islamaumaroc

الذكرى الأربعينية لميلاد الحضرة الحسنية

  دعوة الحق

120 العدد

إنه لجدير أن تكون الذكرى الأربعينية ، أبرز الذكريات والأعياد القومية، وأن يكون يومها – أسعد الأيام – ضاحكا مستبشرا هاتفا ، وفرصة ارتباط ونقطة انطلاق لعرض المشاريع والإنجازات الوافية ، وشرح المواقف والاتجاهات السامية ، إذ هو يوم ظهور الحسن الثاني وعيد ميلاده الميمون ، الذي يصادف ذكرى ميلاد جده عليه الصلاة والسلام ويوافق مبدأ بعثته التي أنقذت العالم مما أصابه ، واتجهت به إلى نظام سعيد ، وقديما قالوا كل مسمى فله من اسمه نصيب ، وكل فترة فلها من التاريخ رقيب.                                              
فإذا ما ذكرت هذه الذكرى اقترن بها ذكر معاني الخير والبر والأحسان ، وتسارع إلى الأذهان إنجازات المعابد الدينية ، والمعاهد العلمية والمراكز التقنية ، وتخطيطات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، والاستثمارات الفلاحية ، والسياحية ، وتصميمات التقدم والرخاء والرفاهية ، وتشريعات المصالح المرسلة العمومية ، وتحركات السهر على الحدود الوطنية والمعالم الإسلامية.                                                                                    
وإذا كان ملوك المغرب قدس الله أرواحهم في دار السلام ، قد أدوا رسالة الجهاد والدفاع والربط في سبيل الله ، وأدوا رسالة المعرفة، والهداية والمدنية كما عرفوها في الإسلام – وشملت كل الميادين الحيوية والمرافق الضرورية – فإن عهد الحسن الثاني – أبى إلا أن يقدم هذه الرسالة في ثوب قشيب وفي عيش فضفاض على أساس التفاعل بين الحضارتين- الحضارة الإسلامية التي تقوم على جانب روحي وجانب مادي – وعلى المزج بينهما في حياة الإنسان – ولذلك كانت وما زالت قائمة لا تبور ولا تنهار- والحضارة الغربية التي تتجلى قيمتها في مجالات العقل والعبقرية ومناهج العمل والحياة الظاهرية ولذلك كان لها لون واحد إلا إنه لماع وبراق – وأبى كذلك إلا أن يعطي المثل الأعلى على قيمة الحياة المزدوجة للأجيال الواردة والقادمة – ويوقظ الأفكار بنبراته الشديدة ، وتصرفاته السديدة ، ويبعث الهمم والقرائح التي نامت عن المجد واستنامت- ففضلا عن هذه الرسالة كانت تؤدى في إطار المعرفة الإسلامية ، والثقافة العربية ، فإن عهد جلالته قد أفاض في اللغات البشرية ، والعلوم الإنسانية ،ليكون ذلك عونا على الحياة القائمة وتوسيع آفاقها ، وتكثير أنماطها – وعاملا قويا من عوامل يقظة الأمة وسعادتها – وكفى أنه قد أوضح هذه الحياة بمفهومها الشامل ومعناها الواسع ، وبلورها في كثير من المناظر والمشاهد التي نراها في حياتنا اليومية ، وفي حياتنا الموسمية ، بعد أن كانت فلسفتها غامضة ومراميها قاصرة.                                                            
ومما لا خفاء فيه أن العهد الحسني غني بجلائل الأعمال ، وغاص بمواقف الأبطال وحافز على الدخول في منافذ الرقي وأسباب النهوض لتحقيق ما يمكن تحقيقه من الأهداف والمتطلبات ، حتى أن الرقباء لتأخذهم دهشة وهم يدققون النظر فيما حققه رائد المغرب الحكيم من معجزات في عالم يكتظ بالآلام ، ويجمع بين السرعة والازدحام ، ويعيش على الأرقام وتحقيق الأحلام ، وهو يقف موقف القائد المتزن في أفكاره الواثق بخططه ، لا تخفيه الهزات ولا تثيره الأحداث- وحتى أنه ليكبر في نظر الخبراء ما يتراءى لهم من الصور والحقائق التي تعبر عن دقة الأوضاع والرسوم لتصبح حياة متكيفة ونهضة متقبلة والله أعلم حيث يجعل رسالته.                                                                          
وأن ما يسعى إليه جلالته من وضع هذه البلاد في نطاق المغرب العربي والأمة الإسلامية أولا والعالم المتمدن الناهض ثانيا لهو منطق العقل الراجح ، ومنهج الشرع الواضح أن التكامل الحضاري لا يتحقق إلا عن طريق التعاون والتبادل بين الأمم المتشاركة في المبادئ والعقائد ، وبين الشعوب التي تربطنا بها عهود ومواثيق – وكلما كان التعاون أعم وأكثر كان النجاح والنهوض أقرب وأيسر.                                                                        
ونحن لا نتخوف من سرعة التقدم ، ولا نتعجب من تماسك السياسة – لأننا ندرك تمام الإدراك أن حياة الحسن الثاني أعزه الله محصنة بالتربية الإسلامية فلا نخاف أن شاء الله أن يجرفنا تيار حضارة أخرى فهو القائد البصير الذي يعرف كيف يدفع الرواسب السيئة عن وطنه العزيز وعن دينه القيم ولا يرضى أبدا بإذابة حضارته الإسلامية في أي حضارة من الحضارات – ولأننا نعلم حق العلم أنه نشأ في بيئة صالحة طاهرة – في كنف والده المنعم مولانا محمد الخامس الذي كان من أشد الناس غيرة على الديانة الإسلامية ، وأكثرهم وفاء للسيرة المحمدية والذي دخل القلوب وسكنها بما كان يتمتع به من أخلاق وبما أسداه من خير ونفع- نشأ على تربية فاضلة ، ورياضة سالمة ، ودراسة جامعة ، واعتزاز بالقيم الإسلامية ، والتقاليد القومية – وتقلب في أطوار العز والمجد ، والحزم والرشد وتدرب على قيادة الشعوب قيادة حكيمة ، وسياستها سياسة رشيدة ، وحباه الله ...الأخلاق ، ووطأة الأكناف ، مما جعله مقبولا ومحبوبا يألف ويؤلف كما ورث نبوغا وبطولة ، وذكاء ورجولة وأصالة رأي ورجاحة عقل ،وما إن بزغ نجمه السعيد حتى قامت النهضة على قوائمها وما إن تولى الملك حتى أقبلت السعادة بعواملها.                           
ولذلك فلا عجب إذا اغتبط المغاربة بيوم ولادته ، وهتفوا بطول حياته ، ورضوا جميعا بإمامته ، فهو أعزه الله بالقياس إليهم القلب النابض والأمل الباسم والرجاء الكامل.                        
وكأننا قد تخطينا النظريات الفائضة إلى الحقائق الصائبة التي لوحنا بها سابقا والتي تتجلى في دعوته إلى اعتماد الإسلام واجتماع المسلمين في صعيد واحد للنظر في مشاكلهم وفي مستقبلهم ، واهتمامه بقضايا المسلمين عامة وبقضية فلسطين خاصة ، ولا يزال أعزه الله يضاعف جهوده في هذا الصدد إلى أن يستجيب المسلمون لدينهم وتحقيق عزتهم وإلى أن تدخل معركة فلسطين في طورها الحاسم ويسترد الشعب وطنه من الغاصب الغاشم ومن جراء ذلك تراه يسعى سعيا حثيثا ويعمل ليل نهار ، ويجتهد بفراسته ويستنبط بالمعينه ، ويشرف على الإطار العام بقصده ويعالج مشاكل الحياة بجده ويجيد حبك السياسة بحذقه ، ويشمل الأمة الإسلامية بعطفه وينشر أصول الإسلام في وطنه ويبثها في شعبه وكفى دليلا على ذلك دار الحديث الحسنية التي شرق ذكرها وغرب وهي الدار التي يحيطها جنابه برعايته ويمدها بعنايته ومنذ تأسست هذه الدار وهي تعمل جادة لتحقيق رغبة جلالته في إحياء السنة المحمدية وبعث مدارسها ودوارسها وتخريج الأكفاء من رجالها كما كان المغرب معطنا من معاطنها وها هي أخذت تسير في طريقها وتفيد الحياة بنورها وهذه الالتفاتة المولوية لا تقل عن الالتفاتة إلى مدارس القراءات ، ومد الكتاتيب في كل جهة من الجهات ، إلا أن ذلك يحتاج إلى المزيد من العناية والتزويد بالاعتمادات السخية، والشخصيات القوية ذات الكفاءة والكفاية – وإلى تقوية التعليم الأصلي والتربية الدينية وفرضها على سائر المؤسسات التعليمية.   
                                                                         
حقق الله أمله وأطال عمره حتى يشاهد بنفسه آثار ما درسه ونتائج ما غرسه وأقر عينه بولي عهده وحفظ سائر أسرته ومملكته ، وبعد : فهذه جملة أوحت بها مناسبة الذكرى ولا ملامة أن يحمد الناس بما فعلوا فقد روي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه انه قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المومن والله الموفق.
                                                

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here