islamaumaroc

اتصال المغرب بالتعليم العصري

  دعوة الحق

120 العدد

يرجع اتصال المغرب لأول مرة بالتعليم العصري إلى عهد مولاي الحسن أو على وجه التدقيق إلى سنة 1885 وهي السنة التي أوفد فيها اثني عشر طالبا إلى المدرسة العسكرية لمدينة مونبولييه بفرنسا. وجه بعدهم طلابا آخرين إلى كل من إنجلترا واسبانيا وإيطاليا وألمانيا وهولندا. وكانت رغبة مولاي الحسن أن يأخذ هؤلاء الطلبة بأوفى حظ مستطاع من التعليم العصري، وأن يتمرسوا على الخصوص بأساليب الحرب لينظموا الجيش ويدربوه على الفنون العسكرية بعد عودتهم. وهذا الاهتمام بتحسين الجيش وطرق الدفاع غير مستغرب من لدن العاهل الذي كان "عرشه فوق فرسه"، فقضى حياته إلى النزع الأخير مهدئا أطراف مملكته الشاسعة وصادا الغارات التي كانت ثغورها معرضة لها، وذلك في ظروف اشتدت فيها أطماع الدول الاستعمارية فأخذت تتربص الدوائر بالمغرب للاستيلاء عليه.
ولا يخفى ما أعقب سقوط الأندلس في آخر القرن الخامس عشر الميلادي من زحف واحتلال لبعض الثغور المغربية، وما بذلته الدولتان السعدية والعلوية من جهد جهيد للدفاع عن الكيان الوطني. ومن ذلك الوقت نهج المغرب سياسة الانعزال والدفاع عن نفسه، وظل في هذا الموقف إلى أن سقط في يد الاستعمار. وهذا هو السبب الأساسي الذي جعله منعزلا عن التقدم العلمي والصناعي الذي كان سائرا في الدول الغربية فلم يتأثر به مطلقا. وبقي نظام التعليم على ما كان عليه في العصور الغابرة نظاما تقليديا لا صلة له بالتطور في المناهج التي واكبت تقدم البحث العلمي في المغرب.
ومعلوم أن المدارس العصرية التي فتحت بالمغرب قبل الحماية كانت تابعة للاتحاد الإسرائيلي العالمي أو لبعض القناصل الفرنسية، ويرجع عهد هذه المدارس إلى العشر الأواخر من القرن التاسع عشر، أما الأولى فكانت خاصة باليهود، وكانت بالأحياء الآهلة بهم أو ما يسمى "بالملاح". وكانوا يتلقون بها تعاليم دينهم والمبادئ الأولى باللغة الفرنسية، على يد معلمين كان يستقدمهم الاتحاد الإسرائيلي العالمي من الجزائر وغيرها. وقد فتحت هذه المدارس في الرباط والدار البيضاء وآسفي والصويرة وفاس ومراكش، حيث كانت الجماعة اليهودية أكثر عددا من سواها من المدن. وكان يقدر عدد ما بها من الأطفال بألفين.
أما المدارس القنصلية فلم يكن بها سوى بضع مئات من الأوربيين وبجانبهم نحو الثلاثين من الأطفال المغاربة من أبناء "المحميين" إذ ذاك والمستخدمين في القنصليات الفرنسية. ويرجع عهد هذه المدارس إلى أعقاب القرن التاسع عشر، وقد فتحت هي كذلك في الحواضر التي كانت آهلة بالجالية الأوربية من تجار وأعضاء السلك القنصلي. أما طنجة التي كانت تعتبر العاصمة الدبلوماسية، وكانت بها جالية أوربية كثيرة العدد، فقد أنشأت المفوضية الفرنسية بها ثلاث مدارس للأجانب ومدرستين للمواطنين.
وقبل أن نتعرض بشيء من التفصيل إلى بعض البعثات التي وجهها مولاي الحسن إلى أوربا وكان يقصد من ورائها تكوين متخرجين في العلوم يستعملون بعد عودتهم إلى البلاد في النهوض بالمرافق الحيوية من دفاع وأشغال عمومية وغير ذلك، يحسن أن نلقي نظرة على المناهج التي كانت متبعة إذ ذاك في تدريس العلوم بالمغرب، ولا نعني علوم الفقه والحديث واللغة وما يتصل بها من العلوم العقلية والنقلية حسب اصطلاح ابن خلدون، مما اشتهرت به جامعة القرويين من أقدم العصور، وإنما نقصد العلوم التي كانت السبب في نهضة الغرب وهي العلوم العددية والهندسية والطبيعية والعلوم الإنسانية المصطلح عليها في الوقت الحاضر وما إلى ذلك من طب وفلاحة وغيرهما.
وقد لا نجد وصفا لما كان عليه حال هذه العلوم أوفى من الوصف الذي كتبه ابن خلدون في المقدمة وبقي قائما إلى ما قبل اتصال المغرب بأوربا. لقد عقد عدة فصول في العلوم المعروفة في وقته وانتقد طرق تلقينها، وما آلت إليه، وأكد " أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة ". ومما قاله  في هذا الصدد: "اعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد أن ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقض الدول فيه، وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها.. وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما، وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة. ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما، وما كان فيهما من الحضارة. فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا. وفي موضع آخر أكد ابن خلدون هذا الرأي منتقدا انصراف الطلبة عن التفكير إلى الحفظ قائلا: " بقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم.. فتجد طالب العلم منهم - بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية - سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم"
هذا من ناحية المنهج الذي كان متبعا في التدريس، أما من ناحية الكتب المقررة، فلم تكن تعدو جملة مصنفات لأشهر العلماء - المتأخرين منهم والمتقدمين - منها في علم الحساب: التلخيص لابن البنا، والمنية لابن غازي، وما يتصل بهذه المادة في " الأقنوم" لعبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي، وكشف الأسرار للقلصادي، وفي علم الهيأة: المقنع لمحمد بن سعيد السوسي المرغيني، وشرح بنيس على فرائض المختصر، وسلك الفرائض واليواقيت لابن الصباغ. وقد كانت العناية بهذه المصنفات التي ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر داخله في دائرة اهتمام العلماء إذ ذاك بضبط مواقيت الصلاة وفرائض الإرث وما إلى ذلك. وما قيل في الحساب وعلم الهيأة، يصح كذالك في العلوم النقلية الأخرى.
وبقيت هذه الكتب تدرس في القرويين إلى العصور المتأخرة. ولا  بأس بالإشارة هنا إلى أن التلاميذ كانوا يدرسون الهندسة في كتب متقدمة، من جملتها ترجمة لكتاب وضعه مؤلف فرنسي في أواخر القرن الثامن عشر(1)؛ ذكر ذلك رئيس البعثة العسكرية الفرنسية في عهد مولاي الحسن القبطان إيركمان الذي أقام مدة طويلة في المغرب وأصدر كتابا سماه " المغرب المعاصر"(2)، وعند حديثه عن الطلبة المتخرجين الذين كان يحتك بهم ذكر " أنهم في حالة فاحشة من الجهل (في العلوم الحديثة بالطبع)، وأن الشيء القليل الذي يعرفونه قد تلقوه من الأوربيين الذين اتصلوا بهم في مختلف العصور". والكتاب الذي ورد فيه هذا الحكم القاسي وافق صدوره ذهاب أول بعثة حسنية من الطلبة إلى فرنسا، فلسنا ندري كيف ربط المؤلف معلومات من التقى بهم باتصالهم مع الأوربيين إذ يكاد يكون من المؤكد أن الاتصال العلمي لم يكن قد تم بعد.
ويفضي بنا الحديث إلى الكلام باختصار عن دخول المطبعة إلى المغرب كأداة من أدواة المعرفة والتعليم. لقد أسست أول مطبعة حجرية بفاس في عهد سيدي محمد بن عبد الرحمان. ويذكر رئيس أول بعثة علمية فرنسية قدم إلى طنجة سنة 1906، وترك تقييدا طبع بعد ذلك عن مدارس فاس(3)، أن أحد الأتراك هو الذي جلب أدوات هذه المطبعة وأقامها في وسط المدينة القديمة وأن السلطان هو الذي أدى ثمنها. وقد طبعت ثلاثة كتب في ظرف سنة. ويضيف الكاتب الفرنسي أن إشاعة انتشرت في المدينة مفادها أن ذلك التركي كان مسيحيا، فطرد من المغرب وسلمت المطبعة إلى بعض الأفراد. لكن الطباعة عرفت تقدما ملحوظا على عهد مولاي الحسن الذي كان شديد الولوع بالعلوم، فتأسست مطابع خصوصية أخرجت عدة كتب في الحساب والرياضيات والفرائض زيادة عن كتب أخرى في شتى العلوم مما لا محل لذكرها هنا(4).
هذه حالة التعليم بإيجاز في أول عهد مولاي الحسن جد العائلة المالكة. وقد عرفنا شدة اهتمامه بتقدم مملكته ورغبته في الاستفادة من النهضة العلمية التي كانت قائمة بالغرب قاب قوسين من الثغور المغربية، فأخذت آثارها تبدو في الغارات والمناوشات والانقضاض على تلك الثغور. أدرك السلطان ألا سبيل لحفظ سلامة البلاد آجلا إلا بدفع ناشئتها إلى المعرفة والارتواء من العلوم العصرية، ولا محيد من التطلع إلى الغرب مهد تلك العلوم.
في سنة 1884 أفضى برغبته إلى رئيس البعثة العسكرية الفرنسية التي كانت تشتمل على عدة ضباط وكانت تهتم بتكوين المشاة وجنود المدفعية بالمغرب(5). وحصل الاتفاق على إيفاد اثني عشر شابا إلى المدرسة العسكرية بمدينة مونبولييه، فأبحروا من طنجة في شهر يونيه 1885 على ظهر باخرة يرافقهم ترجمان من جنسية اسبانية انتدب للبقاء معهم، مدة إقامتهم، وتوجه في نفس الباخرة سفير المغرب بفرنسا عبد المالك بن علي عامل وجدة وبرفقته وفد كثير العدد في مهمة لا شأن لهذا الحديث بها. 
ويبدو أن اختيار الطلبة لم يكن موفقا حيث وجه بعض الأميين والمحترفين ومنهم اثنان كانا يتعاطيان الخرازة قبل ذلك. وسرعان ما تبين أنهم فاقدون الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه أي تعليم. وقد وضع لهم برنامج دقيق فأخذوا يزاولون الدراسة النظرية والعلمية واتضح بعد مدة قصيرة أن ستة منهم غير قابلين للتعلم، فاقترح إعادتهم إلى المغرب وإبدالهم بجماعة من الطلبة أكثر استعدادا. فلم يعد منهم سوى ثلاثة لعدة أسباب، وبقي الآخرون إلى متم سنة 1888. وكان مولاي الحسن يحرص على إعطائهم كافة الحظوظ ليتعلموا ويتكونوا في المهام العسكرية والفنية التي ذهبوا من أجلها إلى فرنسا. وكانت الدولة المغربية هي التي تقوم بالإنفاق على دراستهم.
ولم يستفد هؤلاء الطلبة من إقامتهم بفرنسا مدة ثلاث سنوات ونصف شيئا يذكر، كما أن المغرب لم يحصل على طائل من هذه البعثة ولا من البعثات التي وجهت بعد ذلك إلى فرساي للتدرب على أعمال الدفاع، وإلى كثير من الحواضر الأوربية في ألمانيا وإيطاليا وهولندا وإنجلترا واسبانيا. والظاهر أن رجال "المخزن" لم يدركوا الهدف الذي كان يتوخاه مولاي الحسن وكانوا يرتابون من كل تعليم قد يأتي من الدول الغربية نظرا لضيق الأفكار في ذلك العصر. فبدلا من توجيه طلبة مختارين اكتفوا بإيفاد كثير ممن ليس لهم استعداد للتعلم. وهذا لا يعني أن كل الطلبة كانوا من هذا النوع. بل منهم أفراد قلائل كانوا يمتازون بمستوى لا بأس به في المعرفة، ولهم مؤهلات للتكون حسب التقارير التي نشرت عنهم فيما بعد، فلا ينبغي الحكم على النتيجة بأفكار هذا العصر، وإنما يجب وضعها في إطار العقلية التي كانت سائدة إذ ذاك. وإذا كان من بينهم أفراد نابهون عادوا إلى بلادهم بحصيلة لا بأس بها، فقد كان الحاكمون إذ ذاك ينظرون إليهم بعين الارتياب فلم توكل لهم أي مهمة. زد على ذلك ما أعقب وفاة مولاي الحسن من تبدل في الاتجاه وما أصبح يواجهه المغرب من أتعاب داخلية وخارجية نتيجة المطامع الاستعمارية. 
لم يكن إذا بد لأولئك المتخرجين من الاندماج في الوسط الذي عادوا إليه والاشتغال كمطلق الناس بشؤون العيش، دون أن يفيدوا المجتمع بشيء جديد. وقد أدركنا كثيرا منهم في مدينة سلا أمثال السادة العربي حركات والنجار بولان والقجيري وحسين الزعري، وقليل منهم كان له مقام في المجتمع، وقد حاول أحدهم - على ما حكي لنا- فتح مدرسة بعد عودته من فرنسا، فأقفلتها السلطات إذ ذاك.
هذه نظرة سريعة عن اتصال المغرب بالتعليم العصري، أثبتناها هنا للمقارنة بين ما كان عليه التعليم في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن وما أصبح عليه اليوم. وتجدر الإشارة في الختام أن التعليم العصري بدأ عقب فرض الحماية بإنشاء مصلحة خاصة به في أكتوبر 1912. وكان تفكير سلطات الحماية متجها قبل كل شيء إلى تعليم أبناء الجالية الأوربية التي أخذت تتدفق على المغرب نتيجة الاحتلال، وأنشأت بعد ذلك مدارس خاصة بالأطفال المغاربة. وظلت السلطات المحتلة تدرس مدة ثلاث سنوات نوع التعليم الذي ينبغي تلقينه إلى هؤلاء والمستوى الذي يجب أن يصلوا إليه في تعلمهم.


(1) اسم المؤلف.   legendre وعنوان الكتاب element de geometrie صدرت أول مطبعة منه سنة 1794
(2) Le Capitaine Erckeman  صاحب  Le Maroc moderne صدر سنة 1885.
(3) Medersas de Fès d’après les notes de G.Salmon
(4) مجلة Hespéris   المجلد الرابع عشر سنة 1932
(5) انظر البحث القيم للأستاذ J.Caillé  وعنوانه les Marocains à l’ecole
  (1888-1825) du Génie de Montpellier    صدر لمجلة Hespèris    مجلد 16 سنة 1954         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here