islamaumaroc

الحسن الثاني والتعريب من خلال مؤتمر التعريب

  دعوة الحق

120 العدد


كان اهتمام جلالة الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه بالتعريب وقضاياه الخاصة والعامة لا يقل عن اهتمامه بالميادين الحيوية الأخرى لدولته الناهضة وأمته المتعلقة بأهداب عرشه العتيد، حيث كان لا يترك مناسبة من المناسبات إلا ويشير فيها إلى هذا المبدأ المتركز في قراره نفسه. ورحلته الأخيرة إلى ديار الشرق العربي واقتراحاته في المجامع والجامعات خير مثال لذلك ، وقد كان خلفه البار وساعده الأيمن جلالة الحسن الثاني نصره الله يشاطره الفكرة ويسير معه دائما في تنفيذها جنبا إلى جنب. وقد شاهد محمد الخامس رحمه الله اختلاف المصطلح العلمي- الذي هو الأساس الأول – لتحقيق تعريب منطقي رصين – من امة إلى أخرى بل من هيئة وحتى من بعض أقطار العالم العربي من العسر بمكان ، ولذلك رأى طيب الله ثراه أن يدعو قادة العالم العربي والمفكرين والعلماء إلى الاجتماع في مؤتمر علمي بالرباط يهتم خاصة بالطرق والأساليب التي يمكن بها تحقيق تعريب المغرب العربي الذي عمل المستعمر الدخيل بكل ما يمكن من قوة وأساليب شيطانية إلى إخراجه من حظيرة العالم العربي وتوسيع الشقة بينه وبين إخوانه العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كما يهتم أيضا بتوحيد المصطلح العلمي العربي القديم وتعميم استعماله بين جميع الناطقين بالضاد إلى جانب اهتمامه بمسائل أخرى تهم توحيد الثقافة واتجاهاتها على الصعيدين العربي والإسلامي وتطويرها وتطعيمها بمختلف الثقافات الحية الأخرى حتى تستجيب لجميع الرغبات وتساير النهضة العلمية العالمية وتسترجع مكانتها بين أمم المعمور ، كما كانت في الماضي وفي عصور الإسلام الذهبية بالخصوص.                                                                                 
لقد صادفت دعوة محمد الخامس طيب الله ثراه إلى عقد مؤتمر للتعريب بالرباط عاصمة المغرب الحديث أذنا صاغية وقلبا واعيا في جميع أمم الشرق العربي وحتى لدى الشخصيات العلمية من العالم الغربي التي تهتم بالدراسات العربية والإسلامية، ولكن المشيئة لم تتركه حتى ينفذ هاته الرغبة العزيزة عليه مثل الرغبات الأخرى التي كان يطفح بها قلبه الحي النابض لصالح شعبه وأمته المتعلقة بأذياله- وياما أكثرها- فرأى جلالة الحسن الثاني الذي كان يشاطره أعماله الصالحة كلها أن ينفذها ويحققا ويجدد الدعوة إلى قادة الشرق وعلمائه حتى على المغرب
.. ووحدانا بأفكارهم القيمة ودراستهم الفياضة ليحيوا أياما خالدة يسعد بها المغرب وأبناؤه المتعطشون إلى العلم والمعرفة في كل زمان ومكان.                                          
لم يحل اليوم الثالث من أبريل (1961)-حيث مضى بالضبط شهر واحد على تربع جلالته على العرش العلوي العتيد خلفا لجلالة والده الميمون المغفور له جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه – حتى عقد مؤتمر التعريب بحضور ممثلين عن جامعة الدول العربية ودولها وملاحظين عن كثير من الجامعات العلمية العالمية ، واستغرق هذا المؤتمر أربعة أيام كانت مسرحا لبسط كثير من النظريات العلمية والبحث عن الحلول الناجعة لتطبيق تعريب منطقي رصين لا يجحف بالمستوى العلمي على الصعيد العربي وسردت عدة بحوث ذبحتها أقلام علماء أعلام من الشرق ومن الغرب وعلى الخص منها ( الطرق الفعالة لتوحيد المصطلح العلمي العربي وكيفية تدوين المصطلحات العلمية وتوحيد الأرقام العربية ، والعناية باللافتات العربية ، وتوحيد الرموز العلمية). وقد أجمع العلماء الحاضرون في المؤتمر على أن مؤتمر التعريب يعتبر حسنة من حسنات الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه وصدروا بذلك توصياتهم التي تعتبر وثيقة تاريخية مهمة في تاريخ وثائق المؤتمرات العربية الأخرى.                                   
ولو لم يكن من نتائج هذا المؤتمر إلا تكوين المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي لكفاه أهمية وقيمة وتقديرا في نفوس الشرق والغرب لأن هذا المكتب قد قطع أشواطا بعيدة المدى في تحقيق الهدف الذي أسس من أجله بفضل التوجيهات الملكية التي كان يزوده بها جلالة الحسن الثاني من خلال الاتصالات التي كان يجريها المشرفون عليه مع المسؤولين في الديوان الملكي ومن خلال الرسائل المتبادلة في هذا الصدد.                                   
وقد برهن جلالة الحسن الثاني على مدى اهتمامه بالغاية التي كون من أجلها المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي حيث شرف نصره الله أسبوع التعريب الذي نظمه المكتب المذكور فيما بين 3 و 9 يناير 1963) في كثير من مدن المغرب الأقصى ورددت صداه إذاعات الشرق والغرب وصحفهما المختلفة ، وقد انفردت بعض الإذاعات العالمية بتخصيص برامج خاصة زادت من قيمة المكتب وأسبوع التعريب وأضافت منقبة أخرى إلى مناقب الحسن الثاني نصره الله الذي لا زال صدى خطابه القيم يرن في آذان الكثيرين ممن شرفوا بحضور المهرجانات أو اطلعوا عليه بواسطة الصحف والمجلات أو استمعوا إليه من خلال الإذاعات المختلفة. وقد أصدرت بعض الصحف والمجلات المغربية أعدادا خاصة بهاته المناسبة ، كما وزعت الطائرات المغربية أوراقا ومنشورات خاصة تدعو إلى التمسك بأهداب الثقافة القومية والرفع من مستوى لغة الكتابة والخطاب.                                                     
ومنذ أسبوع التعريب دخل المغرب في مرحلة جديدة من الكفاح لاسترجاع استقلاله الثقافي مثلما استرجع استقلاله السياسي ، وهكذا كثر تنظيم المعارض العلمية وتدوين الكتب في العلوم التجريبية والتطبيقية ونشطت سوق العربية إلى حد كبير.                                      
نعم كان علة مختلف طبقات الشعب المغربي أن تبذل جهودها الخاصة والعامة لتطهير لسانها من الدخيل الأجنبي مضيفة هاته الجهود إلى الجهود التي تتوالى من طرف المسؤولين عن التعريب سواء على الصعيد الرسمي أو الحر. وقد قامت الصحافة والإذاعة والتلفزة المغربية بمجهودات مشكورة في هذا السبيل.                                                           
على أن الأمل لا زال حيا في سبيل تحقيق الهداف المنشودة لإقرار العربية كلغة للكتابة والخطابة والعلوم المختلفة على الصعيد العالمي.                                              
وما إقرارها من طرف المسؤولين في المنظمة العالمي( اليونسكو) بفضل اقتراحات الوفد المغربي على الأخص لتكون لغة رسمية في هاته المنظمة تضاف إلى اللغات الحية الكبرى إلا دليل على مدى اهتمام المغرب ملكا وشعبا بالعربية والثقافة الإسلامية كما يهتم بجميع العلوم والفنون التي ترفع من قيمة الإنسانية وتذهب بها قدما حثيثة إلى الازدهار المنشود والتقدم الملموس.  وإننا لننظر بفارغ الصبر ذلك اليوم الذي يتحقق فيه التعريب المنطقي الرصين في جميع مرافق الحياة ونرجو أن يكون قريبا وفي عهد الحسن الثاني نصره الله.                 
على أننا نعلم جيدا أن الثقافة الإسلامية إنما ازدهرت باحتكاكها بالثقافات الأخرى ولاسيما الفارسية والهندية والرومانية واللاتينية. وأن المغرب بفضل موقعه الجغرافي وتاريخه العالمي لا يمكن أن يقتصر على منفذ واحد على العالم الخارجي بل لابد أن يفتح منافذ ومنافذ وأن يدلي بدلوه مع الدلاء ، وأن يشارك في الأسواق الثقافية العالمية على سنة الأخذ مثلما لغيره من الأمم الأخرى ، ولهم عقولهم ونظرياتهم وقد جربت في كثير من الميادين وظهر مفعولها واستفاد العالم منها فليس من المنطق ولا من الإنسانية أن يبقى عالة على غيره سواء في الشرق أو الغرب وبذلك يتحقق استقلاله الثقافي ويتحقق أثر المجهودات التي بذلت والتي لا تزال تبذل في حقل التعليم والتعريب وتطوير الثقافة المغربية. إن وزارة الثقافة والتعليم الأصلي مسؤوليات كبرى في هذا المجال ، وإننا لنأمل أن تتحقق في عهد الحسن الثاني نصره الله ويتعاون مع جميع الوزارات والإدارات المغربية الأخرى ومع جميع المؤسسات اللغوية والعلمية.                                               
كما أن على جامعة الدول العربية ودولها المختلفة أن تعمل بإسراع على تحقيق الأهداف التي نظم من أجلها مؤتمر التعريب وأن تفي بالتزاماتها مثلما يوفي المغرب بقيادة ملكه الحسن الثاني نصره الله.
                                                                                   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here