islamaumaroc

من هنا ننطلق

  دعوة الحق

118 العدد

إننا متفقون جميعا على أننا نعيش في أواخر القرن العشرين، كما أننا متأكدون أن البشرية قطعت أشواطا في مختلف الميادين و أن التخلف الذي كان في الماضي يعتبر حالة من أحوال البشر أصبح اليوم ينعت و كأنه داء عضال ينخر في أجسام بعض الأمم و يكاد يقضي عليها إن لم تتدارك حالها و تعمل جديا على اقتحام عقبة النمو و التقدم.
و لسنا في حاجة إلى تحليل الأساليب التي استعملها العالم المتمدن للوصول إلى ما وصل إليه فكل ذلك يوجد في بطون الكتب و على صفحات المجلات و إنما الغرض أن ننبه إلى الانطلاقات العديدة التي ينبغي أن نقوم بها في عصرنا الذي يمتاز بالسرعة و ضياع الفرص على المهملين و الكسالى و ستكون هذه الكلمات على شكل توجيهات و لفت نظر و نداءات إلى الضمائر الحية.
 
التعليـــــم
لا شك أن التعليم هو الظاهرة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، فبينما تتصف الحيوانات بغرائزها القارة التي لا تزيد و لا تنقص، و بشيء بسيط من الذكاء فيما يتعلق ببعض الحيوانات ينفرد الإنسان بقدرته على إنماء معلوماته بالمحاكاة أولا ثم بالتعليم المنظم ثانيا و ما نجده في التاريخ القديم و الحديث عن المجهودات الجبارة التي بذلها الإنسان لإنماء معلوماته و لتنظيم معارفه لدليل على أن حياة البشر عبر العصور كلها مدرسة لأخذ المعلومات و إنمائها و صقلها و تنظيمها و كان المتعلمون ينتقلون من بلد إلى بلد و من قارة إلى قارة لأخذ العلم عن العلماء، و لكن انتشار العلم في جميع ربوع المعمور ظل بطيئا تبعا للأحوال السائدة آنذاك من قلة المواصلات و بطئها و انعدامها في غالب الأحيان و كذلك نظرا لتحجر الأفكار و التعصب للملل و النحل و رفض كل فكرة جديدة لا توافق التقاليد. و لا أدل على ذلك من تدخل الكنيسة و البابوات في بعض شؤون العلم حتى كان ذلك سببا في بطء تقدمه و كثيرا ما كان العلماء يضطهدون و يعذبون كما وقع في عصر النهضة ( لكاليلي، و كوبرنيك ) و لغيرهما في مختلف العصور.
هذه حقائق تاريخية صارت الآن من قبيل التاريخ أتينا بها للتدليل على أن الإنسان منذ وجد على سطح البسيطة و هو يتعلم و يعلم و يعطي العلم و يأخذ العلم و ينمي العلم و ينظمه إلى أن وصلت مجهودات العلماء المتلاحقة المتضافرة إلى الأوج الذي بلغه العلم و التعليم في مختلف الميادين في العصر الذي نعيشه.
في الماضي البعيد و حتى في الماضي القريب كان العلم و حتى التعلم وقفا على المحظوظين من الناس أو على دوي العبقريات و المواهب، و لم يكن أحد ينادي بأن التعلم حق من حقوق الناس و أن التعلم يجب أن يكون إجباريا، و أن المحترفين يجب أن يكونوا متعلمين و أن الاختصاص في الصناعات يجب أن يكون مقرونا بمستوى معين من التعليم، و أن الحرية لا تستطيع أن تسكن قلبا خاليا من المعرفة، و أن حق المواطنة يقتضي تعلم الإنسان حتى يكون يدرك ما له من حقوق و ما عليه من واجبات، و بالتالي فقد أصبح السباق في الحياة يقترن دائما بسباق في ميدان التعلم و المعرفة، و أصبحت هذه المعادلة :
مقدار النجاح في الحياة = مقدار الأخذ من التعليم و المعرفة. تنبني عليها مقاييس المجتمعات الراقية التي تجعل من العلم أساس حياتها و من العدالة أمتن مقوماتها، إذن فمن المسلم و المقطوع به أن التعليم في عصرنا الحاضر هو مفتاح كل رقي و تقدم و ازدهار، و أن مستوى التعليم في بلد ما هو مقياس نجاحها و قدرتها على إسعاد سكانها.
هنا ينبغي أن نقتنع ببعض الحقائق التي تعزب عن دهن الكثير من الناس، و هذه الحقائق معادها أن الثروة الفكرية أشد فعالية و أقوى أثرا من أي مظهر من مظاهر الثروات الأخرى، و لنأخذ مثالا لذلك نلفت نظر القارئ الكريم أن هناك بلدانا يكثر خصبها و تزخر أرضها بالثروات المعدنية، و لكنها لم تستطع أن تزيل عنها أسباب التخلف نظرا لكون أبنائها ليس لهم من المعرفة و التقنية و الاختصاص ما يساعدهم على استثمار بلادهم فيسقطون في أيدي الشركات الاحتكارية التي تتولى مكانهم استثمار هذه الثروات و تدفع لهم مقابل ذلك بعض العائدات النقدية التي تظهر طبقة منهم بمظهر البذخ و الغنى، و لكنها لا تزيل عنهم أسباب التخلف، بينما نجد أقطارا أخرى كاليابان مصلا ضيقة الرقعة آهلة بالسكان قليلة الثروات الطبيعية، و لكنها بأخذه بأسباب التعلم و العلم أمكنها أن تنشئ الصناعات الكبرى و أن تغزو جميع الأسواق العالمية بمنتوجاتها و بالتالي أن تكون في مصاف الدول النامية التي لها إشعاع كبير في العالم، و كذلك الدول السكاندينافية فإنها بفضل ما تملكه من ثروة فكرية تقوم على العلم و التعليم فإنها تعتبر من أرقى الدول في العالم و من أقدرها على تمكين أهلها من وسائل السعادة و اليسر و الرفاهية.
و قد أتينا بهذه الأمثلة للتدليل على أن عصرنا الحاضر يحتم على الدول التي تريد النهوض من كبوتها و الإنعتاق من براثين التخلف و التبعية أن تعتبر أن الثروة البشرية هي أعظم ثروة تملكها و أن كل درهم يوظف لامتلاك الطاقة الفكرة الخلاقة، هو أنتج من كل الدراهم التي توظف في الميادين الأخرى.
نعم إذا سلمنا أن لكل أمة تعلما خاصا بها و بعقائدها و تقاليده ينبغي الحفاظ عليه و تنميته كما تفعل كل المجتمعات الراقية فإنه يوجد تعليم مشاع مشترك بين شعوب العالم، وهو التعليم الذي نؤدي إلى التخصص و التقنية و ينمي بالتالي ملكة الخلق و الابتكار، و هو التعليم الذي اتخذت له العدة في العصر الحاضر ليكون في متناول جميع الناس لتكون فرصهم متكافئة في الحياة و ليصبحوا عناصر خلاقة مبتكرة في مجتمعاتهم قادرة على تنشيط الحركة الفكرية و العلمية في العالم و تحريك دواليب المخابر و المصانع التي ستؤدي حتما في المستقبل القريب إلى مفاهيم جديدة للتعليم و العلم.
فإذا أردنا أن لا نتخلف عن الركب فيجب أن نسرع بأقصى ما تكون السرعة لأن عقرب الساعة سوف لا يمهلنا و سوف لا يقف لينتظرنا، و أن الزمان سوف لا يرحمنا لأنه يصدر دائما حكمه القاسي على الكسالى و المتقاعسين و المنتظرين، و إننا نأمل أن لا نكون من هؤلاء، و أن ندلي بدلونا في الدلاء و أن نسهم بحظنا في ازدهار الحضارة و العرفان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here