islamaumaroc

ذكريات

  دعوة الحق

120 العدد

كنا ثلة من الأصدقاء نجتمع في رحاب مقهى باليما ذلك التاريخ سنة 1940 لنتبادل الرأي في شأن المعركة التي كانت قائمة يومئذ فيما بين الأدب القديم والحديث ، كما كنا نتحدث عن المعارك الأدبية التي كانت محتدمة فيما بين أقطار الأدب العربي ، كنا نتحدث عن الدكتور صه حسين وعن ثورات الدكتور زكي مبارك وحول آراء الأستاذ عبد الله عنان ثم عن أبي حيان التوحيدي " وإمتاعه ومآنسته " ولم يكن الحديث الأدبي لينسينا ما يجري في البلد من شؤون أخرى.                                                                                       
كنا نتحدث خلسة عن ذلك الصراع الصامت الذي كان فيما بين القصر والإقامة العامة، وهو صراع كان يتجلى في كثير من المظاهر ذلك أن نفوذ دهاقنة السياسة الأهلية وفقهاءها الأكبرين والأصغرين كان يهيمن على تخطيط السياسة العامة ، كانت المعركة تجري على مستوى الدولة المغربية التي ظل الاستعمار يعمل جاهدا لمسخها بالتشريع والتنفيذ وبواسطة سياسة الأمر الواقع، وبتهديد من سياسة الحديد والنار في حين أن ردود الفعل الشعبي لم تكن أقل حدة من حدة وقاحة الاستعمار ودهاقنته وفقهائه الأكبرين والأصغرين من إدارة الشؤون الأهلية التي كان أصغر مراقب مدني في أقصى ناحية من نواحي المغرب يمثلها.                              
كانت هناك معركة واسعة الأرجاء فسيحة الميادين في التشريع في التعليم، في التوجيه في كل مظهر يتصل بأمر طابعنا القومي.                                                            
ولقد تصدى الاستعمار في ذلك الوقت إلى محاربة التعليم الحر ومقاومته، فتدخل في برامجه ليحلل منها ما حلل وليحرم منها ما حرم ذلك لأن الاستعمار كان يرى في هذا التعليم تحديا لنفوذه وعاملا أساسيا من عوامل إحباط خططه في مخ الشخصية المغربية، وبالتالي في القضاء على كل مظهر من مظاهر القومية.                                                          
وكانت المدرسة المولوية يومئذ مهدا لحركة انبعاث، ومسرحا لحوادث وأحداث تجري كلها في صمت رهيب ، وكان جلالة الملك المجاهد محمد الخامس حريصا كل الحرص على أن تكون هذه المدرسة من أمنع الحصون لصيانة الشخصية المغربية والقومية المغربية ، فكان مما لا بد منه أن يختلط أمر التعليم بأمر السياسة ، فرصد الاستعمار عملاءه ورقباءه لكي يتتبعوا ما يجري في هذه المدرسة . ذلك لأنه كان يريد لها أن تكون مدرسة بيروقراطية بعيدة عن الشعب لا تحس بآلامه ولا بأمانيه ، في حين أن أبا النهضة المغربية والمقاوم الأول جلالة الملك المجاهد محمد الخامس أراد لها أن تسير في تيار الشعور الشعبي وأن تخوض إلى جانبه المعركة في سبيل الإبقاء على الشخصية المغربية والقومية المغربية.                          
وبرز في هذه الأثناء الأمير مولاي الحسن الذي أبى إلا أن يجمع فيما بين الخصلتين: خصلة التحصيل وخصلة دفع الغزو الاستعماري وبكل وسيلة محكمة فعمل على أن تتكيف تلك المدرسة المولوية بالكيفية التي تلائم معركة المصير من أجل انتزاع الحرية وإثبات السيادة وفرض الحق والتمسك به في صلابة يتبعهم الإيمان.                                          
ومنذ تلك السنوات الأولى من عمر صاحب الجلالة الملك المعظم الحسن الثاني لاحت الإرهاصات وتلألأت أنوار العلامات بمستقبل زاهر لهذا البلد في شخصه الكريم وفي خضم تلك المعركة الطويلة الرهيبة اكتسب جلالته من الحنكة والدربة والتجربة ما عزز آراءه فيما بعد.                                                                            
والواقع أن الأربعين عاما التي مرت من عمر جلالته المديد كانت كلها إرهاصات وبشائر شهدت عليها فيما بعد مواقفه المقدامة وشجاعته التي اتسمت وتتسم بالرأي الحصين.       
ففي مؤتمر آنفا الذي حضره مع والده المجاهد لاحظ وقارن ونظر إلى المستقبل نظرة بعيدة أبدى بعدها رأيه الطري السديد.                                                          
وحينما ترأس جلالته تجمعا كشفيا بمدينة طنجة أظهر للملأ أنه ابن الشعب ومنه وإليه ، وكان إلى جانب والده في أحرج الظروف وأقصاها يبدي من الرأي ما يدل على عبقريته التي شخصت وتشخص العبقرية المغربية الأصيلة.                                       
ونذكر فيما نذكر من ذكرياتنا ذلك التغني باسم الحسن الذي كان يتغنى به ذلك الوقت على نغمات أخرى تختلف في الوزن على نغمات اليوم بيد أنها كانت تبرز مشاعر الأمل في نغمات الأمس مثل ما تبرزها في نغمات اليوم.                                           
لقد كانوا يقولون في ذلك العهد : " الحسن الباهي ربنا يحميك " فاستجاب الله الدعاء وحقق الرجاء. وفي خلال الأربعين سنة من عمر جلالته المديد صفحات مجيدة لا من تاريخه الشخصي فحسب ، بل من تاريخ المغرب كتبها بمواقفه قبل الاستقلال.                    
وحينما يكتب تاريخ الحركة الوطنية وبالدقة اللازمة والنزاهة التامة سيبرز اسم جلالة  الحسن الثاني في طليعة أبطال هذا البلد.                                                  
فمن المدرسة الأبوية إلى أريكة الملك يبدو صاحب الجلالة الملك المعظم الحسن الثاني بفكره الحصين واتزانه المثالي ونظرته الشمولية وحبه العميق لوطنه وشعبه وجهاده الصامت الذي كان فيما قبل الملك جهادا أصغر تحول في فترة الملك إلى جهاد أكبر.      
إن جلالة الملك الحسن الثاني وما يزال الصادق الأمين والرائد الذي لا يكذب أهله ، وإن أنصع خصلة في عمر جلالته المديد لتبرز جلية واضحة في أنه أراد ويريد الاستمرار لحضارة هذا البلد وأصالته ووحدته وفي أن تكون مهمة الملك تكليفا لا تشريفا وأمانة مقدسة لا مجرد وظيفة.                                                                         
وبهذه الفلسفة استطاع جلالة الحسن الثاني أن يسهم إسهاما قويا وبناء في تحرير البلد إلى جانب والده المجاهد وأن يسعى ويجد في السعي لكي يحقق له الرخاء والازدهار وقبل ذلك وبعد ذلك الاستقرار.                                                                     
وإذا كان التاريخ هو عبارة عما ورد في الآية الكريمة التي تقول : " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " فإن كتاب صاحب الجلالة الملك المعظم الحسن الثاني خلال أربعين سنة من عمره المديد مليء بالحسنات الكثيرات التي اكتسبها بخدمة بلده والدأب عن سيادته وإعزاز مكانة شعبه ولم شعثه والسير به نحو التقدم وتسليحه بالوسائل التي يتطلبها العصر ثم هو بالتالي مليء بالحسنات الكثيرات بمواقفه في إعزاز الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين ورفع  الضيم عنهم وإزالة كل إهانة لحقت بساحتهم.                                      
وأخيرا فإن الأربعين سنة التي مرت من عمر جلالته المديد لتدل دلالة واضحة على أن جلالته مغربي وطني صميم ومسلم أبي قويم وإنسان نبيل ، تمتاز عقيدته بأنها عقيدة لا تسيطر عليها لا نزعة من التعصب ولا تشوبها شائبة من شوائب العصبية ، فهو بكل اختصار وإيجاز الحسن الثاني الوطني المسلم الإنسان. وتلك هي الخصال الحميدة في عمر جلالته التي أثارت في نفسي ذكريات كتبتها بأسلوب الصحفي ولم أكتبها بأسلوب المؤرخ. ذلك لأن التاريخ يحتاج إلى مجال أوسع وأفسح.وأتمنى أن الأحيان بدلا من أنني كنت وبقيت صحفيا في الكثير من الأحيان.                                                            
ولتدع الله معي أيها القارئ الكريم لآن أكون مؤرخا في بعض الأحيان ، أما أنا فأضرع إليه بهذا الدعاء فقل معي آمين. أوليس ذلك من أضعف الإيمان؟                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here