islamaumaroc

ارتسامات على بلاد السينغال المسلمة: مأثرة الحسن الثاني في مسجد دكار

  دعوة الحق

120 العدد

تقع بلاد السنغال في نقطة تمثل أقصى امتداد لبقلرة الإفريقية نحو الغرب ومفترق طرق بين العالمين القديم والجديد ، وتمتد في سهول منبسطة لا يزديد ارتفاع أعلى تضاريسها على 650 قدما عن سطح البحر. وتسكنها أجناس مختلفة تتكلم لهجات متعددة أهمها الوولوف ولو أن الفرنسية تعتبراللغة الرسمية اليوم. 
                                                                           
وقد دخل الإسلام إلى هذه البلاد في القرون الهجرية الأولى ،ونحن إذا لم نساير المؤرخين الذين يقولون أن عقبة بن نافع بعد أن اتم فتح بلاد المغرب والسوس الأقصى أوغل في بلاد السودان ففتح بلاد التكرور وغانة وبنى بها عددا من المساجد (1) إذا لم نساير هؤلاء فإننا لا نستبعد أن يكون عقبة قد اتصل بعشائر الملثمين في الجنوب فقاوموه ثم تغلب عليهم ودخلوا في الإسلام ، وحملت قبائل مسوفة الصحراوية الدين الحنيف إلى حوضي السنغال والنيجر ، وتعزز ذلك حين أقام عبد الله بن ياسين وأتباعه المرابطون في جزيرة عند مصب نهر السنغال أوائل القرن الخامس للهجرة ، ونشطت حركة الجهاد في سبيل الله لنشر الاسلام وحمل سكان تلك المناطق ممن سبق لهم أن دخلوا في دين الله على احترام تعاليمه والتادب بآدابه. ولشدة امتزاج عشائر صنهاجة بالسكان السود بحوض نهر السنغال قيل إن كلمة( السنغال) محرفة عن ( صنهاجة) وان السينغاليين مغاربة صنهاجيون استوطنوا تلك المنطقة الحارة فاسودت جلودهم بتأثير الطقس وعامل الاصهار.   
                                                                            
مظاهر إسلامية في السنغال                                                                     
وصلنا إلى دكار بعد منتصف الليل ، فلم نلاحظ في المطار ولا في الطرق والشوارع التي مررنا بها شيئا يدل على الإسلام، اللهم إلا ما كان من أسماء إسلامية للإخوان السينغاليين الذين كانوا في استقبالنا . وبات أزير الطائرة يتردد في آذاننا بقية الليل فتجافت جنوبنا عن المضاجع ولو أن الحجرات التي احتجزت لنا كانت واسعة مريحة مكيفة الهواء. وفي أثناء الإغفاءة الخفيفة التي تداعب رأسي أخذت أسمع أصواتا بعيدة تخترق سكون الليل ، وهي وإن اختلطت علي في البداية شبيهة بأصوات المؤذنين عندنا ، ولم ألبت أن سمعت " الله أكبر" فغشيتني طمأنينة غريبة أسلمتني إلى سبات عميق. استيقظت في الصباح وقد ارتفعت الشمس كثيرا وأخذت أستجلي من شرفة البيت هذا العالم الجديد الذي أصبحت فيه، فإذا المنازل والعمارات الممتدة أمام عيني يكثر في ساحاتها خرفان لا هي من الضأن الخالص ولا من الماعز الصرف. قوائمها عالية ، وألوانها بيضاء وأصوافها قصيرة سبطة أقرب إلى شعر الماعز. لقد تذكرت أننا على أبواب عيد الأضحى ، واعتدنا بعد ذلك أن نرى الناس في ازقة دكار والمدن الأخرى التي زرناها يقتادون أضاحيهم والمارة يسألونهم في غبطة عن أثمانها ، كما لو كنا في سلا أو الرباط أو فاس...                                           
وكان سائق السيارة التي وضعته الحكومة السينغالية رهن إشارتنا ، لا يفتأ يترنم بشيء يشبه الأغنيات السودانية التي نستمع إليها أحيانا في الإذاعة ، فكنت ورفيقي نتضاحك من هذا الرجل البسيط الذي لا يكاد ينقطع عن الغناء ، وذات صباح كان علينا أن نذهب مبكرين إلى مدينة نيبرس مسقط رأس الرئيس سينغور وهي تبعد بنحو 66 كيلومترا عن العاصمة ، لنزور مدرستي المعلمين والمعلمات ، وكان رفيقي ما يزال بحاجة إلى النوم فأغفى ، وبقيت أنصت في هدوء وهو يغني كعادته ، فإذا بي أجده يقول " لا إله إلا الله محمد رسول الله " يمططها بشكل غريب لا يراعي مدا ولا تضعيفا . ويترنم بها بشغف ، فرحت أفكر في هذا المؤمن الذي طالما سخرنا منه ونحن لانعلم أنه من المواظبين على ذكر الله . وجاءت المفاجأة الثانية في هذ الصاح حين ترك السائق الطريق الرئيسي ولوى إلى درب صغير في قرية كنا نجتازها وتوقف عن المسير وطلب منا بالفرنسية أن نسمح له بالتغيب برهة لأداء صلاة الصبح في الجامع . وكان المسجد كأكثر بيوت الله عبارة عن اخصاص من قصب وطين ، طليت جدرانه ببياض ، وعمره شيوخ وشبان لبسوا البياض ، فتجلى لي ذلك المنظر النقي في تلك البقعة الطيبة كأجلى ما يكون الإسلام بساطة وعظمة في آن واحد.  
                                                                         
المساجد وإقامة الصلاة جماعة                                                                  
تكثر بيوت الله في السنغال بسبب حرص المسلمين هناك على شهود الجماعة في الصلاة ، وتختلف هذه المساجد في هيكلها من خص أو كوخ في قرية أو حي فقير إلى بناية شاهقة وقباب فاخرة ومآذن شامخة على الطراز الشرقي أو الغربي ، وإذا كانت مساجد عتيقة ، قد اشتهرت بفخامتها في السنغال ، كمسجد طوبا ، ومسجد ديوربيل فإن أعظم المساجد اليوم هناك هو الجامع الكبير بدكار.مابالك بمسجد تفوق مساحته جامع القرويين وجامع سلا الأعظم، وبنيت سقوفه بالإسمنت المسلح على شكل (البرشلة) المنحية عندنا، وزينت بالجبص المزخرف ، وفرشت ارضه بالزليج الفاسي الزاهي ، ونشرت بلاطاته الحصر والزرابي الرباطية وأبدعت الأيدي المغربية الصناع في نقش جبص المحراب ، وخشب المنبر ، ونحاس الثريا الهائلة . ولئن كان هذا الجامع العظيم محط إعجاب المسلمين وإكبارهم يوم دشنه جلالة الملك الحسن الثاني منذ بضع سنوات ، فإنه ما يزال حتى اليوم ملء السمع والبصر ، وقد زاد إعجابنا عندما أخبرنا القيمون على المسجد بضرورة التبكير يوم الجمعة ،لنتمكن من الوصول إلى المقاعد التي سيحتفظون لنا بها قرب المحراب . ولما كنا مرتبطين بتوقيت العمل في وزارة التربية الوطنية كان عليهم أن يهتدوا إلى حل آخر وهو إدخالنا من مقصورة الخطيب لأن المسجد يمتلئ منذ الساعة الحادية عشر ، ولا يبقى لمن يأتي بعد ذلك إلا الجلوس بالساحات الفسيحة المحيطة بالجامع.            
وقد خصص الجناح الأيسر من الجامع للنساء ، وهو وحده يمثل مسجدا كبيرا يضيق بالمسلمات القانتات .واتصلت به بقعة كبيرة معدة لتكون معهدا إسلاميا ، أقيمت فيها سواري الإسمنت المسلح. وتوقف العمل لعدم توفر المال اللازم للبناء.                                            
وظاهرة الحرص على إقامة الصلاة في الجماعة بادية في السينغال ، فقد كنا مساء يوم قرية للصناعات التقليدية بضواحي دكار ، والصناع والتجار منهكمون في أعمالهم بجد ونشاط ، وألواح الجانب منتشرون أفواجا في القرية يشاهدون ويقتنون ، وإذا بحركة غريبة تسود القرية ، فقد انقطعت أصوات  آلات نقش الأخشاب فجاة ، وحلت محلها أصوات التكبير وقراءة فاتحة الكتاب . كنا نرى الشخصين والثلاثة تحت شجرة أو وراء خص يتجهون إلى القبلة لأداء صلاةالمغرب فيلتحق بهم آخرون وتكثر جماعتهم إلى صف أو صفوف ، وبذلك تحولت القرية في دقائق معدودة إلى مساجد يذكر فيها اسم الله ، وتحولت أنظار السراج من مشاهدة المصنوعات الحية التي تسبح الخالق تعالى.  
                                                                                
الزوايا والطرق الصوفية:                                                                      
تنتشر الطرق الصوفية في السينغال انتشارا واسعا حتى لا تكاد تجد مسلما هناك غير منتسب إلى طريقة . وهم يرون التصوف درجة عالية في الدين، لا يصلها إلا المتقون الذين وطدوا النفس على التزام مبادئ الشريعة الإسلامية فعلا وتركا ، وكأنهم أخذوا- من حيث يشعرون أو لا يشعرون- بحديث عمر بن الخطاب فيما رواه مسلم عن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل حين سأله عن الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". وقد قضينا يوم أحد في أوساط شعبية بمدينة ( سان لوي) العاصمة السنغالية السابقة ، وجلس معنا بعضهم لشرب الشاي وفي أيديهم سبح يحركونها ، فسألتهم عن الطريقة التي ينسبون إليها فقالوا أنهم تيجانيون ( متمرنون) لم يقطعوا العهد على أنفسهم نظرا لحداثة سنهم و" انطلاق أبصارهم".                                                             
وأقدم الطرق الصوفية الداخلة إلى السنغال هي القادرية التي نشأت وازدهرت بالمشرق في القرن السادس الهجري وبلغت إفريقيا الغربية في القرن التاسع (15) على أيدي مهاجرين من واحة توات ، واعتمدت القادرية في الانتشار على الدعوة السلمية وتعليم الصغار والكبار. وقد استقبل دعاتها بالتكريم كفقهاء ومعلمين وكتاب تمائم. وجاءت الطريقة التيجانية في القرن الثاني عشر(18م) لتتسرب من شمال إفريقيا إلى الصحراء فإلى السودان وتنتشر في حوض السنغال والنيجر على يد الداعية السنغالي الحاج عمر طل أواسط القرن الثالث عشر (19) وتسلك التيجانية- عكس القادرية – سبيل العنف تجاه الوثنيين والمسلمين ظاهريا " حتى لقد طفى جهادهم في إفريقيا الغربية ، كما يقول توماس أرنولد ، على الدعاة المسلمين ، ذلك النجاح الذي كان – لا ريب- أجدى على نشر من تأسيس دويلات صغيرة قصيرة الأمد " (2)                          ثم أخذت الزاوية السنوسية في واحة جغبوب بالصحراء الليبية ترسل دعوتها أواخر القرن الثالث عشر (18م) إلى شرقي بلاد السودان وغربيها ، وعملت بدورها على نشر الإسلام في تلك الجهات (3).                                                                                   
وباستثناء الطريقة التيجانية التي تحافظ حتى اليوم في السنغال على كيانها والانتساب لمؤسسها دفين مدينة فاس ، فإن شخصية ( المقدمين) تكاد تحجب أصول الطرق الأخرى ، وربما لن يمضي وقت قصير حتى تدس معالم الطرق الأصلية ولا يبقى المريدون يعرفون غير شيوخهم المحليين المباشرين.   
                                                                         
اللغة العربية في السنغال                                                                        
عرف السنغاليون اللغة العربية مع الإسلام ، وعلموا أبناءهم القرآن الكريم في كتاتيب لا تختلف عن كتاتيب المغرب أو غيره من البلاد الإسلامية في القرويين أو الزيتونة أو الأزهر وقاموا بعد أن رجعوا إلى مساقط رؤوسهم بالتدريس والتأليف والمراسلة نثرا وشعرا.                       ونجد اليوم في السنغال ، علاوة على التعليم التقليدي للعربية في الكتاتيب والمساجد والزوايا ، تعليما منظما في المدارس العمومية ، حيث تدرس اللغة العربية في المدارس الابتدائية بكيفية اختبارية وفق برامج مضبوطة تسهر على تسييرها ومراقبتها مصلحة خاصة في وزارة التربية السنغالية ، ويتعلم التلاميذ في المدارس الثانوية اللغة العربية كلغة ثانية – بعد الإنجليزية -. وابتداء من أكتوبر 1968 جعلت اللغة العربية لغة أولى في بعض الثانويات النموذجية ، على أن يعمم هذا الإجراء استقبالا تبعا للإمكانيات . ويقوم بتدريس العربية في السنغال إلى جانب الأساتذة السنغاليين أساتذة من لبنان وتونس والجزائر والمغرب. على أنه توجد اليوم في دكار مدرسة ثانوية فرنسية – عربية لتخريج تلاميذ بمستوى جيد في العربية يكونون الإطارات الوطنية لتعليم اللغة العربية في السنغال.   
                                                                    
معهد البحوث الإسلامية                                                                        
يحتل معهد البحوث الإسلامية " L’ifan  " بناية أنيقة في الحي الجامعي ، ومن جملة نشاطه التنقيب عن مؤلفات علماء الإسلام السنغاليين ، والتعريف بها ، ويشرف على هذا العمل أستاذ سنغالي مبرز في اللغة العربية ، وقد أطلعنا على مخطوطات عربية جمعها من مختلف أرجاء السنغال ، لعلماء عاشوا في القرن الماضي أو أوائل هذا القرن 
بالإضافة إلى مؤلفات علماء سنغاليين معاصرين ، ومن بينها كتاب( تنبيه البنت المسلمة) للسيدة رقية بنت الشيخ الحاج إبراهيم أنباس ، وهي تدير في مدينة الكولخ مدرسة عربية تعلم فيها القرآن والدين .والكتاب مطبوع بالعربية في السنغال عام 1383 وينهمك مدير المعهد في تحقيق هذه المخطوطات وترجمة بعضها إلى الفرنسية . وقد قضينا معه في المعهد ساعات ممتعة نقرأ فصولا من كتب أو مقاطعات شعرية لعلماء وأدباء سنغاليين لا تكاد تختلف في سبكها عما نقرأ لغيرهم من الكتاب والشعراء في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى..                          


(1) حسن ابراهيم حسن ، انتشار افسلام والعروبة فيما يلي الصحراء الكبرى شرقي القارة الافريقية وغربها ، مطبوعات معهد الدراسات العربية العالية بالجامعات العربية سنة 1957 ص 46
(2) نقله عن كتاب ( الدعوة إلى الإسلام) لسير توماس أرنولد –ترجمة ص278- حسن إبراهيم  حسن : انتشار الإسلام والعروبة ، ص 20    
(3) لمعرفة وسائل انتشار هذه الطرق الثلاث في السودان ارجع إلى المصدر السابق ، ص 16-32 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here