islamaumaroc

الدولة العلوية الشريفة وأثرها العلمي بالمغرب

  دعوة الحق

120 العدد

البيت العلوي الشريف معروف ومشهور في سائر الأوساط العلمية قبل إسناد المر إليه وبعده. وقد عرف عنهم التاريخ المغربي الشيء الكثير من المكارم والأمجاد منذ حلوا بهذه البلاد المغربية فكانت هجرتهم من الحجاز إلى المغرب هجرة خير وبركة على البلاد وأهلها. وسجل في حقهم التاريخ المغربي التسابق إلى المعالي وتسنم ذروة المجد والإسراع إلى الإغاثة والنجدة فلسان حالهم دائما ينشد قول العربي :                                                         
كنا إذا ما آتانا صارخ فزع    *    كان الصراخ له قرع الظنابيب   
           
وهذا التاريخ المغربي مملوءة صفحاته بمآثر هذا البيت الكريم منذ قدومهم في أواخر المائة السالفة ولم يزل ذلك معروفا في أوساطهم وبيئاتهم وألذ شيء في حياتهم هو الانتساب للعلم وتحقيق مسائلة والحرص على جواهره ودرره. ولست الآن في معرض الحديث عن نشأة هذه الدولة العلوية الشريفة بالمغرب وكيف تسنمت الجلوس على منصة العرش السياسي من ناحية وعرش العاطفة والحب الشعبي من ناحية ثانية. ومن الشيء الغريب أن كل الحركات السياسية في أول نشأة الدول وانبعاثها تقوم في غالب الأحوال على القوة والسيف. أما هذه الدولة العلوية الشريفة فلم يعرف عنها في تاريخ نشأتها الأولى إلا العطف والرغبة والتأييد والإلحاح من قبل سائر طبقات الشعب وعلى رأس هذه الطبقات العلماء المرشدين والمومنون الصالحون . وحوادث فاس أيام الفترة السياسية وظهور بعض النزاعات الطائفية واستدعاء علماء فاس للسلطان رشيد للقدوم عليهم ومبايعتهم له حتى يطمأن الناس ويرفع عنهم كابوس الضغط والإكراه – هي أعظم حجة فيما نقوله. أتعرف أيها الباحث العالم لماذا كان كل هذا ؟ لا سبب لذلك إلا ما تعرفه الأمة من تعلق أفراد هذا البيت بالدين وتفانيهم في خدمته والنضال عن قواعده وأسسه. وإقباله منذ ظهر في بلاد المغرب على العلم وتشجيع أهله وتنشيط رجاله وجعلهم في المصاف الأولى في مراكز الدولة وأخذ ءارائهم الصالحة والاستشارة معهم فيما يشكل من جانب التشريع كل ذلك محافظة على العلم ومركزه وتهيبا للشريعة الإسلامية وإجلالا لمكانتها الدينية. والشواهد على هذا كثيرا جدا. ومجرد إلقاء نظرة على الرسائل المتبادلة بين الملك مولاي إسماعيل وعلماء فاس في مقدمتهم سيدي أمحمد بن الإمام سيدي عبد القادر الفاسي في قضية تملك العبيد الذي أراد مولاي إسماعيل أن يكون منهم نواة جيش مغربي يدافع عن حوزة البلاد. وعلماء فاس كانوا بطبيعة الحال يعرفون النوايا الصالحة لهذا الملك الجليل ولا كنه تقف أمامهم مبادئ فقهية قانونية لا يريدون تجاوز حدودها وصلاحيتها إلا بعد تبادل نظريات وإقناع واقتناع . وهكذا يقال في مناظرات السلطان الجليل سيدي محمد بن عبد الله مع علماء فاس وغيرهم لما فكر في إحداث ضريبة خاصة لمصالح استدعاها الحال فكانت هناك مساجلات ومحاورات وكتب العلماء في ذلك رسائل مختلفة النزعة كل حسب اجتهاده  ومؤهلاته العلمية. ولسنا نريد استقصاء أمثلة هذه الشواهد فحياة ملوكنا الجلة طافحة بهذه الاستشارات . والإسهاب فيها يقتضي بحوثا مسلسلة وغني لأعجب من طلبة المغرب كيف يكتبون كثيرا من أطروحاتهم وبحوثهم حول مسائل تافهة ومبتذلة كتب فيها الناس البحوث الضافية ولا يفكرون يوما من الأيام في كتابة أطروحاتهم حول موضوع من الموضوعات التي تهم المغرب والمغاربة كدراسة شخصية من شخصيات ملوكنا أو فكرة من أفكارهم التشريعية إلى غير ذلك من مختلف البحوث عن أدبائنا وفقهائنا ومشرعينا وما أشبه وأن هذه الظاهرة التي امتاز بها ملوكنا الشرفاء العلويين من التفاني في طلب العلم وتأييد حامليه هي ظاهرة موروثة عن الآباء والأجداد منذ نشأوا بهذه الديار وقد وصفوا أول داخل من هذا البيت الكريم إلى هذه الديار وهو المولى حسن بن قاسم بأن له مشاركة في العلوم خصوصا البيان فقد كانت له اليد الطولى فيه وانحدر من هذا السيد الجليل فروع طيبة وأغصان مثمرة ظهر منهم جماعة في مواقف القتال ورسم الجهاد في مقدمتهم البطل الأصيل مولاي علي الشريف الذي كانت له جولات بالربوع الأندلسية وقد ألح عليه الأندلسيون في الإقامة عندهم ومبايعته فحمله زهده وورعه رحمه الله على الانزواء والعزوف عن الدنيا وزهرتها. ونشأ فريق آخر وهو الجمهرة  الكثيرة وتربعوا في أعالي المجالس العلمية وظهرت فيهم شخصيات بلغت الدرجة القصوى في تحقيق العلم ونشره . ونذكر على سبيل المثال من هذا الفريق الثاني الشيخ الإمام العلامة مفتي مراكش أبا محمد عبد الواحد بن أحمد. أدرك هذا السيد الجليل شأوا بعيدا أيام أحمد المنصور السعدي. ولهذا السيد الجليل مكانة سامية في العلم ومناظرات. وقفت له على فهرسة تدل على عظيم تضلعه في الحديث وعلومه . ومن هؤلاء ممن كان لهم صيت ذائع في العلم والدين والصلاح الإمام العلامة الأستاذ المتبحر أبو محمد عبد الله بن علي بن طاهر. ومنهم قاضي درعة الإمام أبو العباس أحمد بن عبد العزيز بن عبد الصادق . والعالم المتفنن أبو زيد عبد الرحمان بن يوسف والعالم المحقق المصنف الأستاذ أبو محمد بن الإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن علي بن طاهر المذكور وأكثر هؤلاء ظهروا بمظهرهم العلمي أواخر الدولة السعدية وليس في الإمكان الإحصاء ولا الإحاطة في هذه العجالة المقتضية. أما بعد تربع هذا البيت الكريم على عرش الخلافة بالمغرب فالأمر أكبر من أن يأتي عليه عد فقد ظهر في الميدان العلمي منهم جماعات سواء من الملوك أنفسهم وأولادهم أو من مطلق أفراد هذا البيت فنذكر في مقدمة ملوكهم ورؤسائهم زيدان بن مولاي إسماعيل وأخاه محمد الشاعر الأديب والحفيد سيدي محمد بن عبد الله العالم المحدث وولده مولاي عبد السلام العالم المصنف ومولاي الشريف بن إسماعيل ومولاي سليمان وسيدي محمد بن عبد الرحمان ومولاي الحسن الأول والمقدس محمد  الخامس ثم في عصرنا هذا وريثهم الأكبر العالم الإمام مولانا الحسن الثاني.                  
أما مطلق الذين ظهروا في هذا البيت وكان لهم شغوف واعتبار في مجالي العلم فنذكر منهم على سبيل المثال العلامة الجليل مولاي عبد الله بن السيد والعلامة مولاي عبد الرحمان بن يوسف ومولاي عبد الله بن الإمام مولاي عبد الواحد وقاضي تازة و مفتيها وعالمها مولاي علي بن محمد وقاضي سجلماسة سيدي الأمين بن حمادي والعلامة سيدي محمد بن السيد وقاضي مكناسة الشهير مولاي عبد القادر بن محمد شارح الهمزية ومولاي بلقاسم بن الهاشمي وأخاه  العلامة الحافظ مولاي الصديق وقاضي مكناسة مولاي أحمد بن علي ومفتي سجلماسة مولاي عبد الواحد بن حمادي . ثم قاضي مدغرة مولاي عبد الله الصديق ثم قاضيها بعده مولاي التهامي بن محمد وولده العلامة المؤلف مولاي عبد الله والقاضي مولاي أمحمد. وءاخر من أدركنا من علماء هذا البيت الكريم شيوخنا العلماء المحققون مولاي عبد الله  بن إدريس العلوي المعروف بالفضيلي ومولاي أحمد بن المأمون البلغيثي والقاضي المصلح محمد بن العربي  العلوي فهؤلاء وأمثالهم في مختلف مناطق المغرب ممن حملوا راية التبريز في العلم وكانت لهم بحوث ومناضرات وتلاميذ فخرجوا من مدرستهم الزاهرة ولو كانت لنا فسحة من الوقت لكتبنا في أكثرهم أجزاء خاصة في التعريف بمناهجهم وذكر ءاثارهم العلمية بل حتى لو أريد كتابة معجم خاص بأفراد هذا البيت العلمي بالمغرب لكان معجما ضخما يتكون من عدة أجزاء.     
بكل هذه الوسائل والمعلومات التي لم نذكر منها إلا قليلا من كثر نعرف ما ل هذه الدولة العلوية الشريفة من أياد بيضاء على المغرب المسلم سواء في الميدان البطولي أو الميدان العلمي ولا بدع ولا غرابة إذا رأينا جلالة الملك الحسن الثاني في وقتنا هذا يحمل راية العلم والبطولة في آن واحد فهو الشبل المتفرع من هذه الأرومة الأصيلة وهو رضيع المجد والفضل كابرا عن كابر وبطلا عن بطل ينصر الدين ويؤيد قواعده ويدعو إلى الحسنى في كل تصرفاته ويرفع من أقدار العلم والعلماء ويعلي مناصبهم ويحسن أحوالهم ويستعمل كل ما ءاتاه الله من عقل وتفكير في إعلاء اللغة العربية وجعلها اللغة السائدة في هذا الوطن العزيز.    
                                       
ولو شئنا أن نأتي بمثال واضح من أعماله الصالحة لكان أول ما يلفت أنظارنا وتتوجه إليه أبصارنا هو جامعة القرويين التي هي روح المغرب في كل مرحلة من مراحله وحصنه الحصين الجامع لكل مكرمة ولولا هذه الجامعة المباركة لكان نصيب لغة القرءان في هذه البلاد الحرمان والضياع جاء مولانا الحسن الثاني أيده الله وفكر في الأمر وعواقبه ورأى برأيه الصائب أنه يجب إحياء هذه الجامعة في حلة قشيبة تتناسب وتاريخها المجيد ودين هذه الأمة المتعلقة بأذياله فأصدر أوامره الشريفة بإنشاء كليات بفاس ومراكش وتطوان وبذل حفظه الله جهودا قوية في المحافظة على هذا التعليم العربي الصميم في كل معاهدة وصيانة من عبث العابثين وكيد الكائدين والأمة المغربية قاطبة عللا رأسها علماؤها الأمجاد يحيون مولانا الإمام على هذا الصنيع الذي لا يعادله شيء إذ هو المحور الأساسي الذي يدور عليه المغرب في كل  مناحيه وأهدافه . ومولانا الإمام هو خير من يتفهم جامعة القرويين وما يدعو وتتوق إليه وهو الخبير بدروسها العالم بأنظمتها وأهدافها الحريص على تقدمها ونشاطها. فالمسلمون قاطبة وخاصة أهل العلم يا مولاي مستبشرون بأعمالهم سائرون من ورائكم متطلبون المزيد من اهتماماتكم السنية والتفاتاتكم المولوية داعين لكم بمزيد النصر والتأييد والعمر المديد ومهنئين ببلوغ الأربعين وسائلين الحفظ والدعاء لولي عهدكم الميمون وفلذة كبدكم المصون وقدس الله روح والدكم الذي بذر البذرة الأولى في إصلاح هذه الجامعة واقتفيتم يا مولانا أثره الحميد " والولد سر أبيه "                                                                              
بلغنا السما مجدا وفخرا وسؤددا   *    وأنا لنرجو فوق ذلك مظهر

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here