islamaumaroc

دبلوماسية الحسن الثاني

  دعوة الحق

120 العدد

سيبقى العود المظفر من المنفى لجلة الملك المقدس محمد الخامس وأسرته الكريمة في السادس عشر من نوفمبر لسنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف مقترنا ما بقي الدهر في أذهان المغاربة وقلوبهم وببشرى الإعلان عن " انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الاستقلال والحري ".   
وتوالى تحقيق البشرى الملكية إلى الأمة بإلغاء عقد الحماية واعتراف فرنسا باستقلال المغرب التام في 2 مارس 1956 ، ثم برفع الحماية الاسبانية عن منطقة الشمال في اليوم السابع من أبريل التالي نتيجة لاعتراف حكومة مدريد باستقلال المملكة ، وإلغاء نظام طنجة الدولي في اليوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر لنفس السنة ، واسترجاع منطقة طرفاية يوم عاشر أبريل عام 1958. وهكذا قطعت البلاد أشواطا بعيدة نحو استكمال وحدتها على عهد ملكها المجاهد الذي لم يعد من منفاه حتى استعاد للمملكة استقلالها وحريتها.                                                   
فلما أجاب الملك المحرر داعي ربه وخلفه ولي عهده ضحى يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان 1381، 3 مارس 1961 كان في اليوم السالف ... وواصل جلالة الملك الحسن الثاني سعي والده العظيم في هذا المضمار فجلا آخر جندي اسباني عن أطراف المملكة المحررة في متم غشت من هاته السنة نفسها، ثم انسحبت القوات الأمريكية عن قواعدها العسكرية قبل متم 1963 طبق الموعد المحدد  لها في البلاغ المشترك الصادر بتاريــــخ 22 دجنبـــــــــــر 1959.                 
أما في المجال الدولي فقد سبق للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في الثاني عشر من شهر نوفمبر لسنة الاستقلال أن صوتت بالإجماع على قبول المملكة عضوا فيها. وأوصى محمد الخامس رضوان الله عليه أول وفوده إلى المنظمة الدولية بمؤازرة جميع المساعي الرامية إلى إسعاد الإنسان وضمان الرخاء للمجتمعات وتعزيز التعاون بين المم وصيانة مبادئ القانون الدولي وإيثار المفاوضات والوسائل السلمية لحسم كل خلاف وتيسير أسباب التقدم الاقتصادي لجميع الأقطار في نطاق احترام الحرية والمساواة.                                                     
ولم يبتدئ شهر أكتوبر 1958 حتى أصبحت المملكة عضوا في جامعة الدول العربية . وما إن حال الحول حتى انعقدت الدورة الثانية والثلاثون للجامعة بالدار البيضاء وعبر الملك المرحوم عن السرور العام الذي يغمر قلوب جميع المغاربة الذين طالما تطلعوا بشوق إلى فرصة كهذه يرون فيها المسؤولين عن السياسة يجتمعون بين ظهرانيهم للنظر في قضايا العرب والدفاع عن مصالحهم ، محققا ما ورد في نطقه الكريم بطنجة قبل استقلال المملكة بتسع سنوات " أن المغرب دولة عربية صلتها وثيقة بالشرق العربي ، فمن الطبيعي أن يزداد هذا الاتصال متانة وقوة ، لاسيما وقد أصبحت الجامعة العربية تقوم بدور مهم في السياسة العالمية " 
أما في ما يرجع إلى إفريقيا فقد ارتأى جلالة الملك الراحل أن يقيم سياسته إزاءها على السعي الصادق لتحريرها من كل استعمار وكفالة حق تقرير المصير لشعوبها كافة، واحترام نظام كل دولة ، والالتزام بعدم الخوض في شؤونها الخاصة ورعاية استقلالها ووحدتها وإيثار سبيل التعاون المقمر معها وإبعاد القارة عن تنافس الكتلتين المتخاصمتين ونبذ التسلح والتزام عدم الانحياز . وقد تجلى وفاء المملكة لهذه المبادئ في مؤتمر ميثاق الدار البيضاء الذي دعا إليه محمد الخامس وانعقد برئاسته في شهر يناير 1961 ، فكان نواة طيبة لمنظمة الوحدة الإفريقية التي تأسست بأديس أبابا في الخامس والعشرين من شهر مايو 1963 ، وكان للمملكة دور فعال في تحرير ميثاقها في الاجتماع الأول لرؤساء دولها وحكوماتها.                                
وواصل المغرب مساهمته الهادفة الفعالة في بناء وحدة المغرب العربي على أسس اقتصادية وثقافية واجتماعية سليمة مع الاهتمام الكبير في نفس الوقت بما يمس عالم العروبة قاطبة ، فانعقد في أواسط شتنبر 1965 بالدار البيضاء مؤتمر القمة العربي الثالث تلبية لدعوة صاحب الجلالة أعزه الله ، وانتهى إلى التوقيع على ميثاق التضامن بين أعضاء الجامعة والتصديق على مقررات هامة تستهدف تركيز الجهود على نصرة فلسطين باعتبارها قضية العرب الأولى.ولما بدت في أفق الشرق العربي نذر الشر اقترح جلالة الملك في شهر مايو 1967 عقد مؤتمر عاجل في مستوى الملوك والرؤساء أو مستوى رؤساء الحكومات العربية لتدارس الحالة وتوحيد الخطة والاتجاه. فلما اشتدت الأزمة بادرت المملكة إلى اتخاذ موقف المؤازرة والتلأييد لشقيقاتها العربيات ، وما إن اعتدت إسرائيل حتى قرر صاحب الجلالة إرسال وحدات من القوات المسلحة الملكية للمشاركة في خوض المعركة لصد العدوان ، فلما نزلت الهزيمة بساحة الأشقاء لم تتولن المملكة في مواساة الضحايا والسعي في المجال الدولي سعيا دؤوبا إعادة الحقوق المغتصبة إلى أهلها وإدانة المعتدين وانسحابهم دون قيد أو شرط من المناطق التي احتلوها.                    
ولقد كانت أعمال جلالة الملك المعظم متوازية في المجالات القومية والعربية والإسلامية جميعا. إذ ظلت المملكة متمسكة بمطالبها حريصة على استعادة ما اقتطع من ترابها ، ومستعدة في نطاق مقررات هيئة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية للتباحث والتفاوض لإحقاق المطالب القومية المشروعة . وقد أسفرت المفاوضات الأخيرة مع اسبانيا عن عقد اتفاق بفاس في اليوم الرابع من يناير المنصرم ن يقضي بإرجاع إقليم إفني إلى سلطة المملكة بعد التصديق عليه بثلاثة شهور. واعتبر جلالة الملك ثمرة المفاوضات برهانا على تشبع بلادنا بحب السلام وإينار سبيل التفاوض والتفاهم لفض المشاكل ، معبرا عم أملع في أن تتلو هذه الخطوة خطوات أخرى يكون من حميد نتائجها الوصول إلى حل جميع القضايا بين الدولتين كما جاء في خطاب العرش الأخير. ولقد أدت هذه الخطة الهادفة المتبصرة من جهة أخرى إلى فتح صفحة جديدة في سجل علاقات المملكة بالقطر الجزائري الذي قدمت إليه أسخى المساعدات إبان محنته وكفاحه ، فتم إبرام معاهدة الإخاء وحسن الجوار والتعاون بين الدولتين اللتين صح عزمهما على دعم الأواصر التاريخية التي تربط البلدين وفسح المجال للتعاون المثمر بين الشعبين وتحقيق فكرة المغرب العربي والاتفاق على عرض مجموع القضايا المعلقة بينهما على لجان ثنائية تتكفل بإيجاد الحلول المناسبة لها.        
واهتمت الدبلوماسية الحسنية اهتماما بالغا بعلاقات المملكة بالأقطار العربية وعملت على تنميتها وتمتينها وتطويرها ، وسعت إلى إحكام الصلات بالأشقاء في المشرق والمغرب واجتهدت لتحسين ما بين الدول العربية وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة من علاقات وتقريب ما بينها من شقة الخلاف ، بالإضافة إلى تسخير شتى الوسائل لدعم الجامعة العربية وتيسير أسباب التعاون الوثيق وصلات الأخوة الإسلامية مع الأقطار التي تجمعنا بها عقيدة التوحيد ورسالة النبي الأمين.      
وجاءت ذكرى مولد الرسول صلوات الله عليه في أواخر مايو الفارط فرد صاحب الجلالة على خطاب التهنئة لعميد السلك الدبلوماسي المعتمد لدى جنابه الشريف معبرا عن شعوره " بضخامة المسؤولية التي يفرضها الحق العربي في هذه المرحلة الحرجة الحالكة والحاسمة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية التي لم تمتحن به هذه الأيام من جراء عناد إسرائيل وتماديها في احتلال الأراضي العربية والأماكن المقدسة الإسلامية واستهتارها بالمواثيق والأعراف الدولية " ، ومبرزا " عزمه الأكيد على مواصلة التضامن مع الشقيقات المعتدى عليها ، وعلى مؤازرة الشعب الفلسطيني حتى يسترد أرضه المغتصبة ويسترجع حقه المسلوب" .                                                        
وتوجه جلالة الملك بالخطاب إلى الأمة المغربية كافة ، نلاحظ أن الدول الإسلامية لم كن أبدا في حاجة إلى حسن المواطنة والجوار وإلى التعامل بمقاييس موحدة واستعمال مفاهيم واحدة أكثر مما هي عليه اليوم ، مجددا الدعوة لانعقاد مؤتمر قمة للدول الاسلامية ترسم فيها المخططات وتتخذ فيه الوسائل حتى تبقى قوتنا إشعاع وحضارة ، وتصبح كرامتنا مصونة وعزتنا موفورة لنساير الدين الحنيف بالمجد والعزة والدفاع عن حضارتنا ومقدساتنا ومقوماتنا . وهكذا رأينا جلالة الملك يضع بدبلوماسيته الرصينة قضايا العرب والمسلمين في إطارها الصحيح الوحيد ويدعو إلى العمل إلى حلها بما يقضي به الحق وتفرضه المصلحة المشتركة. وما كان نهوض المغرب بدوره في العالم العربي والإسلامي وفي القارة الإفريقية والمجال الدولي بوجه عام ليصرفه عن معركة البناء والإنماء التي يخوضها في مختلف الميادين لتقوية جانب الدولة وإسعاد المواطنين بتعميم الرخاء وصيانة الحقوق وكفالة المساواة أمام الفرص .ى فقد أخذت الدولة نفسها بتنمية الانتاج وتعزيز الاقتصاد وتكوين المسير....وتمكين الأفراد من حظوظهم في التعليم والعلاج والعمل جميعا ، إيمانا منها بأن قوة المملكة هي في نفس الوقت قوة للأمة العربية والإسلامية قاطبة.                                                          
أن  صاحب الجلالة الذي يحدد سياسة المملكة ويرسم خطتها الدبلوماسية قد كان وما يزال أصدق لهجة وأقوى حجة في التعريف بالوطن والدفاع عن مطالبه لدى المنظمات الدولية ، وهو الصوت المنطقي الجهير المقنع في المؤتمرات وفي الاجتماعات الثنائية معا. وان إعجاز خطبه ويسر ارتجاله في هيئة الأمم المتحدة ومؤتمر بلغراد لدول عدم الانحياز ومؤتمرات الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية وحديثه السلس الأخاذ إلى الصحافة والتلفزة في عدد من أقطار الأرض بالإضافة إلى حصافة رأيه وبعد نظره وعمق يقينه ورباطة جأشه لمواهب فريدة ومزايا مأثورة أصبحت تؤلف عند الأقارب والأباعد الذين يسيرون التطورات والأحداث في دنيا اليوم سر هذه الخطة الرزينة التي تطبع سياستنا وتمتاز بها دبلوماسيتنا في كدها ودأبها على تحقيق أهدافنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد جاءت نتائجها خلال الأعوام الثمانية المنصرمة مبلورة للأماني ومصدقة للآمال في مختلف المجالات التي لها صلة بسعي الدولة واختصاصها.
وأن سفارات المملكة المعتمدة لدى معظم أقطار الأرض بحكم ما تقضي به مصالحنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتجد في التوجيهات الملكية التي تسترشد بها خير معين لها على النهوض بالمسؤوليات المسندة إليها . كما أن السفراء المعتمدين لدى صاحب الجلالة والذين يتابعون نشاط المملكة وسعيها الحثيث لمكافحة التخلف في شتى ضروبه وصوره ليقدرون هذه الحكمة التي ...شؤون البلاد ويكبرون المواظبة التي تتميز بها مسيرتنا الهادفة ، دون أن .........أو تصيبها عجلة تزيغ بها عن الطريق السوي .ونحن إذا رجعنا بأبصارنا إلى هذه الأعوام التي أعقبت الاستقلال وتتبعنا المنجزات التي تمت خلالها أدركنا هذه الأشواط العديدة التي قطعتها البلاد بفضل حكمة محررها المرحوم وحنكة خلفه من بعده ، وبفضل هذا الاستقرار الذي تنعم به وتستعين على تخطي المصاعب واجتياز العقبات التي تعترض طريقها نحو الغاية المأمولة التي هي توفير العيشة الراضية للمواطنين جميعا .                        
ولقد أشرت فيما سلف إلى بعض تلك المنجزات منذ استقلال المملكة وأوردنها على سبيل المثال لاستحالة العد والحصر ، والأمل الغالي وقد بلغ جلالة الملك سن الأربعين أن يمده الله في عمره ويبارك فيه ويلبسه لباس العافية ويسدد خطاه ويكتب له النجاح والتوفيق في كل ما يأتي من الأعمال حتى يتبوأ الوطن العزيز أسمى المقامات وأعلى الدرجات بين أمم الأرض.
           

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here