islamaumaroc

عبد الحميد الكاتب: أول من وضع الأصول الفنية في الأدب العربي

  دعوة الحق

118 العدد

                                                     -1-
عبد الحميد الكاتب شخصية غريبة في تاريخ التراث الأدبي عند العرب، و حياته غامضة أشد الغموض، لأن الخلافة العباسية أسدلت عليه سحبا كثيفة من الإهمال و النسيان باعتباره الكاتب السياسي الأول لدولة بني أمية، و لقبه الجاحظ في كتابه المشهور – البيان و التبيين – بعبد الحميد الكاتب أو الأكبر و يعظم النقاد العرب من منزلته في الأدب العربي، فيقولون فيه بدئت الكتابة بعبد الحميد و ختمت بابن العميد.
و كان أبوه يسمى  يحيى من سلالة غير عربية، من أهل الشام الذين دخلوا في الإسلام و تعلموا العربية. و لا يعرف متى و لا أين ولد عبد الحميد في أرض الشام، و إن كان من المرجح أنه ولد في خلافة الوليد بن عبد الملك (76-96 هـ : 705-715 م )، في دمشق أو قريبا منها.
و كانت الدولة آنذاك للأمويين و عاصمتهم السياسية مدينة دمشق التي بنوا فيها المساجد و المدارس و القصور، و أنشأوا فيها الحدائق و الدواوين و الحصون و القلاع، و أصابها من عناية الأمويين ما صارت به قبلة الناس من كل صوب و حدب، فاتسع عمرانها و صبغت بصبغة حضارية واضحة المعالم، و صارت موطنا رفيعا من مواطن الثقافة و الأدب في العالم الإسلامي، و وفد إليها الناس في مختلف شؤونهم، و أضحت تعد من أعظم مدن العالم و أجملها و نعم سكانها بالعدل والأمن و الثراء، و نعمت كل العناصر الأجنبية فيها بالحرية، و عاملهم المسلمون بالتسامح، حتى رضوا بسلطان العرب، و طرحوا المسيحية و دخلوا الإسلام كما يقول غوستاف لوبون في كتابه « حضارة العرب » ..
و كانت الشام أحد الأقاليم الكبرى في الإمبراطورية الإسلامية آنذاك، و تشمل : فلسطين و الأردن و دمشق و حمص و فنسرين : و تتصل بإقليم العراق و بإقليم « الجزيرة وأرمينية » بصلات وثيقة.
و في ظل الأمويين اتصل الفكر العربي بالثقافة و الآداب الإغريقية و الرومانية في الشام و مصر، و كان الأدب الروماني السائد فيهما قبيل الفتح العربي تطويرا جديدا للآداب اليونانية في عصرها الاسكندري الروماني، هذا العصر الذي يبدأ بدخول أثينا في حكم الرومان في القرن الأول قبل الميلاد،و ينتهي بالفتح الإسلامي لهذه البلاد في النصف الأول من القرن السابع الميلادي .. كما اتصل العقل العربي كذلك في مدن العراق بالثقافة الفارسية القديمة، و بخاصة في مدينة البصرة  المشهورة، و كان ملوك إيران و خاصة سابور ابن أردشير في أواسط القرن الثالث الميلادي، و كسرى أبو شروان (531-578م) قد بذلوا كثيرا من الجهد في نقل الثقافة الإغريقية إلى ثقافة بلادهم،و قام التراجمة السريانيون بذلك العبء، حيث نقلوها أولا إلى الفارسية، ثم نقلوها إلى لسانهم السرياني، و نقلوها أخيرا إلى اللغة العربية في ظلال العصر الإسلامي وفي عهد الأمويين و العباسيين.
                                                  -2-
تعلم عبد الحميد الكاتب اللغة العربية و بلاغة العرب و تفوق فيهما، فسلس لسانه، و جادت لغته، و ظهرت مواهبه في الأدب و البلاغة و البيان و الخطابة و الكتابة، و عمل في أول أمره معلما، و تنقل في البلدان، و كانت ثقافة الأدب في أيامه مزيجا من الثقافة العربية الإسلامية، و من التاريخ و الأنساب و القصص و السير و معرفة أيام العرب و تاريخ العجم، و أحيانا يضاف إلى ذلك ثقافة أجنبية كالثقافة الفارسية أو الإغريقية أو الرومانية أو المصرية القديمة أو الهندية، و في رسالة عبد الحميد إلى الكتاب ما يوضح لنا أصول الثقافة الأدبية قي عصره.
و قد تتلمذ عبد الحميد في الكتابة على أبي العلاء سالم الكاتب السياسي لهشام بن عبد الملك (105-125 هـ - 724:743م)، و يروي ابن النديم في « الفهرست » أن أبا العلاء نقل إلى العربية رسائل أرسطو إلى الاسكندر و ذلك يدل على تضلعه في الثقافة و الأدب و اللغة اليونانية، و كان أبو العلاء من الواضعين لنظام الرسائل الأدبية و لتقاليد الكتابة الفنية، و له رسائل كثيرة كما يذكر ابن النديم، و كان صهرا لبعد الحميد، إذ كان زوج أخته. و كان جبلة بن سالم يتولى الكتابة السياسية في ديوان الرسائل لهشام أيضا و صديقا حميما لعبد الحميد الكاتب، و كان جبلة بعرف الفارسية، و هو أحد المترجمين منها إلى العربية، كما كان صديقا حميما لعبد الحميد ابن المقفع (106-142 هـ : 715-760 م ) و ابن المقفع فارسي الأصل و أحد المترجمين من اللغة الفارسية إلى اللسان العربي كذلك، و ذلك كله يدعنا نرجح أن عبد الحميد إلى جانب ثقافته العربية كان يعرف اليونانية و الفارسية :
و زكى مبارك في كتابه « النثر الفني » يرجح أن عبد الحميد كان يجيد الفارسية و يعرف آدابها و ينقل منها إلى العربية، و يؤيد ذلك قول أبي هلال العسكري (395- هـ : 1005 م ) في كتابه « الصناعتين »، و   « ديوان المعاني » أن أبا هلال استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها من اللسان الفارسي فحولها إلى اللسان العرب، و يقول زكي مبارك : أن عبد الحميد أول من نقل تقاليد الفرس إلى الكتابة العربية.
و يؤيد الدكتور طه حسين في كتابه « من حديث الشعر و النثر » أن عبد الحميد كان شديد الاتصال بثقافة اليونان، متأثرا بها أشد التأثير في فصوله الأدبية.
                                                -3-
و ذاعت شهرة عبد الحميد الكاتب و عرفت مواهبه الأدبية و ثقافته الكثيرة، فقربه إليه الأمير الأموي مروان بن حمد حاكم إقليم الجزيرة و أرمينية، هذا الإقليم الغني الممتد الأطراف الذي كان يشمل بلاد الموصل و أذربيجان و ولايات أرمنية، و كان مروان قد تولى الإمارة على الإقليم بعد وفاة والده محمد مروان الأموي. ولم يلبث الأمير مروان أن قاد جيشا كثيفا من أبناء الجزيرة و أرمينية و زحف على الشام فاستولى على أكثر مدنه ثم زحف على دمشق و دخلها و تولى أمور الخلافة الأموية عام ( 126 هـ : 744 م ).
كان عبد الحميد يتولى شؤون ديوان الرسائل للأمير مروان بن محمد أثناء ولايته للجزيرة و أرمينية، و صار وثيق الصلة به و ازدادت مكانته عنده و منحه الأمير ثقته الكبيرة التي كان عبد الحميد جديرا بها، و صدرت عنه رسائل سياسية كثيرة في ذلك العهد، ولما أخذت البيعة لمروان في جميع مدن الشام بخلافة المسلمين سجد مروان شكر لله، و سجد أصحابه إلا عبد الحميد، فقال له مروان : لما لا تسجد ؟ فقال أعلى إن كنت معنا فطرت عنا ؟ قال مروان : إذا تطير معنا، قال : الأن طاب لي السجود و سجد، و صار عبد الحميد الكاتب بعد أن تولى مروان الخلافة رئيسا لديوان الرسائل في دمشق و الكتب الأول للخليفة الجديد و صدرت عنه رسائل أدبية و سياسية نالت شهرة فنية كبيرة.
شاهد عبد الحميد كل الأحداث السياسية التي مرت بالعرش الأموي في أثناء حكم مروان بن محمد ( 126-132 هـ : 744-750 م )، و رأى أن الزحف العباسي الكبير الذي بدأ من خراسان و استمر حتى نهر الزاب الذي بلغته قوات العباسيين في جمادى الآخرة عام 132 هـ، و بلغته أنباء المعركة الكبرى التي دارت على نهر الزاب بين جيوش الخليفة مروان و جيش الموت من العباسيين، بل شاهد غمارها بنفسه، و قد انتهى بهزيمة مروان و جيشه في أوائل رجب عام 132،  هو هرب مروان إلى الشام فحصر، و هرب كاتبه و صديقه عبد الحميد إلى البحرين و دخل العباسيون دمشق و استولوا على قصور الأمويين و كنوزهم، و جدوا في تشرين الأمويين و القضاء عليهم في كل مكان و على أنصارهم في جميع مدن الشام، و كذلك جدوا في البحث عن مروان بن محمد حتى قبضوا عليه في بلدة بوصير من أعمال الجيزة و قتلوه، لليلتين بقيتا من ذي الحجة عام 132 ه – 750 م، و كان مروان قد أمر خادما له أن يدفن في الصحراء خاتم النبي صلوات الله عليه و بردته و عصاه، و كان يعتز بها خلفاء بني أمية، و ذلك حين فاجأته جيوش العباسيين، و قبضوا على الخادم، و قدم للقتل فطلب إليهم أن يضمنوا حياته ليكشف لهم عن مكان هذا الكنز الإسلامي الكبير، و فعلوا، فأرشدهم إلى مكانه، فأخذوه و بعثوا به إلى أبي العباس السفاح الخليفة العباسي في العراق الذي أطلق عليه لقب السفاح لكثرة من قتل من الأمويين و أنصارهم .. و أما بنات مروان و جواريه فقد أخذن بعد قتل أبيهن إلى صالح بن علي، فتكلمت أمامه بنته الكبرى ( أم مروان ) تسأله العفو و أن يلحقهن بحران مدينة مروان المفضلة في حياته، ففعل فأخن يبكين مروان عند دخولهن إليها بكاء مريرا، كما يروي المسعودي في الجزء الثاني من تاريخه « مروج الذهب »، و أما أولاد مروان : عبد الله ولي عهده و قائده في أكثر الوقائع، و عبيد الله و غيرهما فقد هربوا إلى النوبة فالحبشة في جماعة من الأمويين. و قتل عبد الله هناك و نجا عبيد الله، كما يذكر الطيري في الجزء التاسع من تاريخه، و يذكر ابن الأثير أن المقتول هو عبيد الله .. و أما مزنة امرأة مروان فتظهر في بغداد عام 160 هـ في قصر الخليفة المهدي أمام الخيزران في ثوب مرقع تستر به جزءا من جسدها إلا انكشف جزء آخر مع الجمال و العظمة و سوء المظهر و شقاء الحال كما يذكر التنوخي في كتابه « الفرج بعد الشدة ».
بعد معركة الزاب و هزيمة مروان، و معه عبد الحميد بن يحيى الكاتب، كتب هذا العبقري العظيم إلى أسرته رسالة مؤثرة يقول فيها : « أما بعد فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالمكاره و الشرور، فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها، و من عضته بنا بها ذمها ساخطا عليها، و شكاها متزايدا لها، و قد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها ثم جمحت بنا نافرة و رمحتنا مولية فملح عذبها و خشن لينها فأبعدتنا عن الأوطان و فرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة ، و الطير بارحة، و قد كتبت و الأيام تزيدنا منكم بعدا و إليكم وجدا، فإن تتم ليلة إلى آخر مدتها بكن آخر العهد بكم و بنا، و إن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم نرجع إليكم بذل الإسار، و الذل شر جار، نسأل الله الذي يعز من يشاء و يذل من يشاء أن يهب لنا و لكم ألفة جامعة في دار آمنة، تجمع سلامة الأبدان و الأديان، فإنه رب العالمين و أرحم الراحمين ».
رسالة كلها بكاء و دموع و حيرة و لا يرى فيها عبد الحميد من خلال الأحداث إلى القتل أو الأسر، و هو يودع أسرته فيها وداعا مؤثرا، و لا نعلم من أمر أسرته شيء لأن التاريخ لم يعن بها و لا يربها منذ يوم الهزيمة المروعة، هزيمة القائد في المعركة التي خسر فيها كل شيء حتى حياته، و ألح مروان على صديقه عبد الحميد أني يهرب فقد ينجو من القتل، أو أن ينضم إلى أعدائه من العباسيين. فقد يستطيع أن يقدم خدمة للخليفة المهزوم، وقال له مروان : إن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظن فيك، فاستأمن إليهم و أظهر العذر بي، فبذلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي قال عبد الحيمد : أسر وفاء ثم أظهر غدره : فمن لي يعذر يوسع الناس ظاهره.
يا أمير المؤمنين : إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك و أقبحهما بي، و لكني سأصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك.
و لما ضاق بهما الأمر دعاه مروان إلى الهرب و أصر مروان على رأيه، فاختفى عبد الحميد هاربا و اختفى عنه صديقه ابن المقفع ..
كان صديقه عبد الله بن المقفع في العراق يكتب لداود بن هبيرة حاكم العراق من قبل مروان، و كان ابن المقفع يزور دمشق، وعبد الحميد الكاتب أحيان إذا سار إلى عاصمة الأمويين مع أميره العظيم .. و لما اكتسحت جيوش العباسيين العراق قتلوا داود و أهله فيمن قتلوهم و نجا ابن المقفع في البحرين، و لجأ إليه هناك صديقه عبد الحميد الكاتب و أقام عنده في داره و لكن عيون العباسيين عرفت مكانه ففاجأه الطلب و هو في دار المقفع، و هنا تظهر عظمة الرجلين المفكرين الكبيرين الذين ظلا على الأجيال حتى اليوم فخرا للفكر العربي، قال الجند و هم شاكو السلاح : أيكما عبد الحميد ؟ فقال : أنا كل منهما : إشفاقا على صديقه، و أوشك الجند أن يفتكوا بابن المقفع، لولا أن صاح بهم عبد الحميد قائلا : ترفقوا بنا فإن لك منا علامات فوكلوا بنا بعضكم و ليمض البعض الآخر إلى من وجهكم ليذكر له تلك العلامات، فلم يجد الجند مناصا من ذلك، و فعلوا و عادوا بأوصاف عبد الحميد كاملة فقبضوا عليه و قتل عام 132 هـ : 750 م و هكذا خسر الفكر و الأدب العربي أعظم رجاله و أروع شخصية يعتز بها تراثنا العقلي على مد العصور و كذلك كان حظ ابن المقفع فقد استمهله القدر عشرة أعوام قتل عام 142 هـ : 760 م في عهد الخليفة المنصور العباسي.
                                              -4-
كان عبد الحميد عبقرية كبيرة و ذهنا لماحا، و ذكاء خصبا، و أدبا جما، و نبلا موفورا، و ملكا في ثياب عربي، مع ثقافة واسعة،و علم بسياسة الدولة و شتى أمورها، و أدرك لكل مسؤوليات الرجل السياسي و واجباته. و مع قدرة فائقة على تملك ناحية البيان و زمام التأثير، و روعة التعبير .. و يروى عنه أنه حين ظهرت الدعة إلى العباسيين في خراسان بقيادة أبي مسلم الخراساني الفارسي زعيم الدعاة. كتب عبد الحميد إليه على لسان الخليفة الأموي مروان ابن محمد كتابا يستميله فيه إلى جانب الأمويين، و حمل الكتاب على جمل لكبر حجمه، و قال عبد الحميد للخليفة :
لقد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره فإن به ذلك و إلا فالهلاك فلما وصل الكتاب إلى أبي مسلم أمر بإحراقه قبل أن يقرأه و كتب على جذاذة منه :
من السيف أسطر البلاغة و انتحى إليك ليوث الغاب من كل جانب.
و هذا يدلنا على عظمة كتابات عبد الحميد السياسية التي كانت بمثابة مقالات الصحف اليومية السياسية الذائعة الصيت، وكان عبد الحميد يقدر على تصور المعنى تصويرا بارعا لا يقدر عليه أحد من الكتاب ... أهدى وال من ولاة مروان إلى الخليفة عبدا أسود فطلب مروان من عبد الحميد أن يكتب إليه متهكما فبعث إليه عبد الحميد برسالة موجزة أشد الإيجاز يقول فيها : لو وجدت لونا شرا من السواد و عددا أقل من الواحد، لأهديته، و براعته أو  قدرته على الإيجاز، مشهورة، كتب يوصي بشخص : حق موصل كتابي إليك كحقه على إذ جعلك موضعا لأمل رآني أهلا لحاجته، و قد أنجزت حاجته فصدقه أمله ».
إن عبد الحميد كان جديرا أن يعد في عصره و بعد عصره شيخ الكتاب و إمام المنشئين و المترسلين في الأدب العربي، فقد كان أمة وحد في بلاغة العبارة و رصانة الأسلوب و دقة المعاني و لطفها و عظمة الخيال و روعته و شدة التأثير و امتلاك ناحية البيان، و كن يفصل جمله تفصيلا ، و يزنها أحيانا بقليل من السجع و يحليها بألوان من الوشى الفتي المطبوع.
و يرى الدكتور طه حسين و بعض النقاد أن عبد الحميد هو الذي ظهر على يديه النثر الفني في الأدب العربي، و هو الذي أنشأ الكتابة الفنية إنشاء في اللغة العربية، هذه الكتابة التي يعتقد فيها الكاتب على التحبير و التنميق، إذ لم تظهر في رأيهم في العصر الجاهلي و لا في عصر صدر الإسلام، و إن كان بعض مقدماتها و عناصرها قد أخذ في الظهور في عهد الخلفاء الراشدين. أما هي جملة فقد تأخرت إلى العصر الأموي لتظهر في رايهم على يدي عبد الحميد الكاتب بتأثير الثقافة اليونانية فيه كما يقول الدكتور طه. فهو الذي ترك آثارا كبيرة في نهضة الكتابة و تحولها إلى صناعة فنية لها منهاجها و أصولها و تقاليدها الأدبية، و لها نظامها في البدء و الختام، و كان لذوقه الحساس أثر كبير في اتسام الكتابة بالسهولة و الوضوح و في البعد عن الغريب و الوحشي، و التعقيد و التنافر و تفكك المعاني و الأفكار، فاشتدت الصلة بين كل جملة و أختها و قل الاقتضاب و الاعتراض بين أجزاء الكلام، و يرى الأستاذ مرسيه الفرنسي و المستشرق الإنجليزي جب في كتابه « تراث الإسلام » أن النثر الفني يبتدئ بابن المقفع و أن القرن الأول الهجري لم يكن فيه نثر يعتمد به، إنما كان الشأن فيه للشعر، و ابن المقفع في رأيهما و رأي تلاميذهما أو ممثل للتطورات الجديدة في الإنشاء العربي، و أول مؤلف للكتابة الفنية الأدبية.
و لكن جمهرة كبيرة من النقاد العرب القدامى و المحدثين و من بعض المستشرقين تصر على أن النثر الفني ظهر في الجاهلية و استحكمت نهضته بنزول القرآن الكريم و بالحديث النبوي الشريف و ببلاغات البلغاء في صدر الإسلام من خلفاء و قواد و ولاة و غيرهم، « و نهج البلاغة » مشهور مقامه في النثر الفني، و إن زعم البعض أن الشريف الرضي انتحله فإن فيه نصوصا لا يمكن أن يقال عنها أنها منتحله، و كثير من الأمم القديمة كان لها نثر فني قبل الميلاد بكثير كاليونان و الرومان و الفرس و المصريين القدماء، فلم لا يكون للعرب نثر فني بعد الميلاد بخمسة قرون ؟ و يبعد الدكتور طه القرآن الكريم عن مجال الاحتجاج في هذه الخصومة الأدبية،  و إن كان القرءان في الذروة العليا من النثر الفني، و النثر الفني في الآداب الأوربية لم يزدهر بين عشية و ضحاها بل تطور من عصر إلى عصر حتى بلغ غاية نهضته و ازدهاره فلم لا يكون كذلك في الأدب العربي ؟ بدليل أن النثر الفني عند ابن المقفع هو نثر متقدم حي خلاق و ليس بدائيا، و تشك كل شك في أن ابن المقفع كتب هذا النثر الفني الرفيع دون أن يكون له سابقون في تاريخ الأدب العربي القديم.
النثر الفني وجد قبل القرءان و صاحب نزول القرءان و تأثر به تأثرا عظيما ثم اتصل العرب بالآداب الأجنبية التي ظهرت آثارها في كتابهم الأدبية منذ أو القرن الثاني الهجري على يدي عبد الحميد و ابن المقفع، و الأحوال الاجتماعية الجاهلية التي يرى الدكتور طه أنها لم تكن تساعد على نشأة النثر الفني لا يمكن أن يشترك فيها عرب نجد و عرب الحجاز  في الحكم على حد سواء، فإذا جاز لنا أن نقول عن العرب النجديين القدماء أن حياتهم لم تكن تساعد على إنشاء النثر الفني فإنه لا يجوز لنا أن نذهب هذا المذهب و نحكم به على عرب الحجاز القرشيين الذي عرفوا الحكومة السياسية المنظمة و طبقوها في مكة، و الذين عاشوا في ظلال ترف و رخاء و ألوان حضارية من العيش كثيرة.
                                                -6-
إن عبد الحميد بلا ريب كان ذا أثر كبير في الكتابة الأدبية في عصره، فهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل، و عنه أخذ المترسلون و هو أحد الذين كتبوا الفصول الأدبية كما كان يفهمها علماء البيان من اليونانية كما يقول الدكتور طه، و هو أول من فتق أكمام البلاغة و سهل طرقها و فك رقاب الشعر، و آلت إليه زعامة الكتابة، فمهد سبلها و وضع معالمها و رسم رسوما خاصة في بدئها و ختامها و الإطناب فيها مرة و إيجاز أخرى، فكان شيخ الكتابة، و بحق ما قيل:  « بدئت الكتابة بعد الحميد » ..
و قد ساعد عبد الحميد على إحداث هذا التأثير الأدبي الكبير الذي ظهر في صورة مذهب فني جديد في الكتابة ما يلي :
1) نضج الثقافة العربية الإسلامية من علوم الدين  و اللغة و الأدب، و إقبال الكتاب عليها و تمثلهم لها و احتذاؤها حذوهم.
2) رواية أصول الأدب العربي شعرا و نثرا و خطابة و وصاية و حكما و أمثالا و سجعا و قصصا و إخبارا و أنسابا، و العكوف على استظهارها كذلك، و محاكتها و على استظهار الشعر الجاهلي و الأسمى كذلك، و خطب الرسول و وصاياه و خطب الخلفاء و الصحابة و بلاغات البلغاء و حكمهم و مأثور كلامهم، حتى عصر عبد الحميد، و بخاصة خطب الإمام علي بن أبي طالب و حكمه.
3) أثر القرءان الكريم و الحديث النبوي في تهذيب الألسنة و ترقيق الطباع و وضوح الملكات.
4) اتصال العقل العربي بالآداب الأجنبية و تأثره بثقافات الفرس و اليونان و الرومان و الهند و غيرهم.
5) الغاية بكتابة الرسائل، و جعلها صناعة فنية عتيدة إلى جانب اتساع أعمال الدولة، و ديوان الرسائل الذي كان يتزعمه كبار الأدباء و الكتاب ممن أنشأوا الرسائل البليغة على ألسنة الخلفاء و الأمراء، و قد استطاع عبد الحميد أن يتصرف في نثره الفني تصرفا ذكيا يجمع بين طرفي الإيجاز و الإطناب و يراعي شتى الأحوال و المقامات، و كان لقدرته على الإيجاز في موضعه و الإطناب في موضعه يتخير لكل منهما محله الذي يناسبه فيطنب في الإخبار بالفتوح و الحث على الجهاد و في الوعد و الوعيد و يوجز في أخبار الهزائم و وصف الأعداء .. كما أطال في فواتح رسائله الأدبية و خواتيمها بما يعد جديدا في هذا العصر، كالإتيان بكثير من التحميدات في أساليب متنوعة و صور مختلفة، و كالبدء ببسم الله ثم إتباعها الحمد لله، فاصلا بينهما بأما بعد، و غير ذلك. و بهذا عد عبد الحميد من أوائل من وضعوا الأصول و التقاليد الفنية في النثر الفني العربي و فحالته الأدبية. و قد أكثر عبد الحميد من الرسائل الإخوانية التي ينشئها الكتاب البلغاء فتحمل ما في قلوبهم من مودة و إخاء، و تصور ما تجيش به مشاعرهم من مختلف العواطف و النزعات، و تعبر عما يتردد في نفوسهم من آراء و أفكار في أسلوب رائق و لفظ جميل و تصوير مؤثر ..
و لبعد الحميد رسائل بليغة ذكر ابن النديم أنها تجتمع في ألف ورقة لم يصل إلينا منها إلا القليل. و في دار الكتب المصرية رسالة تنس إليه، و قد جمع محمد كرد علي في كتابه رسائل البلغاء كثيرا من الفصول الأدبية التي تروى لعبد الحميد، و قد ذاعت طريقة عبد الحميد و ابن المقفع في توخي السهولة و سلامة التعبير مع العناية بإجادة المعنى بين الكتاب في عصرهما و في العصور الأدبية كلها، و هكذا مات العبقري الكبير، و ذهب الزمان بجل آثاره الأدبية و الفكرية و السياسية، و خسر الأدب العربي بذلك خسارة فادحة ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here