islamaumaroc

من حياة الرياضي الأول ممارسة فلسفة وعمل

  دعوة الحق

120 العدد

ظهرت الرياضة بظهور الإنسان على وجه البسيطة كرغبة عضلية تحقق له النمو البدني، وعنصرا هاما من عناصر تكوينه الشخصي تذكي فيه نيل الشجاعة واحترام النفس ، وتعلمه قوانين الحفاظ على الصحة والقوة ، وتعطيه ذوق الحركة والجهد اللذين غالبا ما يفقدهما إما في الركود المستمر أو العمل الفكري المرهق...                                                  
والرياضة تمنح لمزاولها روح الدقة في كل شيء ، ومقياس ملاءمة الوسائل للغايات والأهداف وتحيي فيه مبدأ العمل الجماعي وتبعده عن الأنانية المقيتة ، كما تتطلب المواظبة  عليها صبرا ورباطة جاش ، وطول نفس ، واحتقار كل ألم مع استهلاك طاقة جسمانية جبارة ،فهي إذن ثقافة كاملة ، وتكوين عام ، وميدان تربوي زاخر.   
                                              
ممارسة...                                                                                   
اعتمادا على هذه الحيثيات، وانطلاقا من هذه المبادئ ، زاول الملك المغفور له محمد الخامس شتى أنواع الرياضات ، وحث أبناء شعبه على ممارستها معطيا ، كعادته ، أروع مثال بنفسه وبأنجاله الكرام، في مقدمتهم ولي عهد المملكة آنذاك صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن. لقد كان رحمه الله حريصا على تربيته التربية الصحيحة وتكوين شخصيته التكوين المتين الذي يجعل منه رئيس دولة المستقبل ، فكان برى في الرياضة مكملا ضروريا لهذه التربية وعاملا مساعدا على ذلك التكوين، فبنى له ملعبا جوار المدرسة المولوية ، وعين له أساتذة الرياضة كباقي أساتذته في المواد الدراسية الأخرى، فشجع ونصح وساير،واستفسر وأبدى للنشاط الرياضي نفس الاهتمام الذي كان يوليه ، رحمه الله عليه ، لباقي أنشطة وأعمال ولي عهده المبجل.                                                                           
وهكذا وبفضل الرعاية السامية والعناية المولوية الكريمة ، بدأ الحسن العظيم مزاولته للرياضة في سن مبكر جدا ، فركب الخيل منذ السادسة من عمره، فأحب هذه الرياضة حبا كبيرا لما تحويه من مزايا النبل والشهامة والإقدام ، فكان لشدة ولعه بها لا يفارق ظهر جواده ويغادر ملعب المشور السعيد إلا عندما تناديه التزاماته الدراسية أو الرسمية أو غيرها. وإذا كانت الفروسية بالنسبة لمحمد الخامس ، قدس الله روحه ، لا تشكل إلا وسيلة للتجول والاستجمام فإن مولانا الحسن اتخذها كرياضة أساسية كاملة مارسها بجميع شروطها وقوانينها ، فشارك في عدد لا يحصى من المسابقات الوطنية والسباقات الدولية نافس فيها خيرة أبطال العالم منافسة شديدة وانتزع منهم عن جدارة ألقابا وكؤوسا مازالت تزخر بها رفوف نادي جلالته الخاص فكان حفظه الله يثير إعجاب وتقدير هؤلاء الأبطال العالميين المحترفين الذين كانوا يطأطئون الرأس أمام براعة ومهارة حضرته.     
ولم تكن الفروسية وحدها تستأثر باهتمام جلالته وإنما كانت بالنسبة له أول اتصال لجلالته بالرياضة ، فقد اهتم حفظه الله بجل أنواع الرياضات الأخرى ، الفردية منها والجماعية ، حيث لا زال يمارس معظمها إلى الآن رغم مشاغله الكثيرة وأوقاته الثمينة.                         
فحمل الأثقال رياضة أساسية يزاولها جلالته كل صباح ، والكولف ، لعبة مفضلة لجنابه الشريف برع فيها مثلما نبغ في ركوب الخيل فاستطاع أن يحقق في سنتين ما حققه أبطال عالميون في خمس وعشرين سنة لما لجلالته من رزانة ودقة وبعد نظر ن وتلك شروط ضرورية لهذه الرياضة الجميلة.                                                             
وما يقال عن الكولف يمكن قوله عم كرة المضرب التي غالبا ما يزاولها جلالته للترفيه عن النفس والتخفيف عنها بعد أعماله اليومية المضنية ومتاعبه السياسية والفكرية.                 
أما الصيد البحري منه والبري ، فلجلالته الباع الطويل فيهما والشغف الكبير بهما ، يفضل البحيرات والأنهار في الأول والأدغال الوعرة والنجود المرتفعة المتوحشة في الثاني. ولجلالته في الصيد البري طريقة خاصة في الرماية حيث يمتاز بالدقة المتناهية والإمعان الشديد ن فهو لا يضيع رصاصة واحدة إلا بعد التيقن من إصابتها للهدف ، كما أنه يمتنع من الضرب عن قرب إذ يعتبر حفظه الله ذلك وحشية لا صيدا.                                                
والألعاب الجماعية تحظى كلها بإعجاب جلالته ن من كرة القدم إلى كرة السلة إلى كرة الطائرة..إلى كرة اليد على الخصوص حيث كان يزاولها مع رفقائه في الدراسة وأساتذته في الرياضة ، ويستمر في ممارسة بعضها إلى الآن عندما تسمح له أشغاله العديدة بذلك ، فضلا عن اهتمامه بباقي الرياضات الأخرى كالمشي والجري والقفز والتسلق والسباحة التي يهواها جلالته كثيرا.                                                                                
وجلالة الحسن رياضي كامل يمتاز في كل هذه الأنواع الرياضية بالخفة في الحركة والدقة في إصابة الهدف إذ يعتمد على الفن والإبداع قبل استعماله للجهد والقوة. فسرعة انتباهه ، وبعد نظره وثقته بنفسه تجعل جلالته في صف الأبطال الذين يمارسون الرياضة بذكاء فيسخرون الفكر للجسم والعقل للتصرف والحركة.                                                      
وجلالة الحسن رياضي كبير ، متشبع بالروح الرياضية المحضة العالية ، يمتثل لقوانين اللعب بكامل الاحترام ، ويخضع لأوامر الحكم سواء أكان هذا الأخير أستاذا أم خادما، كبيرا كان أم صغيرا وسواء كانت الأحكام صائبة أم جائرة . فجلالته في الميدان لا يفرق بينه وبين باقي رفاقه في اللعب فلا يتصرف كأمير وكملك وإنما كلاعب عادي ورياضي وسط الرياضيين يؤمن بالهزيمة كما يؤمن بالنصر.                                                            
وجلالة الحسن رياضي شهم ، شهامة كل عربي وكل مغربي. فرغم روحه الرياضية السامية ورغم إيمانه بسنة الرياضة فإن حبه للنصر عظيم فلا يرضى به بديلا ، يعمل للحصول عليه كل ممكنه ....لنيله حتى آخر لحظة من المباراة أو السباق بعد أن يكون قد بذل كل قواه وترك في الميدان آخر قطرة من عرق جبينه.        
                                               
فلسفة...                                                                                      
من خلال هذا النشاط الرياضي الحافل ، ومن خلال هذه الصفات الحميدة والمميزات المولوية الكريمة تتجلى نظرة الحسن العظيم للتربية البدنية وتنبثق ملامح فلسفة جلالته الرياضية ، هذه الفلسفة التي لابد وأن تكون لها أبعادها ومراميها ونتائجها الطيبة على الوطن والمواطنين.     
فجلالة الحسن الثاني لا يفرق بين الروح والعضلة وبين الثقافة الفكرية والتكوين الجسمي ، فكلاهما مواز للآخر مكمل له ، وكلاهما ضروري لإنجاب مجتمع صحيح ، مسلم سعيد.      
فالمواطن الحقيقي في نظر جلالته ، هو ذاك الذي يعفي البلاد من متاعب أميته أو مرضه، جهله أو فقره . ولا يمكنه تجنب هذه العلل إلا بتثقيف فكره وبدنه ووقايتهما من كل وبال.     
فالرياضة إذن جزء هام من أجزاء التكوين العام للمواطن، وعامل أساسي من عوامل تقدمه ورقيه إذ بها نحصل على مواطنين صالحين ، أقوياء ، قادرين على الاضطلاع بمسؤولية بناء بلادهم شاعرين بواجباتهم الوطنية ، واعين بمشاكل أمتهم اليومية ، وبالتالي على مجتمع طاهر منظم..نافع.                                                                                  
والرياضة ميدان يذكي في أبنائنا الأخلاق الكريمة والطباع المهذبة السليمة، يشعر فيه مواطنونا بالمرح والسعادة، ويبعدهم عن كل حزن وألم وشقاء.                                         
وللرياضة تأثير كبير على الجمهور، فتعوده السلوك الحسن، وتربي فيه روح المبادرة، والحماس، وتنمي فيه ملكة الذوق وحاسة الجمال والإبداع.                                   
هكذا يرى جلالة الحسن العظيم الرياضة من الوجهة الاجتماعية. فبالإضافة إلى كونها تسلية سليمة وممتعة فهي، على الخصوص، متطلبا إنسانيا وضرورة من ضروريات الحياة اليومية لمقاومة الأوبئة الصحية والوقاية من المصائب الاجتماعية.                                    
وهناك جانب حيوي آخر تنطوي عليه فلسفة العاهل الكريم الرياضية : ذلك هو الجانب الاقتصادي . فجلالته يومن بان الرياضة في يومنا هذا أصبحت من العوامل الفعالة في اقتصاديات الأمم . فالرجل القوي، الخالي من الأمراض والعاهات هو الرجل الأكثر إنتاجا من الرجل الضعيف، المريض ، المعتل. والمومن القوي ، خير من المومن الضعيف...           
كما أن الاهتمام بالرياضة واشتغال الشباب بها يوفران للبلاد كل نفقات بناء المستشفيات والسجون ودور المنحرفين ومراكز التربية المحروسة وغيرها.                               
وقد سبق لمولانا الملك أن ردد غير ما مرة العبارة المشهورة : " من بنى مدرسة أغلق سجنا "ن ويعني جلالته هنا بالمدرسة مدرسة تثقيف الفكر والجسم معا حتى لا يتحول هذا الشباب من طاقة استثمارية ضخمة إلى أداة للهدم والتخريب الناتج عن الفراغ والملل واليأس.             
وفلسفة الحسن الرياضية لا تهمل جانبا، أصبح القرن العشرون يفرضه علينا فرضا ، بل تقدر أهميته غاية التقدير وتعيره فائق العناية. إنه الجانب النفسي المتولد عن الصبغة الدولية والآفاق العالمية التي صارت التجمعات واللقاءات والمباريات الرياضية تحظى بها.                    
فالرياضة عمت كل بقاع الأرض ، فغزت كل الأوساط ودخلت جميع البيوت واستحوذت على معظم اهتمامات سكان المعمور ، فخرجت من نطاقها المحلي الضيق لتغدو نافذة مفتوحة على العالم أجمع تلقي منها كل دولة ما هيأته من أبطال وحطمته من أرقام سعيا وراء الفوز بالشهرة الدولية والسمعة العالمية.                                                                     
وجلالة الحسن الثاني لا تخفى عليه قيمة هذا العنصر الجديد في الرياضة ، كما أنه لا يجهل تأثيره النفسي والبشري وأثره الاقتصادي والسياحي على الوطن والمواطنين.                  
وجلالته يؤمن بالدور الفعال الذي تلعبه الرياضة في توحيد الصف وراء هدف واحد وشعار واحد ، ومتيقن بأنها أداة لبث روح التعاون والتوادد وتبادل الاحترام والتقدير ، ومتؤكد بأنها وسيلة من وسائل التفاهم والوفاق بين جميع الشعوب.. وسيلة لتدعيم السلم والهناء والطمأنينة في كل أنحاء المعمور.    
                                                                       
عمل ...                                                                                      
أعمال الحسن العظيم في الحقل الرياضي هي استمرار لاهتمام حضرته بالرياضة ، وتطبيق لفلسفته ومبادئه الرياضية ، وانعكاس لروحه وعزمه وصدق وفائه لشيء يحبه ويومن به.    
لم يفتأ جلالته منذ صباه من حبو الرياضة والرياضيين بعطفه السامي ولرعايته وعنايته الغاليتين. فترأس وشجع ، وأرشد ووجه، وحضر وساهم . وخطط ونفذ ، وعمل وأخلص. عاشر الرياضيين ....، وهو في ريعان الشباب فشمل الفرق الحرة بحنانه وتشجيعه المادي والمعنوي في وقت كانت الإقامة العامة تحاربها بكل قواها وفي ظرف جد صعب كان الاستعمار يرى في تكاثرها وتكتلها خطرا عليه وعلى مستقبله. فاتخذ جلالته بجوار والده المنعم بالله مواقف بطولية، سيبقى التاريخ والأجيال تشهد لهما بها ، إزاء هذه الفرق وإزاء الفرق الوطنية الكبرى التي فرضت وجودها على العصبة الرسمية آنذاك كالوداد والفتح وغيرهما.   
فكم من مرة كان جنابه الشريف يأتي بنفسه لمشاهدة المباريات التي كانت تدور في رحاب المشور السعيد ، وكم من مرة ابتهج وصفق للنتائج  التي كانت تحصل عليها الفرق الوطنية على خصومها الأجانب ، وكم من مرة أبدى إعجابه التام بالأبطال العمالقة الذين أنجبتهم هذه الفرق ورفعت بهم رأس المغرب عاليا في الداخل والخارج.                                   
وبطلوع فجر الاستقلال بزغ عصر النور فنشر شعاعه  في كل مكان وعلى كل ميدان ، فكان للرياضة منه الحظ الكبير والقسط الوافر وذلك بفضل الإشراف المباشر الذي سعدت به من طرف الرياضي الأول والقائد المظفر الذي سهر بنفسه على تكوين الجامعات والمجلس الأعلى للرياضة واللجنة الأولمبية الوطنية ، كما أسس فريق الجيش الملكي العتيد إيمانا منه بالروح الجديدة التي قد يبثها في رياضتنا الفتية والدور الذي يلعبه في تطويرها وتقدمها.              
ومنذ أن اعتلى الحسن العظيم عرش أسلافه المنعمين وهو يولي الرياضة أكثر من حظها في الاهتمام والعناية فجعلها في مصاف القطاعات الحيوية للبلاد التي تستلزم الدراسة والفحص والتخطيط. فأعطاها مكانتها في التصميمات الحكومية وأقام لها مناظرة وطنية لدراسة أوضاعها على غرار ما فعل بميداني التعليم والفلاحة كما رفع إدارة الشبيبة والرياضة إلى درجة وزارة ومنحها اختصاصات إضافية تستجيب لحاجيات الشباب الملحة وتلبي متطلباته المتزايدة وزودها بالقانون التنظيمي للرياضة الذي سيصدر قريبا والذي سيكون خطوة جبارة للنهوض بهذا الميدان الحيوي الهام. هذا علاوة على مبادرات جلالته الطيبة الكثيرة وتدخلاته الصائبة التي يقوم بها حفظه الله كلما استوجبتها الظروف ودعتها الضرورة لإنقاذ سمعة البلاد وحرمة الوطن إلى غير ذلك من جلائل الأعمال التي يضيق المجال هنا في سردها وتعدادها.                 
فالنشاط الرياضي جزء من مشاغل جلالته اليومية، فهو لجميع الأحداث ، متطلع لكل النتائج ، لا يبخل بوقته لحضور مهرجان أو مباراة ، أو لاستقبال بعثة رياضية وإسدائها نصائحه الغالية وتوجيهاته النيرة ، ولا يقصر في تشجيعه للاعب فائز أو لفريق منتصر ، ولا يتردد في تهنئة حكم نزيه أو توشيج صدر مسير متفان.                                                       
وطموح جلالة الحسن الثاني وإرادته لروية بلادنا في مصاف المم المتقدمة يجعلانه غير راض بالنتائج الحالية وغير مقتنع بمستوانا الراهن. لذلك نجده لا يألو جهدا للرفع من هذا المستوى وإعطاء بلادنا المكانة التي تستحقها بين الدول.                                               
فعلينا أن نعمل يدنا في يد قائدنا ونشمر بجد وإخلاص عن ساعدنا لنعمل على تحقيق هذه الغاية السامية وهذا المقصد النبيل. فذاك أنظر باقة وأثمن إكليل ، وتلك أجمل وأصدق هدية يمكننا نحن الرياضيين تقديمها لرياضينا الأول بمناسبة ذكراه العزيزة وبلوغ جنابه الشريف سن الأربعين.                                                                                    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here