islamaumaroc

الدبلوماسية الإسلامية في عهد الحسن الثاني

  دعوة الحق

120 العدد

عرف المغرب بحكم موقعه الجغرافي وانفتاحه على قارتين هما إفريقيا وأوربا من جهة، وعلى بحرين هما البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من جهة أخرى- عرف منذ القديم بصلاته العديدة وعلاقاته الواسعة مع بلدان هذه الأقطار، وخاصة شعوب البحر الأبيض المتوسط التي ضربت بسهم وافر في الحضارة ، وأخذت تسيد صروح النهضة الحديثة والانبعاث الأوربي.    
وكان للمغرب مع الكثير من هذه الدول صلات مختلفة الأشكال والألوان وتجارة وتبادل منافع ومصالح مع بعضها ، وعلاقات ود وصداقة مع الذين اختاروا صداقة المغرب والتقرب منه، وحروب وعداوة ضارية مع الذين ناصبوه العداء ، وساقتهم الأطماع إلى القرصنة ، ومبارزة قطع أسطوله البحرية التي كانت منتشرة في طول البحر الأبيض المتوسط وعرضه وإلى الهجوم على موانئه وسواحله الممتدة على ضفاف البحرين المتوسط والمحيط.                           
ومن طبيعة هذا الاتصال والاحتكاك بمختلف القوى العاملة في المنطقة أن يقع نمو في العلاقات وازدهار في التجارة مع البعض منها ن وتصادم في المصالح والاتجاهات مع البعض الآخر.وذلك ما جعل المغرب يقوم بإرسال بعثات دبلوماسية إلى بعض الأقطار لتقوم بالسفارة بين المغرب وبينها.فتدعم التبادل التجاري وتنمي العلاقات السياسية والودية مع البعض منها، وتفتدي الأسرى المسلمين من إخواننا أبناء الدول الشقيقة الذين تسوقهم الأقدار فيقعون فريسة في قبضة تجار اللصوصية والقرصنة من البعض الآخر منها، فكان من الواجب استخدام نشاط دبلوماسي كبير لاتقاء شر الدول التي تدفعها نوايا الغزو والتوسع ، والتحالف مع الدول الصديقة  التي تحدوها نوايا التعاون والتعايش وحب السلام ، وتعتبر هولندا من أقدم حلفاء المغرب وأصدقائه.          
ومن أشهر ما امتاز به إذ ذاك أعضاء بعثاتنا الدبلوماسية لدى هذه الدول ، الكفاءة والحيوية والفعالية ، وكانت المهمات التي تسند إليهم تكلل بالنجاح التام في غالب الأحيان.                
وفي هذه العجالة ، لا نحتاج إلى التذكير بالمهمات السامية التي قامت البعثات الدبلوماسية المغربية لدى مختلف البلاطات في أوربا وأسيا وغيرهما ، والتي تزخر بها كتب التاريخ بمختلف اللغات ، وقد سجلت فيها عدة رحلات ما تزال نموذجا للدبلوماسية الحية المتزنة والأدب الرفيع الذي يدل على ما امتاز به سفراؤنا من الثقافة العالية والدقة وحسن الملاحظة.                             
ويكفي لإعطاء نظرة عن حيوية الدبلوماسية المغربية وفعاليتها وسعة أفقها أن نشير إلى أن المغرب كان في طليعة الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية ، وأقامت معها العلاقات الدبلوماسية كما نسير إلى أن هذه العلاقات كانت مزدهرة  في ميدان التبادل التجاري لشراء ما هو في حاجة إليه من 
السفير الحاج محمد الزبيدي ، وعن يساره سكرتير السفارة الحاج ادريس الجعيدي ، وعن يمينه محاسب السفارة السيد بناصر غنام ، وكانت هذه البعثة قد توجهت عقب التوقيع على اتفاقية الصلح بتطوان إلى كل من فرنسا وبلجيكا وانجلترا وإيطاليا في موضوع الحد من الامتيازات الأجنبية والتمهيد لعقد مؤتمر دولي. وذلك عام 1876م.                                         
مصنوعات هذه الأقطار ، وتصريف الفائض عن حاجته من المنتوجات الفلاحية والصناعية .     
ومما يتحدث عنه التاريخ بإعجاب ، صناعة السكر التي ازدهرت في المغرب أيام الموحدين ن والبواخر الكبيرة التي كان يرسلها إلى أوربا محملة بالسكر، ثم قعود محملة بالرخام وغيره من مواد البناء التي زخرت بها القصور والمساجد والمعالم التاريخية التي ما تزال ناطقة بما بلغه آباؤنا من عبقرية وإبداع.   
                                                                               
وقد استمر المغرب ينمي علاقاته الدبلوماسية مع مختلف الأقطار ، تبعا لتطوره السياسي والاقتصادي ، وقد جعل من مدينة طنجة عاصمته الدبلوماسية التي كانت تزخر بالحيوية والنشاط السياسي ، وكان يرمي من وراء جعل طنجة مركزا دبلوماسيا إلى حصر نشاط ممثلي هذه الدول في منطقة محددة ، خاضعة للمراقبة، والحيلولة بينهم وبين التدخل في الشؤون الداخلية وحبك الدسائس وتدبير المؤامرات من طرف الذين يهوون الاصطياد في الماء العكر ، ولم يختف هذا النشاط الدبلوماسي مؤقتا إلا في فترة الحماية التي هي بمثابة فلتة في تاريخ المغرب الطويل العريض، بل إنه كان في نفس هذه الفترة نشاط دبلوماسي مغربي من نوع آخر ، حيث قامت الحركة الوطنية بفتح مكاتب لها في مختلف العواصم العربية والغربية ، تؤدي نفس الدور الذي كانت تؤديه الدبلوماسية المغربية في وقت الاستقلال وهي التعريف بالقضية المغربية ، والتشهير بفظائع الحماية ، والدفاع عن حقوق الوطن في التمتع بالحرية والاستقلال، والسيادة الكاملة. كان ذلك في القاهرة وإسبانيا وفرنسا والأمم المتحدة ، وكان الوطنيون المقيمون خارج المغرب يقومون بدور سفراء المغرب في عهد الحماية ن ويعرفون بقضية البلاد ، تارة بواسطة النشر في الصحافة أو الاتصال برجال السياسة والفكر ، وتارة بإرسال الوفود التي تجوب مختلف العواصم العالمية ، وتشهر بأعمال فرنسا في المغرب.                                                                
وكانت هذه المكاتب تقوم بنشاط يضاهي ما تقوم به الدبلوماسية اليوم إن لم يكن أكثر قوة وفعالية لما لها من الحرية التامة ، بإقامة الحفلات في المناسبات الوطنية وغيرها ، والتحدث باسم المغرب في المؤتمرات الدولية ن وفي الأمم المتحدة بصفة خاصة ، إذ كانوا يحضرون ضمن أعضاء بعض الدول الشقيقة ن ويتكلمون باسم المغرب ، وعن قضية المغرب.                                   
ولم تلبث تلك الغلطة القصيرة المدى في تاريخ انفلات السيادة المغربية من يد أصحابها أن أصلحت وعادت المياه إلى مجاريها، ونعم المغرب من جديد بسيادته الكاملة التي كان اغتصبها منه الاستعمار، وأصبحت الدبلوماسية المغربية مرة أخرى في مختلف العواصم العالمية، وفي المؤتمرات الدولية ، ولدى الأمم المتحدة، تؤدي دورها الكامل ، وتعرف بالمغرب الجديد تحت قيادة بطليه جلالة المغفور له محمد الخامس، وخلفه جلالة الحسن الثاني نصره الله.                     
وسرعان ما أفلحت في لم.... وتحقيق وحدته . وبعد إن كانت الحماية مزقت أوصاله إلى مناطق ن إحداها في الشمال والثانية في الجنوب، وثالثتها دولية ، ورابعتها صحراوية وغير ذلك من الترهات ، عملت هذه الدبلوماسية النشيطة اللبقة على ضم أطرافه بعضها إلى بعض، وتحطيم الفوارق الوهمية التي افتعلها الاستعمار، وأصبحت القوانين الموحدة تسود كل أرجائه من طنجة وتطوان في الشمال إلى إفني وطانطان في الجنوب.                                                           
وما يزال جلالة الملك المظفر يواصل مساعيه الموفقة بدبلوماسيته العظيمة الفعالة التي برهنت الأيام وما تزال تبرهن عن سدادها وبعد نظرها. وقد لعبت الدبلوماسية المغربية دورا فعالا في أحضان الدول الإفريقية ، وعقد المغرب صلات ود وصداقة مع زعمائها.                                 
ولم تكد تمضي سنة أو سنتان على إعلان استقلال المغرب حتى بدأ رؤساء الدول الإفريقية يتهافتون على زيارة المغرب، ودشن هذه الزيارات رئيس جمهورية غانا سنة 1958 وتبعه رؤساء جمهوريات غينية والكونغو والسنغال وساحل العاج ونيجيريا وليبريا وإمبراطور إثيوبيا وغير هؤلاء، كما قام حضرة صاحب الجلالة برد الزيارة إلى بعض هذه الأقطار، وأرسل بعثات ود وصداقة إلى أقطار أخرى.                                                                       
ودعا إلى عقد " مؤتمر ميثاق الدار البيضاء" الذي حضره كل من رؤساء جمهوريات غانا وغينية ومالي والجمهورية العربية المتحدة ورئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية وممثل عن جلالة ملك المملكة الليبية.وكان هذا المؤتمر بمثابة الحجر الأساسي للوحدة الإفريقية التي ظهرت بعد ذلك بشكل بارز عند ميلاد منظمة الوحدة الإفريقية التي كان جلالة الملك يسهم في أعمالها بنفسه تارة ن ويرسل ممثليه إلى بعضها تارة أخرى.                                                           
وعرفت قاعات عواصم المغرب ومنابره ، العديد من السفير البريطاني شارلس ستيوارت مبعوث الملك جورج الأول يؤدي التحية للإمبراطور المولى إسماعيل يوم 11 رمضان 1133(6 يوليه 1721) بإحدى رحاب القصر الملكي بمدينة مكناس ن وقد وقف ابن عطار على يمين العاهل ليقوم بدور الترجمة.                                       
المؤتمرات الإفريقية ، كاجتماعات اللجنة الاقتصادية الإفريقية ، واجتماع ممثلي الإذاعات الإفريقية ومؤتمر المنظمات الإفريقية للمستعمرات البرتغالية، ومؤتمر الاتحاد الإفريقي للإذاعات الوطنية ، والمؤتمر الإفريقي لدراسة العلوم الأساسية في الجامعات، وغير ذلك من المؤتمرات المتنوعة.    
وإلى جانب هذا النشاط الدبلوماسي المتنوع الأشكال والأهداف ، عرف المغرب نشاطا آخر في ميدان الدبلوماسية الإسلامية، ربما كان أحد الخصائص التي أصبح المغرب يتميز بها لدى كافة الدول الإسلامية ، فقد عمل جلالة الملك المعظم على إحياء السمعة التي كان يتمتع بها المغرب كقاعدة من قواعد الإسلام الراسخة في إفريقية ، وحافظ على ما كان موجودا منها ، مثل الدروس الحديثية في رمضان التي لم تعد قاصرة على علماء المغرب وحدهم ،بل أصبحت سوقا علمية إسلامية ذات مستوى رفيع ، يحج إليها ويشارك فيها جهابذة العلماء من مختلف الأصقاع الإسلامية ، وصارت عكاظا جديدة يلتقي فيها العالم الجليل من أقصى المشرق بأخيه وزميله من أقصى المغرب، ويتم التعارف في هذه الحضرة الملكية الدينية ، وبذلك أصبح ذكر المغرب على كل لسان، وصار معروفا في كافة الأوساط والشعوب الإسلامية بأنه حامل مشعل الهداية الإسلامية والرافع لراية الإسلام، والمنارة التي تشع في أرجاء القارة الإفريقية وغيرها في ميدان الدعوة المحمدية.   
وأحيا المغرب أيضا الذكرى المئوية الرابعة عشر لنزول القرآن الكريم، ودعا إليها أكابر علماء المسلمين من كافة الأصقاع الإسلامية. فكانت المجالس حافلة بالعلماء من السند والهند ومن روسيا والصين وماليزيا وغيرها. وتعاقب على منابر الخطابة علماء هذه الأقطار : علماء من يوغسلافيا والسنغال إلى جانب علماء من القاهرة ومكة وبغداد.                                              
ووضع المغرب مشاريع حافلة وضخمة مناسبة لعظمة الذكرى، وأسس اللجان العديدة التي تسهر على إحياء التراث القرآني بالنشر والشرح والتنقيب والتقريب.وما تزال هذه اللجان جماعات وأفراد منكبة على دراسة كل ما له صلة بالقرآن الكريم من علوم التفسير والحديث والقراءات واللغة وغيرها. وكانت مناسبة أخرى عرف فيها العالم الإسلامي المغرب على حقيقته، واتضحت له أهدافه في خدمة الدعوة المحمدية النبيلة ، ونشر راية القرآن الكريم.                              
ولم تقتصر الدبلوماسية الإسلامية الجديدة التي حمل لواءها جلالة الحسن الثاني نصره الله على ناحية أو أخرى من مظاهر هذه الرسالة. فقد أمر جلالته بإحياء التراث الفكري والعلمي الإسلامي ، وسهرت المطابع الملكية على طبع نفائس الكتب وتوزيعها بين المسلمين في كل صقع. ومن مآثره في ذلك طبع مصحف الحسن الثاني الذي جاء آية في جمال الخط والطبع، وتحفة ملكية خالدة. وكذلك طبع كتب جهابذة علماء المغرب والأندلس مثل كتاب التمهيد لابن عبد البر والمدارك للقاضي عياض وغيرهما.  
                                                                      
وقد أمر جلالته بإنشاء معهد تارودانت الإسلامي الذي خصص للطلبة الأفارقة ، وجعلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية رهن إشارة هؤلاء الطلبة مائة منحة يستعينون بها على مواصلة دراساتهم الإسلامية والعربية في المعهد المذكور، ووصل إلى هذا المعهد وغيره من المؤسسات المغربية العديد من وفود الطلبة من السنغال وسيراليون وغولطا العليا وساحل العاج والنيجر وبورا ندي والصومال وإثيوبيا وغيرها من الأقطار التي ينبث طلبتها في مختلف الجامعات المغربية ومعاهدها العليا. كما ورد على جامعة القرويين وفد من طلبة يوغسلافيا المسلمين الذين يتابعون دراستهم حاليا في كلية الشريعة بفاس.    
                                                        
كما أمر جلالته بإنشاء معهد ثانوي في تومبوكتو إحياء لما كانت عليه هذه المدينة العريقة في التاريخ من مجد وازدهار للحضارة العربية الإسلامية في ربوعها ، وآملا في أن يستعيد مكانتها السالفة ومجالسها العلمية التي كانت مزدهرة بأمثال الشيخ أحمد بابا السوداني وغيره.             
وجعل جلالته همه الشاغل الدعوة لجمع كلمة العرب والمسلمين ودعا إلى عقد مؤتمرات القمة العربية والإسلامية ودافع عن فكرة انعقادها بحرارة وإيمان ، مؤمنا بأنها هي السبيل الأنجح للم شعت المسلمين الحاضرة ، واختيار الطرق والوسائل التي تنهض بهم ، واتخاذ القرارات الجماعية والوسائل الفعالة التي تحقق أهدافهم وتنجز مطامحهم.  
                                           
وآخر لبنة وضعها جلالة الملك في هذا الصرح ، هي ذلك القرار الحكيم الذي اتخذه بإرسال وفود مغربية إلى مختلف القارات للاتصال بزعماء المسلمين ورؤسائهم ن وشرح الأهداف التي يرمي إليها جلالته من وراء الدعوة لعقد مؤتمر إسلامي.   
                                             
" أختنا العزيزة البارة                                                                           
إنك ستقدمين على أمة عريقة الحضارة ، متأصلة المدنية ، سفيرة لأمة عريقة المجد ، شامخة العز، فكوني أحسن مبعوث لملكك ، وخير رسول لشعبك، نضاهي بك الشعوب والأقطار ، ونفاخر بك الأمم والأمصار ، ولا يخامرنا شك في أنك ستعرفين ببلادك أحسن تعريف، وتزهرين وطنك في أجمل مظهر ، وتحببينه إلى من لا يمت إليه بصلة ، وترغبين فيه من لا تربطه به وشيجة ، ولا يساورنا ريب في أن رضانا عنك وعطفنا عليك ، ورعايتنا لك ، وما لك في قلبنا من مكانة مرموقة ، ومحبة صادقة وثيقة ، كل هذا سيكون حافزا ومشجعا على النهوض بهذا العبء الجديد نهوضا سيكلل إن شاء الله بإكليل الفوز والنجاح".      
                           
من الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة إلى صاحبة السمو الملكي الأميرة للا عائشة بعد تعيينها سفيرة لجلالته في لندن.                                                                 
والخلاصة أن هذه الدبلوماسية الإسلامية لجلالة الملك حفظه الله ت تجلى في كل خطوة من خطواته ، وتعكس كل حركة من حركاته وسكناته ، وقد علقت بعض المحافل الدولية على الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك المعظم بمناسبة عيد المولد النبوي ودعا فيه إلى عقد مؤتمر إسلامي قائلة : أن هذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها الملك الحسن إلى عقد مؤتمر إسلامي فلقد كانت محاولة تحقيق تماسك أوسع بين المسلمين بصورة عامة كأساس للقيام بعمل إيجابي في الشرق الأوسط ن كانت هذه المحاولة جزءا من سياسته الخارجية.                              
وأضافت هذه المحافل قائلة : إن دعوة الملك الحسن الثاني تأتي في اللحظة الحاسمة من تاريخ المسلمين.                                                                                      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here