده من أخطار وما يحاك له من دسائس.                
وهكذا دخل المغرب منذ هذا التاريخ في صراع متواصل وكفاح مستمر يهدف إلى فرض الشخصية المغربية عن طريق العمل السياسي وإثبات وجودها بواسطة بعث الثقافة المغربية التي أخذ الواعون من أبناء الشعب يجدون في الاهتمام بها وتركيز معالمها بوسائل مختلفة وطرق متعددة تتمثل في مضمار التربية والتعليم تارة وفي إحياء تراثنا الثقافي ، وإعداد الدراسات والأبحاث التي تؤكد مظاهر الحضارة الوطنية تارة أخرى.                                      
وقد شاء القدر أن يكون حضرة صاحب الجلالة والمهابة الملك المعظم الحسن الثاني نصره الله مثالا حيا لهذا الصراع الذي احتدم بين أنصار الشخصية المغربية الذين كان يتقدم صفوفهم جلالة الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله وقادة الحركة الوطنية وبين خصوم الوجود الوطني الذين كان يعزز نفوذهم سلطات الحماية وأذنابها.                                                     
فقد أبى محمد بن يوسف إلا أن يكون ولي عهده وسائر الأمراء والأميرات الكرام قدوة للشباب المغربي المثقف ثقافة وطنية تجمع بين مقتضيات التطور الحديث وأساليب الدراسة الجديدة من جهة وبين الاغتراف من معين ثقافتنا الوطنية الأصيلة ومقومات الحضارة المغربية العهيدة من جهة ثانية.                                                                                     
وإذا كان تأكيد الذاتية المغربية قد تم في حقل التربية والتعليم من طرف الملك الراحل في شكل بناء المدرسة الملكية التي كان أصحاب السمو الملكي يتلقون فيها العلم والعرفان رفقة نخبة من أبناء الشعب وفي تشييد عدد كبير من المدارس الحرة التي كان الملك المرحوم أو ولي عهده المحبوب يقوم بوضع حجرها الأساسي أو تدشينها وتبرع جلالته من ماله الخاص لإقامة صروحها وتيسير طرق الإنفاق لتسييرها فإن محمدا الخامس وسمو ولي عهده قد بذلا جهودا جبارة لتركيز الثقافة المغربية في البلاد رغم النفوذ الأجنبي الذي كان غلاته لا يترددون في اللجوء إلى أساليب العنف والإكراه لطمس معالم هذه الثقافة وإحباط جميع المساعي الملكية والشعبية الرامية إلى إثباتها .                                                                   
وتتجلى هذه الأعمال الجليلة في الإصلاحات العديدة التي أدخلت على التربية والتعليم بغية إعطاء الحضارة المغربية المكان اللائق بها في البرامج المقررة بالمدارس الرسمية والاهتمام بشؤون المعاهد الأصلية لجامعة القرويين التي كانت تحظى دائما باهتمام خاص من ملوك الدولة العلوية والتي عمل جلالة الملك الراحل على تنظيمها تنظيما عصريا محكما وعين على رأسها الأستاذ محمدا الفاسي الذي يعد من خيرة رجال العلم والثقافة في هذه البلاد. وتتجلى هذه الجهود أيضا في المحاضرات الدينية التي كانت تلقى بالقصر الملكي والتي شارك فيها علماء أجلاء نذكر من بينهم العلامة سيدي المدني بن الحسني والشيخ أبا شعيب الدكالي والفقيه محمد ابن العربي والفقيه محمد بن الحسن الحجوي. وقد خص جلالته الأدباء والكتاب والشعراء بعناية خاصة ورعاية فائقة تتمثل في تشجيعهم على أداء رسالتهم المقدسة وإعانة المجلات والمنشورات الثقافية التي كانت تفتقر إلى مساعدات مادية ومعنوية لمواصلة عملها كما دعا بمناسبة عيد العرش إلى تنظيم مباريات أدبية يشارك فيها رجال العلم والبحث والأدب للإشارة بالحضارة المغربية وإبراز أهم الأحداث التي تتعلق بملوك الدولة العلوية والتي كان لها الأثر البالغ في إثبات الشخصية المغربية والدفاع عن سيادتها الوطنية. 
                                                                               
وقد عين صاحب الجلالة المرحوم محمد الخامس لجنة ملكية تسهر على دراسة الإنتاج الذي يشارك به أصحابه في هذه المباريات وإعطاء الجوائز السنية لأرباب المواهب والعبقريات الفذة التي تتفتق في هذه المناسبات الوطنية التي لا يبالغ المرء إذا قارنها بالأسواق الأدبية التي يعرفها تاريخ الأدب العربي كعكاظ والمربد وغيرهما.                                                  
وإن من أهم الوثائق الأدبية والتاريخية التي تعتز بها الثقافة المغربية خطب العرش التي كان يلقيها الملك الراحل محمد الخامس والتي يشنف بها لسماع المواطنين جلالة الملك الحسن الثاني أن هذه الخطب عبارة عن دور أدبية يتحلى بها جيد النثر العربي في هذه الديار نظرا لوضوح معانيها وسلاسة تعبيرها وصدق لهجتها وصفاء نية أصحابها.                                   
ومما كان يتميز به عيد العرش في العقدين الأولين من هذه العقود الأربعة الخطب التي كان  يلقيها صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل مولاي الحسن والتي كانت بمثابة رد الأمة جمعاء على الخطاب الملكي. فلقد كان ولي العهد الناطق الرسمي بلسان المواطنين المغاربة ، والترجمان المعبر عما يختلج في نفوسهم من آمال عظام وأمان جسام ، والمعرب الأمين عن تعلق الأمة المغربية بعرشها وجميل اعترافها بالأيادي البيضاء التي يسديها لها قائدها الهمام ، والمجدد للعهد باسم رعايا جلالته لمواصلة الكفاح إلى النصر النهائي الذي وعد الله به عباده المتقين ، وقد نقل هذه المعاني شاعر مغربي كبير هو الأستاذ علال الفاسي حينما قال في إحدى ق صائده متحدثا عن المهرجانات التي جرت العادة بإقامتها داخل القصر الملكي بمناسبة عيد العرش.
وأرى وفود الشعب حولك خشعا
      وخطاب عرشك فيهم متناثر 
وولي عهدك ناطق بلسانهم 
      ومعبر عما يكن الخاطر

ومما لا مراء فيه أن الخطاب الذي ألقاه الملك الراحل في سنة 1947 بمدينة طنجة كان عاملا حاسما في تحديد آفاق الثقافة المغربية إذ أكد جلالته فيه صلة بلادنا الروحية بالجامعة العربية وانتسابنا الطبيعي للعالم العربي الذي يجمعنا به أواصر الدين والتاريخ واللغة وهكذا تحدد منذ ذلك الحين قالب الثقافة المغربية التي تأخذ معينها أكثر من لغة القرآن الكريم وأصولها الثمينة من بلاد العرب ووضع حد للمحاولات الاستعمارية التي كانت تهدف إلى الزج بنا في إطار حضارة غربية غريبة الوجه واليد واللسان كما كان يحلو للمتنبي أن يقول .   
                                                                                      
ولم يكن اهتمام جلالة الملك محمد الخامس بموسيقانا الوطنية يقل عن اهتمامه بمظاهر الحضارة المغربية الأخرى، فكان رحمه الله يرعاها ويقرب إليه رجالها بل أدى به الولوع بهذه الموسيقى إلى تأسيس جوق ملكي كان يتحف أسماع الزائرين في الحفلات والاستقبالات الرسمية بأعذب الألحان الوطنية وأشجى الأنغام القومية التي تزخر بها الموسيقى الأندلسية وطرب الملحون والطرب العصري. وقد وجد رجال الفن الموسيقي من جلالة الملك الراحل وولي العهد ءانذاك كامل العناية وفائق الرعاية مما جعل هؤلاء الموهوبين يتوفقون في تلحين أعذب القطع الحية والتغني بأحسن الألحان وإعداد أناشيد وطنية أبدع أخونا الأستاذ أحمد البيضاوي في تلحينها وغنائها. وقد أثرت هذه الألحان والأناشيد الشجية في المواطنين حتى أصبحوا يرددونها في الحفلات والأعياد الوطنية منها والدينية الرسمية منها والعائلية. ومن منا يستطيع أن ينكر التطور الذي عرفته هذه الموسيقى في العقود الأربعة الأخيرة بعدما كانت جامدة هادئة رتيبة لا تعرف تجديدا ولا تنوعا ؟ ويكفي أن نذكر أسماء الموهوبين المقتدرين السادة : أحمد البيضاوي وعبد القادر الراشدي وعبد النبي الجراري وعبد الوهاب أكومي الذين برزوا في هذه الحقبة بالإضافة إلى رجال موسيقانا الأندلسية وأصحاب الملحون وغيرها من أنواع الموسيقى لثقف على الأشواط البعيدة التي قطعتها موسيقانا المغربية في ميادين النظم والتلحين والغناء والأداء بفضل العطف المولوي الذي خصها به جلالة الحسن الثاني العظيم بعد والده المنعم وفي حياته.                
وقد واصلت الثقافة المغربية سيرها في سبيل التطور والنمو بفضل العناية الخاصة التي أحاطها بها قائدنا الملهم الحسن الثاني الذي لم يكتف بتشجيع المثقفين ومساعدة المؤسسات الثقافية بل انغمر بنفسه في حلبة الصراع القائم من أجل إثبات مقوماتنا الوطنية وتسلم المقود بنفسه ليوجه السفينة إلى الشاطئ المقصود بعدما حدد الأهداف ووضع الأسس وسهر على إعداد التخطيطات والوسائل الكفيلة بتحقيق نهوض ثقافي يشمل مختلف مظاهر الثقافة في هذه البلاد.               
وقد برزت إلى الوجود بفضل التعليمات الرشيدة لجلالته مؤسسات ثقافية عظيمة كان لها أكبر الأثر في توجيه الثقافة المغربية وإظهار معالمها أذكر منها على الخصوص الخزانات الملكية والمطبعة المولوية التي ساهمت في إصدار عدد من الكتب والوثائق والمخطوطات النفيسة التي سهر الأستاذ السيد عبد الوهاب بنمنصور على تحقيقها وإخراجها بأمر من جلالة الملك المعظم  والمركز الاجتماعي للبحث العلمي الذي قام منذ تأسيسه إلى اليوم بنشاط ثقافي ملحوظ يتجلى في الجمعيات المختصة التي كان يحتضنها ويشجعها كجمعيات تاريخ المغرب والعلوم الاجتماعية وينظم الندوات العلمية والمحاضرات الثقافية كما يتجلى هذا النشاط في إصدار كتب جليلة تتطرق لمختلف جوانب الحضارة المغربية وإحياء التراث الوطني ونشر المخطوطات والوثائق وتحضير الملتقيات الأدبية التي يتدارس فيها رجال العلم والمختصون في مختلف ألوان المعرفة قضايا عديدة ذات طابع علمي أو فني أو حضاري وتبني مجلات راقية كالبحث العلمي والنشرة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب وجغرافية المغرب وغيرها .                                  
وإذا كنا نتأسف للنهاية المؤسفة التي عرفها هذا المركز الجامعي للبحث العلمي بعد انقسام اختصاصات وزارة التربية ونشوء وزارة الثقافة فإننا نأمل أن تراجع وضعيته حتى يعود لنشاطه الهادف الذي كان يجمع في وئام والتحام بين ميادين العلوم والتقنيات ومضمار الحضارة والأدب  الأمر الذي كان يسمح لبلادنا بمواكبة الأحداث العلمية والتطورات التقنية والاكتشافات الحديثة والتجارب الطارئة.                                                                             
وقد توبع وضع هذه المؤسسات الثقافية بتأسيس وزارة للدولة تتعهد الشؤون الإسلامية يرجع الفضل إليها في إصدار عدد من المؤلفات القيمة والمراجع الفقهية الثمينة ومجلة ثقافية محترمة " البينة " زخرت بالدراسات الإسلامية والأبحاث التاريخية والاجتماعية المفيدة. وقد كان لهذه الوزارة ... السبق في تبني فكرة إحياء الدروس الحديثية التي نادى بها صاحب الجلالة والتي أصبح جلالته يرعاها ويترأسها بنفسه خلال شهر رمضان في أول الأمر ثم ما عتمت هذه المحاضرات الدينية أن صارت تنظم بأمر من جلالته في الخميس الأخير من كل شهر زيادة على الدروس التي كانت تلقى في شهر رمضان.                                                     
وقد امتازت هذه الدروس في عهد جلة الحسن الثاني أيده الله بظاهرتين اثنتين أولاهما مشاركة جلة الملك فيها من جهة واستدعاء نخبة من علماء الأقطار الإسلامية للمساهمة فيها.            
وإذا كانت مشاركة العلماء بالبلدان الشقيقة لم تفد في شيء نظرا لخلو المحاضرات التي ألقاها هؤلاء السادة من تأملات طريفة ومعلومات جديدة وتفكير عميق يستفيذ منه العلماء في بلادنا باستثناء الدروس القيمة التي شارك بها كل من العالم التونسي الجليل السيد الفاضل بن عاشور والعالم السوري عبد الفتاح أبي غدة فإن مشاركة صاحب الجلالة اكتست أهمية خاصة نظرا للروافد الجديدة التي أمد بها جلالته المحاضرات الدينية ونظرا للتفكير المتفتح الذي جعل جلالته يوفق بين العقل وبين الدين ويكيف مبادئ العقيدة الإسلامية مع مقتضيات الفكر المعاصر في انسجام تام ووئام متكامل . وقد مكنت هذه المشاركة الملكية بلادنا من الظهور بمزهر لائق بها كدولة إسلامية عصرية لم يثنها تطور العلوم وسيطرة المادة في عالم اليوم عن الاهتمام بالجانب الروحي الذي تمثله الثقافة الإسلامية الحية والتربية الدينية الواقعية التي يحفل بها الإسلام والتي تتوفر على طاقة كبيرة من المرونة والتكيف مع المكان والزمان.                                
وقد كان لهذه الدروس الحديثية فضل كبير في تطور الثقافة الدينية بهذه البلاد وإعطائها طابع التقدم والازدهار وضمان مواصلة السير في هذا ... إذ كانت هذه الدروس الباعثة على إنشاد دار الحديث الحسنية التي ينتظر منها تزويد بلادنا بالإطارات الإسلامية التي تتوفر على تكوين ديني ودنيوي متين. وإذا ما أضفنا إلى هذا المعهد الحديثي مختلف المدارس القرآنية التي فتحت في جهات متعددة من المملكة والتي عهد إليها بتدريس القرآن بالقراءات السبع أو العشر المعروفة ، وأشرنا إلى المباريات التي تنظم بين الفينة والأخرى في ميدان التجويد والحديث  وسجلنا الاحتفال العظيم الذي عرفه المغرب بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول الذكر الحكيم ووقفنا على الإصلاحات الجذرية التي طرأت على معاهد التعليم الأصلي التي تنضوي تحت لواء جامعة القرويين وتخصص كل منها بتكوين رجال متخصصين في فنون محدودة  وألوان متفرقة من الثقافة الإسلامية والعربية أقول إذا ما اعتبرنا كل هذا فإننا ندرك أن الثقافة المغربية حصلت على مكاسب غالية كان لها الثر القوي في تركيز جانب أساسي لهذه الثقافة يعد من أكبر مقوماتها وأعظم خصائصها وأبرز مميزاتها.   
                                                          
وقد لا نحيط بموضوع الثقافة الإسلامية إحاطة تامة إذا ما لم نشر إلى التطور الذي ستعرفه الدروس الحديثية في الأعوام المقبلة بعدما أصبح موضوعها محددا بناءا على أوامر صاحب الجلالة وصارت تدور في كل سنة حول جانب معين وبرنامج مقرر. ومما لا ريب فيه أن هذا التحديد سيؤدي بالسادة العلماء إلى المزيد من البحث والاستقصاء الأمر الذي سيعمل على إبراز خفايا التفكير الإسلامي ، وخلق نوع من التسابق في الخبر والتباري في الاستنتاج سيعززان ولا شك معالم الثقافة الإسلامية ، ويقضيان على مظاهر الفوضى والخلط واجترار نفس الأفكار وتكرار نفس العبارات وغير ذلك من العيوب التي كان لابد أن يقع فيها بعض رجال العلم عندنا. ومن المعلوم أن صاحب الجلالة حدد لدروس شهر رمضان من هذه السنة كتاب التفسير لابن عطية الذي سيكون محور أحاديث السادة العلماء في محاضراتهم وندواتهم ومجالسهم العلمية التي ستسفر بحول الله عن اكتشافات طريفة وآراء جديدة وأفكار غريبة قد نستفيد منها جميعا بحول الله
وبإزاء هذه الجهود التي بذلت لتعزيز المقومات الإسلامية التي تكون جانبا مهما من جوانب حضارتنا عرفت الثقافة المغربية التي تكون جانبا مهما من جوانب حضارتنا تطورا محمودا يتمثل في عدد لا بأس به من المؤلفات الأدبية والعلمية والتاريخية كتبت غالبيتها باللغة العربية وصدر بعضها بلغات أجنبية وفي ظهور مجلات ثقافية جديدة ، ومنشورات مختصة عديدة كما يتمثل في النشاط الثقافي المتعدد الوجوه الذي عرفته بلادنا في السنوات الأخيرة كالمواسم الثقافية التي نظمتها وزارة الشبيبة والرياضة والعروض المسرحية والمعارض الفنية والمهرجانات الفولكلورية.
وقد توجت هذه الأعمال بإحداث وزارة للدولة مكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي عهد إليها بتنسيق النشاط الثقافي في البلاد، ومساعدة القائمين به، والعمل على مواصلة الجهود، واستمرار المساعي حتى يتحقق لثقافتنا الازدهار المنشود والتفتح المأمول.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن جلالة الملك لا يكتفي بتشجيع المثقفين وفسح مجال الخلق والإبداع أمامهم بعد ضمان حسن تكوينهم وتقوية معارفهم ولكنه يدخل بنفسه إلى المعمعة محاضرا في مواضيع اقتصادية واجتماعية وثقافية تارة ، وكاتبا بنفسه في بعض الميادين ، تارة أخرى، وخطيبا في كثير من المحافل والمهرجانات بالإضافة إلى تتبع جلالته لمختلف النشاطات الثقافية والعلمية. وقد لا نستطيع حصر عدد الندوات والمهرجانات التي ازدانت بالرياسة الفعلية المولوية والملتقيات العلمية التي عقدت في بلادنا تنفيذا للتعليمات الملكية السامية والمحاضرات القيمة التي تفضل جلالة الملك بإلقائها محددا بذلك أعمال المؤتمرات والاجتماعات وموجها أشغال المساهمين فيها وما كان لهذه المشاركة الغالية من آثار حسنة على سير أعمال هذه التجمعات وتمكنها من الوصول إلى نتائج إيجابية وتوفقها إلى صياغة مقررات هادفة حقت للثقافة المغربية مكاسب عظيمة ومغانم كثيرة ليس إلى إنكارها من سبيل.
وقد عرف الإبداع الفني انطلاقا ساريا خلال العقود الربعة الأخيرة يؤكد أن الثقافة المغربية تسير بخطى وليدة ثابتة نحو استكمال أسباب النهوض والازدهار رغم العراقيل القاهرة والأشواك المؤذية التي تجدها في طريقها. وليس معنى هذا أن الإنتاج الأدبي وصل إلى درجة من السمو والرقي تضاهى ما يعرفه الأدب والثقافة في الأقطار المتقدمة ، ولكنه يعني أن أدبائنا خرجوا من طور الاجترار والتكرار والطواف في حلقات مفرغة إلى طور الخلق والإبداع وأنهم يحققون اليوم تجارب ذاتية ستجني منها الثقافة المغربية ربحا كبيرا.
إن أدباءنا اليوم يقبلون على مختلف الأنواع الأدبية ويقومون بمحاولات طيبة رصينة في ميادين الشعر حره وأسيره والقصة الطويلة منها والقصيرة والمقالة السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والمسرحية وإن كانت هذه الأخيرة ما زالت لم تخرج عن طور الاقتباس والتقليد الأمر الذي جعلها تتأخر نوعا ما في الوصول إلى التطور الذي عرفته الأنواع الأدبية الأخرى. وأعتقد أن هذا يرجع إلى ما تفرضه المسرحية من جهد في الكتابة والإخراج والعرض وما تتطلبه من شروط ثقافية وقيود فنية ترتبط برجال الفن والتمثيل أكثر مما ترتبط بالمؤلفين المبدعين وما يستلزم ذلك من تكوين واسع واطلاع كبير بالأساليب الجديدة المبتكرة في هذا المضمار وتفكير عميق يتفق والغايات السامية التي تعمل المسرحية على إدراكها وبلوغها.
وقد أبرزت الدراسات الطيبة التي تقدم بها أعضاء الوفد المغربي في مؤتمر أدباء المغرب العربي الذي عقد مؤخرا في طرابلس مظاهر التطور والتجديد والابتكار التي يكتسبها الإنتاج الأدبي في بلادنا كما أقبل بعض الكتاب الأجانب من فرنسيين وإسبانيين وإيطاليين على دراسة هذا الإنتاج دراسة متقنة ونقل بعضه إلى لغاتهم رغبة في تعريف العالم بهذا الإنتاج. وقد بذل ب عض الإخوان الشرقيين جدودا محمودة للتعريف بالإنتاج المغربي ووضعوا دراسات محكمة تصور تياراته ومدارسه على سبيل المثال البحث الذي كتبه مؤخرا الأستاذ خالص عزمي مدير العلاقات الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية والذي صدر بالعدد الثالث عشر من مجلة "اللقاء "  التي تصدرها وزارة الدولة.
وإذا كان التطور المحمود الذي عرفه أدبنا المعاصر يتجلى في هذه الدراسات ، وفي إقبال كتابنا وشعرائنا على التأليف والكتابة والنظم في مختلف الأنواع الأدبية وفي شتى الميادين وبلغات أجنبية عديدة كاللغات الفرنسية والإسبانية والإنجليزية ، فإنه يتجلى كذلك في الآثار الثقافية والأدبية التي أخذت تظهر على مسافات متقاربة والمؤلفات المحررة بأقلام مغربية التي تصدرها دور النشر من حين لآخر وفي المجالات الثقافية العامة والمختصة التي تزخر بها بلادنا ك "دعوة الحق" و " الإيمان " التي تستأنف صدورها عمل قريب بحول الله و" البحث العلمي " و " آفاق" و "الوحدة " و" التعاون الوطني " و " النشرة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب " و " هسبريس " و "تطوان" ومجلات القوات المسلحة الملكية والشرطة والإذاعة والتلفزة و " العوامية " وغيرها من المنشورات القيمة التي يتبرج فيها الفكر المغربي في أجلى معالمه وأجمل صوره. والواقع أن التلكؤ الذي يعتري حركة النشر عندنا لا يرجع إلى قلة الإنتاج العامة التي تعيشها بلادنا التي تندرج في سلك الأقطار النامية والتي ينطبق كل الأوصاف والأحكام التي تنطبق على كل دول العالم الثالث ، ورغم التفاؤل الذي يغمرني كلما كنت أتحدث أو أكتب عن الوضع الثقافي في بلادنا فإنني لا أجد مفرا من إظهار تحسري كلما نظرت إلى لون أدبي ما زال يتردد في الانطلاق رغم ما يسجله من قفزات من حين الآن، وما هذا النوع المتمتع الذي أعنيه إلا النقد الذي ما زال وضعنا الأدبي مرتد الطرف، ومسود الوجه من أجل غيابه وتأخره. وسوف لا يكتب النجاح المنشود لثقافتنا إلا إذا توفر الإنتاج الأدبي على نقد سليم يوجهه ويساعده على التطور المتكامل والتقدم المتوازي لأن النقد ، كما لايخفى ، يضطلع بدور حاسم في نهضات الشعوب الأدبية والثقافية يتلخص في شد أزر الكتاب والشعراء الذين ظهروا إلى الوجود وبلغوا سن الرشد الأدبي وإعانة براعم الناشئين من الجيل الصاعد على التفتح والانطلاق.
وإذا أضفنا إلى هذه المظاهر المشجعة التطور الذي طرأ على الرسم والموسيقى ، والأشواط التي قطعها الفولكلور الوطني في طريق التحسن، والإصلاحات التي دخلت على الفنون الجميلة والمباني الأثرية ، والازدهار الذي عرفته الخزانات الملكية ونظمت ورتبت المدخرات الثقافية الجليلة التي تتوفر عليها وقدرنا الجهود التي بذلت لإحياء التراث الوطني ، وطبع عدد لا يستهان به من المخطوطات تعد تحقيقها واهتمام صاحب الجلالة بإصدار بعض الكتب القيمة وطبعها بالمطبعة الملكية بعد وفاة أصحابها كما وقع في قضية كتاب " إيليغ قديما وحديثا " لأخينا العلامة المرحوم محمد المختار السوسي وديوان شاعر الحمراء المرحوم ابن ابراهيم أقول- إذا ألممنا بهذا كله نكون قد وقفنا على الملامح المهمة التي تتسم بها الثقافة المغربية في العقود الأربعة الأخيرة بفضل الرعاية السامية لصاحب الجلالة المثقف المثالي في هذه الأمة وحامي حمى المثقفين وراعي الفكر بهذه الديار. فقد رسم جلالته هذه الثقافة ووضع لها صورة واضحة يتعين على رجال العلم والفكر والأدب والفن والسير عليها لضمان الازدهار الثقافي المنشود والتقدم الفكري المطلوب والرقي الأدبي والفني المأمول.
وفق الله جلالة الحسن الثاني العظيم وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب سيدي محمد وسائر الأمراء والأميرات وأعان جلالته على السير بهذه الأمة في مدارج الرقي والكمال والانطلاق والازدهار ، وجعل الله من هذه الذكرى العزيزة نقطة انطلاق وارتكاز ينبعث منها الفكر المغربي ثابت الخطى ، صادق العزم ، ومناسبة سعيدة إثارة الهمم والذكاء جذوة نشاط ثقافي يستمر مفعوله متواصلا في هذه الديار ، وفرصة كريمة يستمد منها المثقفون الحزم والعزم للمضي إلى الأمام حتى تتأكد معالم الثقافة المغربية وتتوطد دعائمها للمضي إلى الأمام حتى تتأكد معالم الثقافة المغربية وتتوطد دعائمها وتتحكم أسباب وجودها.
إن النبوغ المغربي أمر نادر المثال ، وإن كل ما يتطلبه هذا النبوغ وهذا الكيان هو الأصوات الصادقة التي تتغنى بوجودها وتطرب لمحاسنها ، وأن جمهرة المثقفين يكونون خير سند يعتمد عليه للقيام بهذا العمل الجليل، ولقد ضرب صاحب الجلالة المثال بنفسه لجميع المثقفين عندما انغمر، حفظه الله في معالجة القضايا الوطنية وتصدى لرفع منارها ، فما على المثقفين منا إلا أن يقتدوا بجلالته لأنه خير أسوة ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وخلاصة القول فقد قطعت الثقافة المغربية مراحل حاسمة خلال العقود الأربعة الأخيرة المتفقة مع عمر جلالة ملكنا الهمام ، أطال الله بقاءه ، تحددت فيها المعالم وتجسدت الصورة وبرزت الملامح الكبرى التي ستزيد ثقافتنا بفضلها رسوخا وانتشارا ورقيا وازدهارا. فقد كانت هذه الثقافة جامدة متداعية ثم أخذ يدب في شرايينها دم من الحيوية والنشاط سرعان ما أضحى يتدفق وينهمر رغم محاولات المستعمرين البائسة ومع سريان هذا الرافد الجديد حافظت الثقافة على المقومات الأساسية التي ترتكز عليها والتي يمكن أن تعد من أهمها اللغة العربية والتفكير الإسلامي، والاشتغال بقضايا الوطن والمواطنين والإنكباب على إحياء التراث الوطني وإبراز الكيان القومي والاهتمام بأحوال العرب والمسلمين والاعتزاز بالمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون إهمال القضايا الفكرية التي تشغل عالم اليوم والتيارات الثقافية التي تتردد في أجواء العصر الحديث. وسوف لا يمر أمد قريب حتى تعرف هذه الثقافة الازدهار المنتظر والانطلاق المتكامل اللذين يرتبطان ارتباطا وثيقا بازدهار مختلف مرافق الحياة في بلادنا وانطلاق سائر القطاعات التي يتوقف على نموها ورقيها رخاء بلادنا الاقتصادي وتقدمها الاجتماعي وكمالها الثقافي والفكري.      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here