islamaumaroc

كلمة تحليلية عن مغرب البعثة المحمدية وأمل المسلمين في أمير المؤمنين بمناسبة بلوغه سن الأربعين

  دعوة الحق

120 العدد

مولاي أمير المومنين:                                                                       
إن هذا الحفل التذكاري الخالد الذي تفتتح به جلالتكم سلسلة الاحتفالات الرسمية والشعبية بمناسبة الذكرى الألفية الرابعة عشرة لظهور البعثة المحمدية وذكرى المولد النبوي الشريف ، ليعد فرصة فريدة ووحيدة بالنسبة لشعبهم المسلم ، المتعطش إلى مزيد من العلم بدينه السمح ، والفهم لتاريخه المجيد.                                                                      
وكأني بكثير من أفراد شعبهم المومن يتساءلون الآن بلهفة وشوق : ما هو هدف البعثة المحمدية ،وماهو طابعها ، وما هو سر نجاحها؟                                            
وتعريفا للمومنين بحقيقة الأمر في هذا المقام تولى الذكر الحكيم نفسه الإجابة عن هذه الأسئلة بإيجاز وإعجاز ،فقال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعامين) وقال تعالى ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ، أو من حجاب ، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، على حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا . ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ، وانك لتهدي إلى صراط مستقيم ، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. إلا إلى الله تصير الأمور)                                       
فهذه البعثة المحمدية إذن هو إنقاذ الإنسانية من الضلال والخبال ، وهدايتها إلى السلوك المثالي المستقيم ، بالنسبة للفرد والجماعة ، في جميع الأحوال ، رحمة بها، وإحسانا إليها، وتكملة لنعمة الإيجاد بنعمة الإمداد. كتب ربكم على نفسه الرحمة. ولقد جئناكم بكتاب فصلناه على علم ،وهدى ورحمة لقوم يومنون).                                                    
وطابع البعثة المحمدية هو توعية الجماهير ، بجميع وسائل التوعية وطرق التنوير ، وإثارة انتباهها للتعلق بكل ما هو حق  وخير وفضيلة ، والتخلص من كل ما هو باطل وشر ورذيلة ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلىصراط العزيز الحميد. الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور).                                       
وسر نجاح البعثة المحمدية هو أنها " روح" من أمر الله ، ألقاها إلى نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله ، فتلاقت مع " فطرة الله التي فطر الناس عليها " وتجاوبت معها وحققت مطامحها إلى أبعاد الحدود( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا – قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور).                                                                              
حقا إن البعثة المحمدية ( روح من أمر الله) نفخها الحق سبحانه وتعالىفي أجزاء الكون الهامدة، وتلافيف القرائح الجامدة ، فإذا بالأرض الميتة الذابلة قد أخذت زخرفها ...وأثمرت  وإذا بالإنسان البائس اليائس قد انتعش وابتكر وأبدع ، وإذا بالإنسان " المحمدي" يظهر على سطح الأرض مولودا جديدا ، وإذا بالعصر " المحمدي " يبدأ بين عصور التاريخ عصر ذهبيا فريدا ، لأن روح الله التي نفختها البعثة المحمدية سرت في روح الإنسان ، فنفذت إلى سر سريرته ، ووضعت يده على جوهر حقيقته.                                                    
مولاي: إن الدقائق المحدودة ، بل ولا الساعات المعدودة ، لا تكفي لوصف المبادئ السامية التي نادت بها البعثة المحمدية ، فضلا عن وصف ما انبنى على أساسها وانبثق عنها ، من حضارة عالمية زاهرة ، وعقل علمي جريء، وتكنولوجية نافذة مؤثرة ، وملك واسع عريض. وإن هذه المزايا التي امتازت بها البعثة المحمدية عن بقية الرسالات قد ألبت عليها الخصوم ، فكادوا لها وتآمروا عليها منذ فجر الإسلام إلى اليوم ، ومن جملة ما حاولوا به إيقاع البلبلة في صفوف أتباعها وإضعاف روحهم المعنوية ادعاؤهم أن عمر هذه الملة قصير، وأنه لن يطول به الأمد.   
فحدد بعضهم أجل الملة الإسلامية بثلاثة قرون ، ورفع البعض هذا الرقم إلى ستة قرون أو ستة قرون ونصف، ثم أوصل البعض هذا الرقم إلى سبعة قرون أو سبعة قرون ونيف، وأخيرا تكرم البعض فأطال عمرها إلى تسعة قرون ونصف أو عشرة قرون ونصف. واليوم يتنبأ خصوم الإسلام بأن نكسة فلسطين هي بداية النهاية التي لا دواء لها . وهكذا كلما أظهرت الأيام كذبهم ، وأظهر الإسلام صموده أمامهم ، وضعوا رقما جديدا لمصرع الإسلام وإبادة الملة المحمدية ، لا قدر الله . غير أن الله تعالى كما خيب ظنونهم في الماضي سيخيب ظنونهم دائما. وها نحن معاشر المسلمين في المغرب والمشرق نحتفل بذكرى مرور ألف وأربعمائة سنة على ظهور البعثة المحمدية ، وإنا لنرجو لها مزيدا من الظهور والشغوف في مستقبل غير بعيد( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).                                                    
مولاي : لقد نحمل نبينا الأكرم ، وجدهم الأعظم ، صلوات الله وسلامه عليه ، ذلك العبء الثقيل الذي هو أثقل عبء حمله " بشر رسول " ، عبء الرسالة العظمى ، رسالة إصلاح الجنس البشري ، وإنقاذ الإنسانية جمعاء من الانحطاط الروحي والمادي ، فلم يجزع من ثقل المسؤولية التي ألقاها الله على عاتقه ، ونهض بالعبء كله منفردا وحيدا ، غير هياب ولا وجل ، معتمدا على الله وحده. فأدى الأمانة ، وبلغ الرسالة وحقق المعجزة الباهرة التي لا يزال صداها مدويا في العالمين ، ولم يسأل ربه أي مساعد يشركه في أمره ، ولا أي معين يقوم بشد أزره ، كما سأل موسى عليه السلام ربه إذ ناداه قائلا ( واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي. أشدد به أزري ، وأشركه في أمري ) مع أن رسالته كانت محدودة في تقويم اعوجاج بني إسرائيل وحدهم، دون بقية الناس ، مما يكشف الستار عن الفرق الجوهري بين مضمون الرسالتين وبين مزايا الرسولين عليهما الصلاة والسلام . 
                                                                      
ومن عجائب الأقدار أن الله إن اقتضت حكمته أن لا يلقي عبء الرسالة على عاتق جدكم الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، حتى يبلغ سن الأربعين ، وذلك لسر إلهي دفين. ومن عجائب الاتفاق، والبشريات الموجبة للتفاؤل بمستقبل الإسلام في هذا البلد الأمين أن يقترن بلوغ جلالتكم سن الأربعين بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على البعثة المحمدية التي شرع جدكم الأعظم يقوم بأعبائها وهو على رأس الأربعين سنة، ولأمر ما كان هذا القران السعيد.                        
نعم إن الأمل معقود على جلالتكم أن تواصلوا الجهود لإحياء رسالة جدكم ، وفرض احترامها ، ورد الاعتبار إليها على الوجه الأكمل ، لما لكم فيها من حق الوراثة وما لها عليكم من واجب الحماية ، فتطبعوا بطابعها السمح الكريم الفاضل جميع مظاهر الحياة المغربية ، المادية والروحية ، وتجعلوا من وطنكم الإسلامي قلعة من قلاعها الأمامية الحصينة ، ومن شعبكم المسلم قوة منظمة من قواتها العتيدة المكينة ، وليس ذلك على صدق إيمانكم وقوة شكيمتكم بعزيز.          
وإذا كان الخليفة عمر بن الخطاب يقول متى نزلت بساحة مشكلة معبرا عن إعجابه بعبقرية علي، كرم الله وجهه ، وتوفيقه في حل المشاكل :( معضلة ولا أبا حسن لها ) فنحن المغاربة المسلمون من رعايا الحسن الثاني- سلسل علي وفاطمة- نقول معبرين عن إعجابنا بعبقريته وتوفيقه فيحل المشاكل : ( معضلة ولا حسن لها).                                              
مولاي : لقد تحدث كتاب الله في سورة الأحقاف عن دور الاكتهال ، دور النضج والاكتمال ، وأتبع حديثه عن هذا الدور بتوجيهات إلهية سامية ، ملائمة لما يناسبه من ثقل المسؤولية ، فقال تعالى وهو أصدق القائلين فيمن بلغ سن الأربعين : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ، وأن أعمل صالحا ترضاه ، وأصلح لي في ذريتي. إني تبت إليك ، وإني من المسلمين). ثم عقب كتاب الله مباشرة بتقديم البشرى إلى كل من بلغ سن الربعين ن واهتدى عند بلوغ هذا السن يهدي الكتاب المبين ، كأمير المومنين ، فقال تعالى ( أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ، ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون).                                 
اللهم أملأ قلب الحسن الثاني إيمانا محمديا ، وصدره حكمة نبوية ، وعقله نورا ربانيا ، وألبسه لباس التقوى ، وتقبل بفضلك وكرمك صالح عمله ،وحقق له في نفسه وذريته ، وولي عهده وأمته ، أقصى أمله ، وأطل عمره ومد في اجله ، واخلع عليه حلة العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. اللهم ارحم قائد الأحرار المجاهدين ، وقدوة الملوك الصالحين محمدا الخامس ، وأسكنه فسيح الجنان ، وأمطر عليه شآبيب الرحمة والرضوان.    
                                     
اللهم كن للإسلام والمسلمين وليا ونصيرا ، ونصرة ملتك تسخيرا ، وأصلح منهم النيات ، وسدد لهم الخطوات.                                                                                  
اللهم أنقذ فلسطين من أيدي الصهاينة المعتدين، وأعدها " دار السلام " إلى يوم الدين.              سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
          

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here