islamaumaroc

الروايات التاريخية عن تأسيسس سجلماسة وغانا-3- (تر. م.الحمداوي)

  دعوة الحق

118 العدد

                                                - 3 -
5) الرواية عن الاسكندر
نسب بناء سجلماسة إلى الاسكندر الأكبر، و عن هذه الرواية يتحدث ليو الإفريقي : « أن عامة الناس و معهم أحد جغرافيينا الأفارقة الذي يدعى (البكري) يعتقدون أن هذه المدينة قد بناها الاسكندر الأكبر،  لإسعاف المرضى و المجروحين من جنوده، و هذا الرأي ليس براجح عندي، لأني لم أعثر قط فيما قرأت على أن الاسكندر الأكبر قد وصل إلى هذه النواحي ».
قد نكون مدينين بالشكر لليو لأنه كان مؤرخا نزيها لم يمنعه عدم ثقته بتلك الرواية من أن يسجلها، ذلك لأنه بالرغم من عدم ثقته بهذه الرواية فإنها بلا شك تحتوي على شيء من الصحة، و إن كان ذلك ليس بالأمر الظاهر، فقد لا يكون هناك أي فرق بين الروايتين اللتين سجلهما ليو إذا نظرنا إلى مجرد الاسم، و حينئذ يكون قد اشتبه عليه الاسم المذكور في هذه الرواية بأشهر سمى له، و بيان ذلك أن الولايتين الإفريقيتين، نوميديا و موريطانيا، كانتا أيام الحكم الروماني من سنة 308 إلى سنة 311 ميلادية تحت نفوذ دومينيس الاسكندر الذي كان في حرب مع ماسينتيوس إمبراطور روما إذ ذاك، و قد كان الاسكندر الروماني هذا قليل الشبه بسميه الشهير، ذلك لأن هذا لاقى الهزيمة في أول معركة قام بها، و لكن من الممكن أن يكون قد استغل الوقت قبل إعلان الحرب لتأسيس حصن و ملجأ وراء جبال الأطلس المنيعة، و يمكن أن يفهم هذا من عنصرين اثنين من الرواية،/ ذكر الاسم ( مع شيء من التغيير ) و ذكر الجنود، و حينئذ تكون هذه الرواية الأخيرة تشير إلى القائد الروماني المذكور في الرواية الأولى، على أن من المحتمل أن يكون ذكر الجنود قد أريد به فقط إعطاء الصبغة الأصلية للفاتح الأعظم. و أكبر الظن أن الرواية لها معنى يختلف تمام الاختلاف مع ما ذكرنا، فالاسم (الاسكندر) يعني به في اللغة العربية ( ذو القرنين )، الذي يمكن أن يترجم بالذي له قرنان، و هو لقب كان قد أطلق على ( عمون رع )، الالاه الذي يشبه رأسه رأس الكبش، و عندما دخل الاسكندر المقدوني إلى طيبة(1) نادى به كهنة عمون رع على أنه ابن الالاه. هذه و كثير من أمثالها من العناصر المختلفة قد أضيفت فيما بعد إلى قصة الاسكندر، تلك القصة التي اختلفت باختلاف الشعوب التي شاعت فيما بينا، و قد تراءى الاسكندر المقدوني تحت عنوان ( ذو القرنين ) في القرءان، و إذا كان ( عمون رع ) قد أصبح نسيا منسيا في أيام ليو الإفريقي، فربما أن الاسكندر المقدوني هو الذي كان يتطرق إلى ذهنه عند سماع كلمة ( ذو القرنين )، على أنه ليس من البعيد كذلك أن تكون هناك بقية من أثر ديانة عمون رع، ( فكوتيي ) عنده أن ذلك ما يعني بذي القرنين في هذه الناحية، قال ( كوتيي ): ( هناك حجة قوية على أن أثر المصريين القدماء قد تسرب إلى الصحراء من الثيبين على طريق الواحات خلال (طيبة) التي كانت مركزا لعبادة الالاه عمون رع، كما أن ( كوربيوس ) و كتابا آخرين  قدماء قد علقوا أهمية كبرى على طقوس الكبش الدينية خلال قبائل الصحراء، و قج نشر ( مارتان ) صورة فوتوغرافية لتمثال حجري مع رأس كبش كان قد وجد في ( تمنطيت بتوات )، كما أن نقوشا حجرية قد وجدت كذلك في نواح مختلفة من الأطلس الصحراوي بالغرب من فكيك، و هي تمثل رأس كبش فوقه قرص شمسي بإزائه يوروس  Uroeus  الذي هو بكل وضوح ( عمون رع )، زيادة على أن أهالي وادي كير ينسبون أبيارهم العميقة إلى ذي القرنين الذي نعني من له قرنان، و هو الاسم الذي يعني به الاسكندر الأكبر في القرءان(2)  و قد سبق أن الاسكندر قد اعتبر تجسيدا لعمون، الالاه الذي يشبه رأسه رأس الكبش. مما لا شك فيه إذن أن هذه الالتقاءات مع المدنية المصرية التي توضح التشابه الغريب في فنون الري و صناعاته قد استعملت في كلتي الناحيتين، فإذا كان لتأثير المصريين بوجه أو بأخر دخل في تأسيس المدينة فإن ذلك ربما يعني أن بداياتها كانت أقدم من أيام الفاتح المقدوني، و لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المصريين قد وصلوا إلى هذه الناحية البعيدة غرب النيل، و أنه لأمر يستحق الاهتمام أن ينسب ليو هذه الرواية إلى عامة الشعب، فهل يعني بذلك الحراطين؟ ، فإن عامة الشعب ربما تشمل – أن لم تخص – السكان الأصليين لأن الطبقات الكبرى من علية القوم كانت في الغالب تتركب من مختلف أفواج الفاتحين الذين دخلوا إلى هذه النواحي في الفترة ما بين أيام أبي القاسم و زيارات ليو الإفريقي؟

كيف ترتبط الروايات المختلفة بعضها ببعض
إن كلا من البكري و الوزان قد اختارا ما رجحاه من الروايات التي نقلاها، و أعرب كل منهما عن اتجاهه فيما وثقه أو ضعفه من تلك الروايات، و مع ذلك فقد كان لكل من الرجلين من حسن الإدراك ما جعله يسجل من تلك الروايات حتى ما لم يحظ عنده بالقبول، على حين أن كتابا أخرين قد رأوا و كان من واجبهم أن يغفلوا كل الروايات المربكة التي لا تحوي من الضبط و الإتقان ما يتلاءم مع مؤلفاتهم التاريخية، و أغلب الكتاب المعاصرين قد رأوا أن العمل التاريخي يقضي عليهم أن يختاروا ما صح عندهم من الروايات ثم يتجاهولا الباقي، و ليست المشكلة عندي هي أن نصحح ما صح، و نحكم بأن ما عدا ذلك هو خطأ، فلنفترض مثلا على سبيل المقارنة أن مسافرا قام بزيارة إلى باريس، وهو بجهل كل شيء عن فرنسا، و قد تحدث أثناء ما هو هناك، إلى عدد من الفرنسيين من مختلف الجهات ، من ديجون، و من أفنيسيون، و من اكس لاشبيل، و من باريز كذلك، فربما يكون قد التقط بعض روايات ناقصة و مضطربة عن ( بركندي )، و عن مملكة الكارولجيين، و عن فرنسا المعاصرة، فليس الواجب بالنسبة إلى مستمعيه عند ما يرجع إلى بلده هو أن يحققوا أي تلك الروايات كانت الصحيحة عن أصل فرنسا، و إنما يكون الواجب إذا هم قد اهتموا أن يعالجوا المسأةل هو أن يصنفوا العناصر في فترات مختلفة من الزمان، و في مجموعة منتظمة متميزة، فقزان – مثلا – كانت نوعا ما أشهر من وادي زيز، و لكنها وقد كانت – مثل سجلماسة – تقع في النهاية الشمالية لطريق التجارة عبر الصحراء، قد مر عليها كثير من الأحداث التاريخية، و امتلكها في عدة فترات من التاريخ مجموعات من الأجناس المختلفة، لذلك فإن مجموع الروايات عن سجلماسة يجعلها على ما يظهر في وضع متشابه، و من ثم يكون السؤال ليس فقط في أي وقت بنيت سجلماسة ؟ و لكنه كذلك في كم من مرة أعيد بناؤها ؟ متى . و من قبل من ؟ . من المرجح غالبا أن مركزا كان يوجد في وادي زيز قبل سنة 757 ميلادية، و قد يكون هذا المركز قد دعى سجلماسة أو لم يدع، غير أن تجمع الروايات حول هذا الاسم يشير إلى أنه كان كذلك قديما، و ليس لدينا من المصادر سوى المصادر المكتوبة باللغة العربية، و المصدر الوحيد الذي كتب بالإيطالية قد كتبه هو أيضا كاتب مسلم، و من ثم فلم يكن من الغريب أن ستارا قد أسدل بين الخلافة الإسلامية و بين ما سبقها من حكومات إن كانت موجودة، فباستثناء شخصيات ذات إطلاع واسع، و حرية فكر، مثل اليعقوبي(3) فإن جميع الكتاب المسلمين قد اتجهوا إلى أن لا يهتموا بوجوه النشاط التي كانت ( للكفار ) قبل ظهور ( المومنين )(4).
و قد وجد عكس هذا الاتجاه نوعا ما في كثير من المؤلفات في الأراضي الفارسية و اليونانية، و لكن الروايات الأكثر قد ما لم يكن لها من حسن الحظ ما يضمن لها الاستمرار في هذه الواحات الصحراوية، غير أن شعب سجلماسة استمر يذكرها باستمرار وجود سجلماسة، و قد سجل ليو هذه الروايات في وقت كانت فيه قد هجرت من زمن بعيد، و كان السكان الأقدمون يقيمون في قصور حولها، و لم يحتفظ هؤلاء السكان – بطبيعة الحال – بهذه الروايات مكتوبة لديهم، أن ليو هو مصدرنا الوحيد عن الروايتين اللتين سجلتا أعظم أقدم الآثار بالنسبة للمدينة. و يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كان ليو – و هو يكتب إلى جمهور إيطالي، و يتحدث عن قائد روماني – كان فقط يحاول أن يسترضي جمهوره و يتملقه ؟ و أنه اخترع القصة لأجل هذا الغرض ، قد يكون ذلك حقيقة إذا نظرنا إلى النص الذي بسببه اعتبرنا هذه الروايات، و لكن ذلك لا يصدق إلى نظرنا إلى مجموع كلامه في مؤلفه بأجمعه، و ربما كان غرض ليو هو تسجيل كل ما راج حول هذا الموضوع الشامل من جزئيات الأخبار مهما صغر شأنها، و قد يكون الباعث له على تسجيل هذه  الروايات هو إدراكه لأهميتها لدى الجمهور الأوربي، و أنه لو كان يكتب لجمهور مغربي لحذفها ، و ربما لا هذا و لا ذاك، و إنما أراد ليو أن يستحث شعور قرائه و كأنه أدرك أنهم عندهم تطلعا إلى معرفة الأخبار الغربية. و يمكن أن يتساءل المرء، لماذا لم يرد أي ذكر للقرطاجنيين مع أنهم كانوا رجال تجارة ناجحة في الإقليم ؟. فإذا كانت التجارة قد ازدهرت في هذا الوادي في زمنهم فالغالب أنهم قد اتجهوا نحوه، لذلك فإن دلائل تاريخهم التجاري تجعل عدم ورود أي ذكر لهم في هذه الروايات أمرا غريبا. و إذا كان وصول التجار القرطاجنيين أقرب إلى الاحتمال من وصول الرومانيين إلى هذه الناحية، فهل أن صعوبة التحقق من وجود ذكر القرطاجنيين في اللغة العربية – و هي اللغة الوحيدة التي عن طريقها وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أخبار – هي التي حالت دون الوصول إلى الحقيقة في هذا الشأن ؟ ربما كان الأمر كذلك ، أو ربما أننا لا زلنا لم نحرز على السجل التام لجميع الروايات، غير أنه ليس من المرجح أن نحظى بعد بالمزيد من الروايات بعد أن مضى من الزمان ما مضى، ربما أن هناك سؤالا يمكن أن يطرح على إحدى الروايات التي يشم منها رائحة الإشارة إلى رجل قرطاجني، و لكن لا أستطيع التكهن بما عسى أن يكون.

شي من الاستنتاج من الروايات السجلماسية
إن  رواية عيسى تمدنا باستنتاج ثبوت حكومة السود، كما أن رواية الاسكندر الأكبر تمدنا باستنتاج ثبوت التأثير المصري، أما رواية مدرار فهي تنبئنا بالخبر عن وجود الحداد الحكيم الذي أدخل معرفة صناعة المعادن، و كل هذه العناصر يمكن أن يناسب بعضها البعض الآخر بسهولة.
فمدرار يمكن أن يكون هو الذي أدخل معرفة الري و جلب كذلك عبادة عمون رع، و كيفية استخدام صناعة المعادن، و أوجد الحكومة التي انحدر منها عيسى، و إن كنا في الحقيقة لا نتوفر على الحجة التي تجمع بين هذه الروايات، و أما رواية القائد الروماني فإنها بالإضافة إلى الاسم، ( عيسى )، تشير إلى حصول اتصال بالعالم الروماني، أما عدم ورود أي ذكر للتجارة أو الذهب فإنه يدل على اهتمام الروايات بالمحليات أكثر من دلالته على عدم و جود التجارة في ذلك الوقت.

(1)  طيبة، و يقال لها ثيبة، و طيوة، قال عنها صاحب ( العقد الثمين ص 10) : أنها كانت من أكبر مدائن الديار المصرية و أشهرها، و لم يزل يشاهد فيها إلى الأن من المعابد و الآثار ما يوجب تعجب الناظرين، و قال عن ( عمون رع ) أنه سمى بهذا الاسم في عصر العائلة الحادية عشرة، و أنه معبود خصوصي لهذا القسم و عمومي لكافة مصر، و معنى ) عمون رع ) الشمس الخفية التي لا تدركها الأبصار. المترجم
(2)  للتحقق من الاسكندر المقدوني ليس هو المعني بذي القرنين في القرءان. راجع « دعوة الحق » العدد الثاني، السنة التاسعة، ص 8. – المترجم.
(3)  أبو العباس أحمد بن أي يعقوب المشهور بابن واضح اليعقوبي، أحد مؤرخي و جغرافيي المسلمين في القرن الثالث الهجري، له ( كتاب البلدان ) في الجغرافية و ( كتاب التاريخ )، توفي سنة 284 هـ على ما يقول ياقوت في معجم الأدباء، و يستنتج محمد صادق الذي ترجم له في فاتحة طبع كتابه ( البلدان ) أنه عاش حتى سنة 292. المترجم.
(4)  قارن هذا القول مع قول فرانز روزنثال في كتابه ( علم التاريخ عند المسلمين )، ص 130 ترجمة الدكتور صالح أحمد، قال : ( و الواقع أنه لم يكن من الصعب الحصول على المعلومات التي تحتويها التواريخ الإسلامية عن الأمم الأجنبية كافة ). و قال : ( تقبل التاريخ الإسلامي منذ بدايته تاريخ ما قبل الإسلام، فقد ألحق بسيرة الرسول تاريخ الجزيرة القديم و اليمن، و التاريخ اليهودي و المسيحي منذ الخليقة). المترجم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here