islamaumaroc

الحسن الثاني نصره الله من شبابه إلى كهولته

  دعوة الحق

120 العدد

وكم يطيب لي ويلذ ( وقد بلغ العاهل المحبوب الحسن الثاني الأربعين من عمره ، نهاية استحصاد العقل وارتجاله واكتماله – السن التي لم يبعث الله نبيا  قبلها قط – إلا ابني الخالة " عيسى ويحيى" . يطيب لي في اعتزاز وتقدير – أن أعرض بهذه المناسبة الغالية – اعتناقه الأربعين : نبذة من نشأته وهو دون سن المراهقة أو فيها . فالنحابة أو الذكاء كثيرا ما يبدوان على الشخص وهو في صباه الأول ، وشبابه المبكر تارة من لمحاته المشرقة ، وتارة أخرى مما يصدر عنه من أقوال وأعمال يندهش أمامها المفكرون وقد وقفوا شدها من أصابتها الهدف دون معاناة – إن هي إلا الفطرة السليمة التي قد تطبع الإنسان من أعلاه وراثيا أو يؤتاها تلقائيا وموهبة فهذا خطابه – بكلية القرويين – يوم حل ركاب المغفور له محمد الخامس – بفاس أثناء رحلته- طيب الله ثراه إلى موطن أجداده المنعمين – 20ربيع الثاني عام 1941م.                                                          
بعد هذا التاريخ بخمسة عشر يوما – زار فيها الملك المقدس مدارس فاس وكتاتيبها ومستشفياتها وملاجئها وفي المقدمة – زيارة جامعة القرويين ساعة الدراسة حيث تتبع الحلقات الدراسية واحدة تلو الأخرى.                                                                                     
وألقيت بتلك المناسبة كلمات وقصائد رائعة – كان من أروعها خطاب – ولي العهد ( مولانا الحسن ) ونصه:                                                                                         
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله  وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه – أما بعد فخير ما يبدأ به الكلام حمد الله الذي يسر لنا أن نجتمع في هذا المسجد العتيق ، والمعهد الأنيق ، الذي طالما انشق منه نور الإيمان وتبلج بأفقه صبح الإسلام ، ولاحت من صحونه أشعة الإحسان ، - معهد القرويين الذي يرجو سيدنا المنصور بالله – أن يكون للأمة المغربية حوضا تستقي منه المعارف الدينية ، والمعلومات الدنيوية التي تكون للجميع مبعث السعادة ، ومصدر العرفان.                         
هذا وقد أمرني سيدنا المؤيد بالله – أن أزف إليكم البشرى بصدور أمره المولوي المنيف بتنفيذ عشرة آلاف فرنك (10.000) صله للأساتذة ( وهي وقتئذ ذات قيمة ) ومائة ألف فرنك (100.000) ليباشر بها إصلاح بعض الكتاتيب القرآنية بفاس. كما يسرني أن أتحف كل مدرسة من المدارس القرآنية –أربعة مصاحف- أرجو منكم أن تبقوها (آية الإخاء) الذي يجمعنا والمحبة الأكيدة التي يكنها لكم فؤادي وإذا اهتم مولانا المؤيد بالله – بالوقوف بنفسه الكريمة على حقيقة أحوال هذه المكاتب فليس ذلك إلا لما بعلمه : من أن كتاب الله – هو رائدنا الوحيد في سعينا وراء المصلحة الدينية والدنيوية فلا سعادة لنا إلا به . ولذلك يرجو نصره الله من كل واحد منا أن يبذل جهد المستطاع حتى تكون كل حركاتنا وسكناتنا تحت راية القرآن. فإذا حفظناه كانت حياته حفظه الله كلها توجيه وإرشاد إلى تعلم العلم ، وكان والده رحمه الله يربيه على الاتصال بالشعب ..ولا زالت خطب سموه محفوظة لدى الجيل...                               
في لفظه ومعناه ،ولازمنا تعاليمه الرشيدة وامتثلنا أوامره ، واجتنبنا نواهيه – رجعنا بلا ريب إلى استحقاق قوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله "                                                                                 
ولا ننسى خطابه الق يم الذي ألقاه باللغتين عشية يوم الثلاثاء ثالث محرم في يونيو سنة 1942 بمناسبة تدشين – المعهد المولوي – المدرسة الأميرية الذي كان المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه – يشرف عليها بنفسه- الخطاب الحافل بأعمال خالدة في شتى المقاصد والجوانب ولاسيما ما يخص الثقافة – خطاب ترك الحاضرون كلهم في إعجاب بشبابه الغص ، وقدرته النادرة.                                                                                        
الخطاب الذي دوت كلماته المؤثرة في جنبات – مدرسة أبناء الأعيان ( بالعاصمة الإسماعيلية ) أثناء رحلة العاهل محمد الخامس قدس الله روحه إلى الشمال والشرق – خطاب ممتع كان منه ما يلي: " أبت على أواصر الأخوة  الدينية ، وعهود المحبة الواجب اتصالها بيننا – أن ألازم الدروس المتكاثرة عند دلو الامتحان السنوي بل تغلبت على كل واجب قاصدا زيارة تلاميذ العاصمة الإسماعيلية – لأحييهم ولو اختلاسا إلى آخر الخطاب الذهبي المملوء نصحا وإرشادا.  
وخطابه يوم الخميس أواسط جمادى الثانية عام 1362 موافق 17 يونيو 1943- بمناسبة تدشين المدرسة الحسنية القرآنية – بزقاق الحجر من فاس الفيحاء.                                     
ذلكم الخطاب الرائع الذي احتوت بعض فقراته ما نصه : " فإقامة هدى القرآن هي السبيل الوحيد لنجاتنا دنيا وأخرى- وهي سبب فوزنا إن كنا ممن يروم الفوز، وهي وسيلة نجاتنا إن بحثنا حقا عن وسائل النجاة- فلنرجع إذن للجد والعمل ولنهجر الاتكال والكسل ، ولنقتف سبيل السلف ، مجتنبين مهاوي التلف إلى مناهل العلم – أيها الشباب ، وقد تيسرت لكم لتحصيله كل الأسباب –احفظوا القرآن – وتعلموا العلم لتتدبروه ، كما أمرنا به الباري جل جلاله : " أفلا يتدبرون القرآن" خطاب يفيض دررا وغررا ى يلبث يبث في النفوس وعيا ويقظة خاصة الشباب ومن سيد الشباب.                                                                                        
وهذه حفلة توزيع الجوائز لسنة 1943 م المزدانة بحضور العاهل المكرم محمد الخامس --والسفير الفرنسي – المقيم العام بالمغرب (م.كابريال بيو) التي كان خطيبها المصقع سمو الأمير الماجد (مولانا الحسن) نقتطف منه بعض فقرات للتيمن والاستفادة ، قال حفظه الله بعد جمل : " كثيرا ما حاولنا أن نصير كل العراقل مراكز اعتماد –كمراعاة الأسباب والنظائر وهو أحسن  ما يستعان به في تعلم مختلف اللغات – كالعربية والفرنسية واللاتينية ، والأمل أن تزيد إليها لغة رابعة في السنة الآتية – وهي في اللغة الانجليزية.                                              
وجاء في خاتمته : ولنرحب أجمل الترحاب بالطلبة الناجحين في امتحان التخريج بالقرويين والمدارس الثانوية العربية والفرنسية والمتهيئين منهم لمزاولة العلوم العصرية التي تؤهلهم للقيام بمصلحة البلاد ، فإنها تعلق عليهم آمالها ، ولا تزال تفتخر بجهودهم كما تحمد يوم نجاحهم النهائي . وها نحن نجد شبابه الغص يشفع خطابه العربي بترجمته إلى اللغة الفرنسية – فبرز ثاني مرة في ميدان الإعجاب حيث ترك كل الحاضرين من فرنسيين ومن شاركهم في لغة الفن معجبين بفصاحته وبيانه مما حفز الكل أن يزيد اغتباطا وسرورا بولي عهد المملكة الشريفة.    
وضاعف هذا ما جاء بعد دور الخطابة والتوزيع أثناء تناول الشاي وما إليه من متطلبات ( داخل المشور السعيد) – من مجالسة " ولي العهد الحسن المحبوب " لطبقات الطلبة والأدباء على اختلاف ميولهم وثقافتهم عربية وغيرها ، فكان يتجاذب وإياهم أطراف الحديث حول الثقافة وسيرها في المدارس الفرنسية – وكليتي القرويين وابن يوسف في لطف وتؤده آخذا بمجامع الكل. وقد تبارى الكتاب والشعراء في وصف هذا الحفل الأميري الرفيع ، ونشر بعضه على جناح الأثير كقصيدة الشاعر محمد المهدي الحجوي ذات المطلع :                              
 بين بشرى تزف في أثر بشرى
                     وتهان وتساق نحوك تترى 

وهذا خطابه الشيق بمناسبة تدشين (المدرسة العبدلاوية) بالبيضاء التي أسسها العاهل المغفور له محمد الخامس جوار جامع الحمراء في -26غشت ستة 1943م خطاب جامع احتوى عرض عدة إصلاحات هامة حول التعليم-                                                                    
كان دائما متفوقا على أقرانه، ومثال الجد والدأب على التحصيل في أيام التلمذة فكان المرحوم مولانا محمد الخامس يجيزه بأنفس الهدايا، وأمتع الكتب...                                   
اهتزت نفوس البيضاويين خصوصا وسائر المغاربة عموما- وزاد في غبطة الكل وسروره ما حمله اسم المؤسسة من اللقب العزيز لقب سمو أمير المؤمنين المولى عبد الله – المدرسة العبدلاوية – العبدلية-                                                                        
ويبعث على السرور أكثر – أنه لم تمض ستة حتى أضاءت البيضاء زهوا ونشاطا مرحبة بمعهد جديد أشعت عليه أنوار محمد الخامس نور الله ضريحه – معهد نظامي مزدوج الثقافة " عربية وفرنسية " أخذ أعز لقب يمكن أن يحمله أشرف معهد ثقافي وهو :" مدرسة سمو ولي العهد الأمير مولاي الحسن " ولا ننسى المهرجانات التي أقيمت يوم 16 أكتوبر 1944 أواخر شوال عام 1363 عشية التاريخ لتدشين المعهد الجديد بحضور علية الشخصيات العلمية والثقافية والإدارية وعقب لحظات حضر سمو الأمير يصحبه مندوب المعارف المرحوم السيد العربي العلوي ، وطاف على أقسام المدرسة التسعة وحيى سموه التلاميذ بنشيد أعدوه لذلك مطلعه:   
قفوا صغار النادي
      إلى الأمير الأمجد
فخر الشباب الأوحد
      رمز العلى والسؤدد   
إلى آخره.
بعد هذا قام مدير المدرسة السيد محمد العلمي وألقى خطابا أعرب فيه عما خامر الجميع من الابتهاج والسرور بتشريف صاحب السمو الملكي وتفضله بتدشين المدرسة ، وعن المجهودات المبذولة في هذا السبيل. وسرعان ما أجابه الأمير مولاي الحسن – بخطاب رائع شكر فيه مدير المدرسة على مجهوداته ، وحض التلاميذ على الاجتهاد والمثابرة مبينا فضائل العلم والتعلم بفصاحته المعهودة مبلغا رسالة والده المقدس أحسن تبليغ.                                     
وفي الختام توجه وسط عاصفة من الهتافات لباب المؤسسة حيث كشف الغطاء عن اسم المدرسة رسميا.                                                                              
ووعد سموه المدير- بأنه سيحضر سنويا الاحتفال المقام لتوزيع الجوائز.  وقدم هدية ثمينة لمدير المدرسة قدرها : 25.000 ألف فرنك (لها وزنها في هذا التاريخ) قصد تزويد المدرسة الأميرية لأول نشوئها بأدوات ضرورية – وشكره المدير على عنايته ....وجعل الهدية حجرا أساسيا لتهيئ مكتبة للمدرسة.                                                                 
فتنبع وقفات سمو الأمير المولى الحسن – لا تفي بإحصائها وحصرها هذه العجالة الخاطفة – لذا فقد خصها الكاتب الجراري بتقييد هام ضم جل جولاته منذ المراهقة إلى قريب من جلوسه على أريكة عرش أجداده المنعمين.                                                           
وختاما أرى أن كل تلك المراحل الطيبة التي قطعها سمو الأمير تعد تمهيدات وإرهاصات وتخطيطات سابقة جعلت تنضج اليوم معطية أكلها الشهي- وقد عانق أعزه الله سن الأربعين سن الاكتمال والنضج. فليسر في خطتها الرشيدة محفوظا في ولي عهده سيدي محمد وباقي الأسرة الموقرة.                                                                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here