islamaumaroc

وجدة تستجيب

  دعوة الحق

120 العدد

منظر نهر ( أبي رقراق) المنساب في وسط الوادي العريض يبعث على البهجة والانشراح ، سواء أوقفت عليه فجرا أم ضحى أم زوالا ، أما في المساء فموقف يسعد النفس ويوقع فيها تأثيرا منعشا لذيذا ، يملأها رضى بالحياة ، ويزيدها ابتهاجا بها وإقبالا عليها..                         
تفطن الرومانيون رجال الحضارة والغزو والقدماء لهذا فسكنوا ( شالة) وما حولها ، وتفطن له الفرنسيون ، رجال الحضارة والغزو الجدد ، فأنشأ حاكمهم الأكبر بالمغرب مقر ( الإقامة العامة) له هناك ، ولمن سيأتي من بعده ، ولما أدركته المنية أوصى أن يدفن عن حافة الوادي الجميل، انظروا وتأملوا جيدا، إنها حافة خصبة للغاية ، جيدة التربة ، معتدلة الطقس ن تستقر الشمس الدافئة عليها – صيفا- لمدة خمسة عشر ساعة باستمرار ، دون عائق من ضباب أو سحاب في غالب الأحيان ، وانضاف إلى الجمال الطبيعي مهارة المهندسين الفلاحيين والاختصاصيين في فن البستنة والتشجير والتزهير ، فأصبحت الرباط الوارفة الظلال.                                  
وبين تلك الأشجار الناضرة والأزهار العاطرة أنشئت دارة الحاكم الفرنسي الفخمة ، وأنشئت بجانبها قاعة مكتبه النادرة في أناقتها الواسعة المنسقة ، والأحواض المزدهرة والنافورات النابعة...فكيف يشعر الحاكم الواسع النفوذ- والحالة هذه – بمشاعر الملل أو القنوط ؟ وكيف تشعر بها هذه الطائفة من مساعديه المتخصصين الذين يعززونه ويقومون بشؤونه غائبا وحاضرا ؟ إن لهم كل وسائل الرفاهية في قاعتهم الفسيحة المتعددة الشرفات التي تنسدل عليها ستائر حريرية،  وما أسدلت الستائر الآن إلا لتحجب أشعة الشمس الوهاجة ، التي ترسلها سماء غشت المحترقة على الرؤوس ، وعلى البنايات وعلى أنحاء الأرض.                                  
لقد كان من المنتظر أن يتوجه هؤلاء الموظفون السامون إلى شواطئ ( تمارة) و ( الرمال الذهبية) و ( روزي ماري) و(الصخيرات) من حيث يتمتعون بصيد سمين ، أو بعومة رائعة في المياه الزرقاء الصافية ، أو بتقلبات خالية من أي قيد على الرمال الناعمة الساخنة...ولمن حوادث المغرب تتلاحق وتنذر بمفاجآت أخذ لبعضها الاحتياط اللازم ،وليس في المستطاع أخذ الاحتياط لبعضها الآخر.                                                                                 
لذلك صدرت الأوامر الصارمة بأن يلازم كل الموظفين السياسيين والعسكريين والمحافظين على الأمن مقرات مأمورياتهم ، بالليل والنهار ، تتبعا لنتائج تجمعات القواد والباشاوات الذين قدموا من عدة مدن وقرى إلى مدينة مراكش ، ملتفتين حول الباشا الكلاوي وغيره ، منتظرين التعليمات الصادرة من هذه القاعة الفخمة الظليلة بمدينة الرباط..                                          
ورشاقة واشتد الحر بالضباط العسكريين ، فلبسوا – في خفة ورشاقة – أقمصة وسراويل بيضاء ناصعة تزينها عند الأكتاف شارات ذات خطوط ذهبية ثنائية وثلاثية ورباعية ، كما أن رموز النياشين التي أثبتوها على الصدور فيها دلالة على أن المجاد العسكرية التي فاز بها هؤلاء الرجال في عراكهم ذات أعوام مع قوات أجنبية عدوة ، إنهم يمارسون مهامهم بدقة وصبر ، وتفاهم تام بينهم ، لكأنهم دواليب محرك محكم الأجزاء سهل الحركة ، ثم إن الطاعة العسكرية كانت تطبع كل تصرف من تصرفاتهم فلا عرقلة للأعمال ولا تهاون فيها.                                  
هذا ، بعكس المدنيين الذين كانوا خليطا من عباقرة السياسة ركائز الاستعمار ، واختصاصيي الشؤون الأهلية الذين يرون أنفس هم أنبياء جددا على وجه الأرض ، ومن خلاصة البشر جنسا وسحنة والسنة وذكاء ولباقة ورقة وظرافة..ثم إنهم من العارفين بالعادات المغربية والتقاليد والأنساب واللهجات والمثال والحكايات والأحاجي ، ومن ذوي الاتصالات الوثيقة بحاملي الأسرار من أفواه العامة والخاصة ، تلك الأسرار التي تحمل من داخل البيوت ومن المقاهـــــي ومن الشوارع والأزقة...      
                                                                              
وهكذا كان العسكريون يخططون لاحتياطات الأمن وتنقلات الجنود وحشدها هنا وهناك، متلقطين الإشارات اللاسلكية الواردة من قيادة الجيش العليا ، رادين عليها بأوامر مدققة في الحين وبضبط وحزم لا مزيد عليهما ، مستندين إلى مهارة وحنكة تجارب الحرب وعبقرية الروم العسكرية المتشبعين بها .. ولا يبخلون مع ذلك بالرأي ، عند المشورة ، على رجال السياسة المقيمين معهم في هذه الحجرة الجامعة.                                                                       
إن أحد هؤلاء المدنيين يتميز بدرجة عالية ومكانة سامية بين مكانة القوم الحاضرين كلهم ، فهو يتخذ باسم المقيم العام الحاكم الفرنسي أخطر القرارات ، ولكنه بسبب ثقل وزنه واكتناز شحمه ، وتوالي السهر وأهوال الأحداث ، بالإضافة إلى الحر الخانق وندرة النسيم.. بسبب ذلك كله أخلد إلى الارتخاء ، على أريكة عريضة ضمته إليها ومنحته متعة الراحة فاستسلم لدعابات النوم.    
هناك في الزاوية اليمنى القصبة كان أحد المدنيين – بعكس الموظف السامي المسؤول- يتوقد نشاطا وحيوية ، فهو خفيف الحركة ، لا يكاد يستقر أو يخلد إلى الراحة ، وتكشف أكمامه القصيرة عن ذراعين وساعدين شاحبة اللون ن عارية من أثر الشعر ، يحسب الناظر إليها أن الجلد الأصفر فيها حشي عضلات حديدية صلبة ، والوجه تبعا لذلك نحيف شاحب ، تطل منه عينان دقيقتان متختلتان ، مائلتا الشق ، مما جعل الزملاء يعقلون على ذلك في ساعة السلو والمرح أن حالة هذا الرجل نتيجة ( هفوة فرنسية – صينية)لا يستاء ( روبير) من هذا القول وإنما يتقبله ساخرا هو أيضا ، ويمضي للعمل ممعنا فيه بكل إخلاص ، ومهمته أن يقف طويلا أمام خريطة المغرب ، ويبرز عليها تطورات الأخبار مجسمة حسب اصطلاحات معينة ، هذه مدينة مراكش وحول اسمها دائرة واسعة مع رسم تاج ، والدار البيضاء يحيط بها مربع أحمر الأضلاع، كما أن الرباط وسلا يحيط بهما مربع من نفس الحجم ، وفاس لها مربع مماثل ، أما مكناس والقنيطرة والخميسات ووادي زم وبني ملال ووجدة..فأمام أسمائها علامات استفهام ، حسبانا منه أن هذه مناطق مأمونة الجانب في الوقت الحاضر.                                              
وتوقفت الأخبار فترة فركن هذا الموظف النشيط إلى كرسي خشبي عادي موضوع في ركن من الأركان، وأنعش نفسه بجرعات من مشروب روحي كانت بقيته في قنينة من القنينات المبعثرة فوق مشرب القاعة الفاخر..وهكذا في لحظة انسجام دس يده في جيبه الخارجي وأخرج خريطة مرسومة على ورق مقوى ، وأخذ يجيل فيها قلمه اعتباطا ، ثم دون وعي منه أو قصد، رسم خطا امتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، جاعلا سلسلة الجبال الأطلسية فيما وراء الخط ، قافزا عند مروره بالقلم على المصايف الشهيرة التي يتردد عليها الأوربيون ، وعلى النقط السياحية التي ....فيها ولا يودون مبارحتها..                                                   
وأخذ يهمس لنفسه همسا كان جهيرا في الحقيقة بأعماقه:                                        
- أن العرب سكان السهول هم في الأصل أهل صحراء ، قبل أن يكونوا أهل حواضر ، والبربر سكان الجبال لا يرضون بغيرها بديلا ، فيجب أن يكونوا جميعا في المستقبل البعيد فيما وراء سلسلة الجبال ، إن السهول الساحلية أكثر ملائمة للسكان الأوربيين ، لأنهم جاءوا من مناطق متشابهة ، وهم أعرف بقيمة الراضي الخصبة والروابي الخضر، وهم أهل عمران وزخرفة وتألق، والأرض لمن يعمرها ولنا قدرة على ملء وجهها مصانع وأوراشا يعم إنتاجها كل الأنحاء...إنما أرى أن العملية ليست سهلة ، ومتى نجحت حركة القواد والباشاوات وذهب محمد ابن يوسف ، فلن يصعب اخذ الخطوات الأولى مع السلطان الجديد والباشا الجديد ..خصوصا وأن الباشا لن يأنف من الرجوع إلى الصحراء..أما القواد والباشاوات فتكفي عصا أحد الرعاة لمطاردتهم..حقا إنها أفكار سابقة أوانها ، ولكنه التخطيط ، ونحن الأوربيون مخططون أبدا .أن أوروبيي جنوب إفريقيا ليسوا بأشجع ولا أذكى من أوربيي شمالها ، ستبرهن الأيام عن ذلك ، هم السابقون ونحن اللاحقون .   
وتوقف (روبير) عن أحلامه ، وقام منسلا ليقف وراء زميل له هناك في القاعة ، يعجبه كثيرا لأنه يخالفه في كل شيء ، ذلك لأن ( ميشيل) كان أسود الشعر غزيره ، أسمر اللون مورده ، واسع العينين أسودهما ، ميال للدعابات والفكاهة والمسامرات الممتعة ، يأكل ويشرب كثيرا ، وينام ويرتاح كثيرا. ومع ذلك فهو شغوف بمهمته معتز بخبرته ، فياض في الإجابة عندما يسأل ، وكثيرا ما يسأل ، خبير بالأنساب ، تفوق خبرته فيها خبرة المغاربة أنفسهم ، ذلك لأنه احتال بطريقة البيانات والتخطيطات العصرية وطريقة ( الشجرة) العربية فأصبح كل شيء واضحا أمامه معروفا لديه ، لكأنه يسمي أصابع يده ، يا للمهارة أسأله عن أي بيت شهير في الحواضر أو البوادي ينبئك بخبره ، وهو يستفسر اليوم عن الأسماء الواردة في قوائم المجتمعين حول الباشا الكلاوي بمدينة مراكش فيجيب بدقة متناهية، ويذكر الجدود والآباء ، حتى صغار الأحفاد التقط أسماءهم من الأخبار المحلية بالجرائد ، وأثبتها للفور ، إذ الصغير اليوم سيصير بعد عقدين من السنين شابا له قيمة ، وتلك نظرية وجيهة طالما ألح عليها مجادة الجنرال كيوم ، الحاكم الأكبر الفرنسي...وليس هذا فقط ، إنه أيضا ذو خبرة باتجاهات الأفراد السياسية في العائلة الواحدة ، فالأفراد عنده حسب اصطلاحاته يحملون خطا أحمر ، أو خطا أزرق ن أو خطين أحمر وأزرق بينهما خط ابيض، وتلك رموز واضحة على كل حال  ولكي لا يضيع هذا المجهود المضني فهو يفكر في إصدار موسوعة الأنساب المغربية ، تزود بها مختلف الإدارات الفرنسية بمختلف المناطق القصية والدانية.                                                   
لكن روبير النحيف يعلق على مطمحه هذا كلما ذكره أمامه:                                  
- ولم ؟ ستتبدل الأرض غير الأرض، والناس بغير الناس.                                    
  لم ينقطع الهمس هنا وهناك إلا عندما دخل ضابط هائجا يتناثر الزبد من شدقيه وهو يصرخ :
- وجدة ، وجدة ، وجدة...أدركوا وجدة !     
قام- مرتاعا- كل من في القاعة ، وقصدوا الضابط القادم يحيطون به مستفسرين عن مصادر الخبر الذي جاء به ، وللفور علموا أن الجيش والشرطة لا علم لهم بما يجري حتى الآن، ذلك أن الهياج قام بكيفية مفاجئة ، وأن الحالة كانت تنبئ عن الاستقرار، ولا تعدو الحالة ما يلاحظ هذه الأيام بعدة مناطق من المغرب ، ومن أجل هذا كان الأوربيون فرحين بعيدهم الصيفي (15غشت) مقبلين على ألعابهم وتسلياتهم ، متخفقين من ثقيل الملابس ، ومن ضيق الأطواق ، وكانت الموسيقى تصدح من حولهم ، والمبردات تنعش أشداقهم وبطونهم ...فإذا بالعصي تكسر ضلوعهم والسكاكين والمدى- سكاكين العيد ومداه- تمزق بطونهم وأطرافهم ، إن الإحصائيات الأولى تقول بأنه قد سقط من الأوربيين نحو الخمسة والعشرين ، إنها خسارة ، إنها نكبة..اتصلوا بحاكم ناحية وجدة ، وبالمسيو برونيل ، اتصلوا به..
وخرج الضابط من القاعة ليأتي بالجديد وعندئذ فقط أخذت آلات الإرسال تعطي التفاصيل المهولة عن الحالة بوجدة ، وجدة الواقعة على حدود الجزائر.
قام ( روبير) إلى الخريطة وأحاط اسم وجدة ، بمربع أحمر وبقي من شدة الصدمة ، يبرز الأضلاع باللون المغاير حتى غدا المربع أظهر مربع في تلك الرقعة. غير أن المكلف ب ( الطيليكس) انسل ووقف بجانبه وهمس إليك أخبارا أخيرة ن زد في مربعاتك:
- أربعة قتلى في البيضاء ، وستة بمراكش ، وواحد بالرباط ، وبمكناس عدد من الجرحى...الحالة لا تعجب يا روبير...
وتؤدي على الموظف السامي لدى الحاكم الفرنسي العام بالتليفون ، واستغرق معه محدثه في مساره طويلة ، رجع بعدها الموظف بدفع بطنه الكبير مجهدا ، والكدر قد لطخ جبينه وخديه باللون القاني ، وفؤاده العظيم يكاد يخرج من فمه الواسع المتهدل الشفتين ، ولما توسط القاعة ، قال : - الأخبار تقول أن الأمير الحسن هو المحرك لحوادث وجدة ، فهو الذي أعطى الإشارة الأولى ، وبرونيل الذي كان يدعي أنه رجل وجدة فقد كل سيطرة على الموقف ، فالأوباش والصبيان –الساعة – أثبت منه قلبا ، طالما نصحناه بألا يحكم قبضته حول عنق وجدة وألا يترك الغلاة من مواطنيها يعشون في الأرض فسادا، ولكنه كان يدعي دائما أنه عرف بناسه ، والآن ظهر أنه لا يعرفهم ، لقد كان نائما عند بدء الحوادث،  ولكن لن يوقف الحوادث الآن إلا المتظاهرون إذا أرادوا ذلك ، وهو درس مفيد – كما ترون – للجيران – لكن يزعجني هؤلاء الأدعياء المخرفون ، أعطوني ( ملازما) صغيرا متيقظا يكون عندي أفضل من (برونيلكم) هذا.. هيا أنت..ناد على قائد الحامية الشرقية واطلب منه أن يرمي بأجود عناصره إلى ساحة المعارك ، واتصل بالحدود المغربية للجزائر وأعلمهم بما يجري في وجدة ، واطلب منهم أن يضيقوا الخناق على الحدود... ماذا هل هناك حوادث أخرى يا روبير؟
- نعم سيدي ، في البيضاء ، ومراكش ، ومكناس وفي الرباط من حولنا أيضا.
- بلاغ عام ، القوات كلها تكون في حالة استنفار ، فقد نعلن حالة الطوارئ      
غمغم ميشيل وهو يقلب صفحات كناشه:
- منذ كان هذا الأمير طالبا وهو يزعجنا ، ويقف معاندا في وجهنا ، أبوه يطعم وطنيته وهو  يؤجج عواطف أبيه ضدنا..هذا لا يطاق.
وقلب صفحات الكناش ، واقفا عند رجال الأحزاب الوطنية ، فإذا بكل واحد يحمل علامة حمراء قانية تنذر ، وقد كانت دائما تنذر بالبلاء العظيم ، وصاح فاقدا شعوره :
- كل هؤلاء أعداؤنا ، ومن ورائهم مثقفون وطلبة وتجار وصناع وعمال وموظفون ، يا لقلة الحياء ، حتى الموظفين ، لو استطعتم لجمعتهم كما يريد ( روبير) في الصحراء ، ورجمتهم بقنبلة ذرية تكفي وحدها ليزولوا من وجهنا...
وعاد الموظف السامي لوسط القاعة ليعلن :
- لقد طلبت من المدعي العام ليقدم الأمير الحسن للمحكمة العسكرية ، أنتم متفقون معي على أنه لابد من إجراء صارم...
غمغم الحاضرون بأصوات لا تكاد تبين:
- مرحى مرحى ، شيء معقول ، إجراء صارم لابد منه .
وعلق ميشيل:
- كفى ترددا ، يجب أن تأخذ القرار الحاسم ، ضربة وراء ضربة ، أما فترات التمهل فليست في صالحنا على أي حال ، يجب أن ننحي من الطريق كل من يقف في وجهنا.
وأبدى روبير تعجبه :
- في كل ما قرأت لا أعرف عن السلاطين والأمراء إلا أنهم ميالون لراحة البال ، ومتع الحياة ، أما هنا في المغرب فالمر بالعكس ، وإن تعجبوا فاعجبوا للسجون المغلقة الآن على أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء على السواء ، أولئك لم ينصرفوا لشؤونهم ، وهؤلاء لم يغرقوا في ترفهم ، الرغيف الحافي يأكله الجميع بدون امتعاض وراء القضبان.
وزاد ميشيل
-... والذين علمناهم لغتنا وأدبنا وتاريخنا لم يعرفوا قيمتنا فيسلموا الأمر لنا ، إنهم عنيدون ، عنيدون إلى أقصى حد ، آن لنا أن نكون عنيدين كذلك ، كنا نخشى من خريجي جامعة القرويين والمدارس الحرة ، فإذا بخريجي ثانوياتنا ، وكلياتنا لا يقلون عنهم دهاء وتعصبا ثم إن ....وقاطعهم الضابط الذي أبلغ الجالسين أن ( شارع مراكش) بوجدة انقلب إلى مجزرة ، وأن الجيش لما يسترجع سلطته إلى المدينة ..وأخبرهم أن المقيم العام الجنرال كيوم اتصل بالطليكس من فرنسا ، وطلب التفاصيل عن الحالة ، وطلب تعزيز( برونيل) في موقفه العسير بوجدة ..ذلك لأن بعض المسؤولين بفرنسا يكادون يحجمون عن تأييد حركة مدينة مراكش..
فزع (ميشيل ) من الخبر وقال :
- أنا على أتم استعداد للذهاب إلى مدينة مراكش ، والاتصال بأصدقائي من الباشاوات والقواد ودفعهم إلى التعجيل بعمل أي شيء لإنهاء المشاكل..
أنا أعرف جيدا سعادة الباشا....وأعرف العلامة الشيخ..
عاد الضابط المكلف بالاتصال مهرولا يكاد يطير من الفرح : بشرى ، بشرى ، لقد نزع القواد والباشاوات بيعة السلطان محمد بن يوسف من أعناقهم ، وبايعوا إماما جديدا..
قال الموظف السامي في كامل الانشراح:
- ها قد قام الزعماء المغاربة-أخيرا- بواجبهم ، وكانوا عند حسن الظن بهم ، فيجب أن نقوم نحن من جهتنا بالواجب.. ثقوا أن مسألة وجود محمد بن يوسف على العرش وبقائه مع نجليه بالمغرب هي مسألة ساعات معدودة ، مسألة يوم أو يومين..
وكان هذا العهد من الموظف السامي أمام الموظفين من ذوي المسؤولية حملا ثقيلا وضعه بنفسه على كاهله ، فيجب أن يفي به ، وإلا كانت به نهايته...
أشعل ... ، ومشى متمهلا إلى الشرفة ففتحها ، وسرح بصره عبر الوادي الذي كانت تزحف إليه من جهة الشرق جحافل الظلام الدامس ، لم تستطع أنوار القمر الخافتة أن تبددها، وبذلك اختفى جمال الوادي ، وتسترت نباتاته وأشجاره ، كما لم يعد ينبئ عن وجود النهر سوى تلك الانعكاسات القليلة لأنوار السراج المعلق في السماء. كل شيء ساكن، كل شيء موحش ، كل يبعث على الرهبة والهول والاضطراب.. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here