islamaumaroc

القوة البحرية في المغرب الإسلامي بعد الفتح إلى قيام الدولة الموحدية

  دعوة الحق

118 العدد

يعرف تاريخ البحرية، خلال العصور الوسطى. أن الفاتحين المسلمين في شمال إفريقيا، واجهوا صعوبات مصدرها نشاط البحرية البيزانطية. و قد اضطرهم ذلك إلى القيام بنشاط بحري مماثل، فاستقدموا من مصر عددا من صناع السفن الأقباط، و أنشأوا ما أطلق عليه المؤرخون اسم ( دار الصناعة )، و ذلك أثناء ولاية حسان بن النعمان من قبل عبد الملك ابن مروان، ثم لم يلبث المسلمون أن أسسوا أو جددوا موانئ أخرى على غرار ما فعلوا في تونس. و انتظمت الشمال الإفريقي سلسلة من المراسي تعج بالمسافرين و أرباب التجارات و المقاتلة. نحوا من أربعة قرون، أخذت بعدها في  التراجع أمام قوى بلدان غرب أوربا. ثم كان ظهور المرابطين، و بعدهم الموحدون، إيذانا بتدارك هذا الضعف و استحالته قوة يحسب لها حسابها. منذ بداية القرن الثالث للهجرة، أيام حكم زيادة الله بن الأغلب في تونس (201-223 هـ)، نازل الأسطول الإسلامي صقلية بقيادة أسد بن الفرات ثم تتابعت الجهود إلى أن تم فتحها و ظلت في حوزة المسلمين أزيد من ثلاثة قرون حتى سقطت في قبضة النورمان ( 554 هـ ). أن استحصار هذه الجزيرة ينبئ عن مدى قوة الأسطول الإسلامي الذي اتخذ منها منطلقا إلى الاحتكاك بشواطيء سردينيا و مدن الجمهوريات الإيطالية المجاورة. فضلا عن أن ضيق المجاز بين الجزيرة  المفتوحة و بين رأس بونة جعل المنطقة ذات خطورة لا يستهان بها من حيث العبور.
و هناك منطلق بحري آخر، أقدم من سابقه و أشد خطرا و هو مضيق جبل طارق. فعن طريقه دخل المسلمون إلى الأندلس، و من الأندلس حطوا في جزر البليار، و في هذه الجزر كانوا يجدون الماء و الذخيرة و الطعام ليحتكوا بكورسيكا و شواطيء جنوب شرق فرنسا. و لم يكن نشاط هذه الجزر الواغلة في مياه المتوسط إلا جانبا من نشاط أوسع لموانيء سبتة و طريف و وهران و الجزيرة و ألمرية و بلنسية. و لعل الدولة الأموية في الأندلس كانت أكثر حاجة إلى الاهتمام بهذا الواقع البحري. و ليس ذلك بالنظر إلى تثبيت هيبتها تجاه جيرانها من بلدان الغرب المسيحي فحسب، بل كذلك لأغراضها السياسية و الحربية تجاه منافساتها من الدول الإسلامية، ذلك أن دولة بني أمية في الأندلس كانت تعتبر مسألة مراقبة مضيق جبل طارق أمرا في غاية الأهمية. و هي لذلك بذلت الكثير من أجل إبقاء شواطيء شمال المغرب في نطاق نفوذها، و إن لم تتعنت ضد الدول التي نشأت في المناطق الداخلية المصاقبة لتلك الشواطيء شأن ما فعل العبيديون مثلا. و لم يكن يعني هذا سوى الترحيب بأي حاجز يبقي سيطرتها على المضيق. و من الطريف أن هذه الدولة، التي بذلت الجهود لصيانة أمنها و هيبتها في المتوسط، فوجئت عن طريق المحيط الأطلنطي بغارات خطيرة من النورمان القادمين من الجزر البريطانية، فوصلت غاراتهم إلى قلب أشبيلية عبر الوادي الكبير. و هي غارات كبدت الأمويين أكثر من خسارة، كما برهنت على مقدرتها الحربية فوق المياه. هكذا طلت الدولة الأموية تمثل جانبا من سيادة الإسلام في غرب المتوسط إلى أن انتهت في مطلع القرن الخامس فأضحت بحريتها تركة واهنة كالإمارات الصغيرة التي أعقبتها، و هو ما ستنتهي إليه تونس بعد قرن و نصف.
هذا النشاط البحري الذي انتهى إلى الفتور – بل كبد أصحابه المخاطر و الخسائر – سينبعث من جديد. سينتفض على نحو لا يشبه المرحلة السابقة. سيستأنفه المرابطون فيما دخلت تحت حكمهم من موانيء المغرب الأوسط، و في المغرب و الأندلس. و سيكون على باقي الشمال الإفريقي أن ينتظر قرنا و نصفا حتى يظهر عبد المومن الموحدي . ليزيد البحرية المرابطية إنماء ثم يشرك فيها تونس و ليبيا.
عندما انطوى كل من المغرب و الأندلس تحت حكم سلاطين المرابطين، كان المجال البحري في جملة ما لا بد من التفكير فيه. و المؤرخون يتحدثون عن يوسف ابن تاشفين – يوم ركب السفينة ليعبر إلى الأندلس – و قد ملك التهيب عليه نفسه : إنه ابن الصحراء التي تموج رمالا و ليس ذا صلة متينة بالبحر الصاخب الأمواج ! غير أنه إذا كان للنشأة و المحيط الصحراويين مواضعاتهم، فإن للقيادة و الطموح حوافزهما. و قد وجد يوسف – شأن الأمويين قبل – أنه لا بد من ركوب البحر في سبيل الأندلس. ثم بعد أن دفق في شؤونها ازداد إدراكا لخطورة البحر على تجارتها و حربها. فهي من الشرق مكشوفة على البحر، و هي لا تعدم عشرات المدن الغنية العامرة في هذا الشرق المكشوف. و هي عرضة إلى أعداء كثر، من جنوبيين و بيزيين و فرنسيين يتعاونون مع خصومه نصارى شمال إسبانيا. و البلاد، بعد ذلك، مكشوفة من جهة الغرب على المحيط الأطلسي، حيث ألف أن يعبر محاربوا و قراصنة بحار الشمال و انجلترا و البلدان المنخفضة ولا شك أن هذه أمور عرفها من أهل البلاد المجربين، ثم رتب لها ما يلزم من أهبات، و لم يكن بالصعب على المرابطين أن يضمنوا هيبتهم البحرية بما توفر لديهم من مال عريض و من عناصر بشرية ملائمة. و ليس من الصدفة أن أخلافهم الموحدين استطاعوا القضاء على كل مظهر لدولة المرابطين قبل أن يتمكنوا من القضاء عليهم في البحر، فقد ظل نسل ابن غانية المرابطي معتصما في جزر البليار يتحين كل فرصة لمهاجمة الأملاك الموحدية. و لم ينقطع لهم دابر إلا في عهد رابع ملوك الموحدين الناصر بن يعقوب.
إذ حاولنا أن نجد لهذه الانتفاضة وقائع من تاريخ المرابطين، كان علينا أن نتجه نحو الأندلس، خلال كفاحهم ضد نصارى الأسبان. و يتعلق الأمر بالاعتبارات التالية :
1) أنه باستثناء قطلونية كان موقع الممالك الإسبانية الأخرى لا يمكنها من أي قصبة تنفس على البحر الأبيض المتوسط. و قد بذل النصارى الأسبان جهودا كبرى للحصول على شيء كهذا
2) أن الأسبان كانوا يستعينون على مبتغاهم بشتى الروابط التي تجمعهم بجيرانهم من بلدان الغرب المسيحي، كالطليان و النورمان في صقلية، و كالفرنسيين الذين كانت بعض أجزاء بلادهم تدين بالتبعية لبعض ملوك الأسبان. كما نجد أنهم استعانوا على المسلمين ببحارة لا علاقة لهم بالمتوسط.
و هي اعتبارات تبين مدى الجهود البحرية التي كان على المرابطين بذلها. فمثلا في سنة 1115 م ( 509هـ) استولى القطلونيون بمعاونة البروفنسيين و البيزيين على جزيرة ميورقة لتخذوا منها قاعدة ثابتة للوثوب بمدن الساحل الشرقي، غير أن المرابطين سرعان ما أخرجوهم من الجزيرة و استعادوا قاعدتهم الهامة. و لما كانت الخطط البحري سبيلا إلى اغتنام الأراضي، كان امتلاك بعض الأراضي ضرورة لا بد منها للوصول إلى البحر. و هذا هو الوضع الذي كان قائما بالنسبة إلى المدن الإسلامية في « الثغر الأعلى » شمال شرق الأندلس، لذلك فإن الأسبان طالما ركزوا جهودهم للسيطرة على المدن و الحصون الواقعة على ضفة نهر الايبرو ، الذي يعتبر منفذا ملاحيا هاما إلى البحر المتوسط. لذلك كانت حروب المرابطين في هذه المنطقة من أقسى حروبهم في الأندلس، خاصة حملاتهم المتبادلة مع ملك أراجون ألفونسو المحارب. ولو أن هذا الملك حالفه النصر في معركة ( أفراغة) (529) لانفتحت أمامه السبل إلى شواطيء المتوسط و لخسر المرابطون شيء كثيرا في مجالهم البحري.
لم يكن نشاط المرابطين قاصرا على شواطئ المتوسط، بل شمل شواطئهم على المحيط الأطلسي، باعتبار امتداد السواحل الغربية لمملكتهم. فقد كان مجرى الوادي الكبير – الذي يقطع أشبيلية – طريقا ملاحيا يربط هذه المدينة بسبتة و طنجة عبر قادس كما يربطها بالموانيء المجاورة كأشبونة و قلمرية من شواطيء البرتغال، و كان بهذه الشواطيء أسطول عامل، و يذكر التاريخ أن المرابطين باغتوا به اشتوريش و جليقية خلال العشرة الثانية من القرن الثاني عشر الميلادي، و كان معظم من يشارك في معارك هذه الجهة، من غير الأسبان و المرابطين، بحارة الإنجليز و الألمان و الأراضي المنخفضة، و تجدر الإشارة إلى أن هذا الممر عرف نشاطا متزايدا خلال حكم المرابطين، لأنه كان طريق هؤلاء البحارة للمشاركة في الحروب الصليبية و أحيانا لأعمال القرصنة. و هم لذلك  كانوا يعرجون على الموانيء الإسلامية أو الإسبانية قصد المشاركة في الفتح أو للتزود بحاجتهم من المؤن. و بفضل هؤلاء استطاع المسيحيون الأسبان أن يستولوا على أشبونة خلال الفتنة التي نشبت في الأندلس غداة انهيار دولة المرابطين (541هـ).
ذلك، بإجمال، هو الوضع البحري، كقوة حربية في دولة المرابطين، و لا يقل أهمية عنه جانب التجارة و النقل. فالنشاط التجاري بين شطري المملكة لا يمكن تصوره من دون عبور البحر. و مثله تنقل نسبة من الحجاج، و قد بدا خلال انهيار دولة المرابطين أن الحوادث قد نالت من مثانة قوتهم البحرية، فقد سقطت ألمرية في قبضة الأسطول النصراني (541هـ)، كما اقتحم القطلونيون و الجنوبيون طرطوشة (542هـ) مع ما رافق ذلك من سقوط أشبونة كما سبق. و الواقع أن المرابطين كانوا يمثلون قوة بحرية فتية. و قد ظلت قوتهم تلك مرهوبة الجانب خلال فترة عظمة دولتهم. و عندما عملت فيهم ثورة ابن تومرت عملها، مع ما رافق ذلك من فتنة في بلاد الأندلس، بدا و كأن أهمية بحريتهم أخذت في النقصان. و هو أمر طبيعي نتيجة قلة الإمداد و التحسينات. و لكن الأمر لم يطل كثيرا، فسرعان ما استثبت الأمور السياسية من جديد، و تابع الموحدون نشاطهم البحري من حيث انتهى أسلافهم.
وأول ما يلاحظ بصدد الجهود البحرية لدولة عبد المومن، أمران : اتساع رقعتها تبعا لاتساع مملكته، و تزويدها طبقا لأنظمة أكثر دقة. لقد بلغ ملكه من الاتساع حدا لم يبلغه المرابطون قبل، إذ أضاف إليه ما كان بيد دولة بني حماد في جزائر بني مزغنة  (543هـ) ، ثم ما كان بيد فلول دولة بني مناد الصنهاجية في تونس، ثم ما توج ذلك بمعركته البحرية الهائلة لطرد نورمان صقلية من شواطيء تونس. وقد كان لاتساع ملكه على هذا النحو أن استطاع أن يوفر لبحريته موارد هائلة، سواء من حيث الصرف عليها أو من حيث تزويدها بالعناصر البشرية المجربة. لقد قام بتنظيم مملكته إداريا و ماليا، و كان في جملة ما فرض على الأقاليم من واجبات تقديم عدد معين من الرجال لأداء الخدمة البحرية. و مع ذلك فقد كان يحرص على إعداد رجال بحريته بما لا يقل عن سواهم من إطارات الدولة، ففي معاهدة التعليمية بمراكش كانت فنون السباحة و القتال و الحصار البحري و إدارة السفن مواد لها حيزها ضمن البرامج المقررة، يقوم بتعليمها أمراء بحر لهم تجاربهم و خبراتهم. و كان ملحقا بهذا التعليم أحد الصهاريج، حيث يمارس الطلبة ( الحفاظ ) مختلف تمارينهم، قبل أن يأخذوها، على نطاق أوسع، في المراسي المغربية. و كانت الغابات المنتشرة في الشمال الإفريقي و الأندلس مصدرا للأخشاب اللازمة لبناء السفن، و كانت ألمرية و الجزيرة و سبتة و طنجة و سلا و الجزائر و تونس دورا للصناعة تعج بالعرفاء و مهندسي السفن المتفاوتة الأحجام. و يذكر المؤرخون أنه في سنة 557 للهجرة ( أي قبل وفاته بعام واحد ) أمر بالإكثار من إنتاج السف، فأوجدوا له سبعمائة قطعة و إذا عرفنا أن هذا العدد ( و هو مجال للنظر ) أضيف إلى القطع التي سبق أن استعملها في طرد النورمان من المهدية بتونس، قبل ثلاث سنوات، أدركنا مدى النمو الذي بلغته القوة البحرية في الغرب الإسلامي أيام عبد المومن. لقد قيل أن هذا الملك كان يعتزم اقتحام بلاد الروم حينما أوصى بالزيادة في عدد و عدة الأسطول، و قد نشك في أن هذا الأمر كان جدا لا يشوبه روح من المناورة، ولكن من المؤكد كان استجابة لواقع بحري خطير :  و هو أن بحرية الغرب المسيحي أخذت تتكتل ضد بلاد الإسلام على نحو أكثر من ذي قبل، و ناهيك بأطراف هذا العدو مجتمعة في مدن الجمهوريات الإيطالية و نورمان صقلية و الأسبان الشماليين و أتباعهم في جنوب شرق فرنسا. و بقطع النظر عن هذه القوات المسيحية كان هناك جانب لا يمكن إغفال خطره، و تمثله بقايا المرابطين في ميورقة برئاسة بني غانية.
و ليس من الصدف أن تعرف البحرية هذا الازدهار في عصر عبد المومن، ذلك أنه لم يكن أقل تعلقا بالعلوم و لا اقل رغبة في استغلالها للفائدة العملية، سواء في مجالات السلم أو ميادين الحروب : فالأمر الذي أصدره « بتكسير » أراضي ملكه العريض (555هـ) يفترض معلومات جغرافية و رياضية دقيقة، كما أن أساليته في كثير من المواقع الحربية توحي باهتمام بالغ بشؤون الهندسة و تطبيقاتها في شؤون الحروب. و هي معلومات لا يستغني عنها أمراء البحر أو قواد الأساطيل، أضف على ذلك ما يلزم لهذه الخدمة من علوم أخرى كالميقات و رسم الخرائط و آلات القياس، و هي علوم كانت ثقافة المسلمين في الأندلس و شمال إفريقيا قد تشبعت بها كثيرا. و إذا كانت للملاحة في كل إقليم اعتباراتها الخاصة – و هو ما ينعكس على طريقة ممارستها – فالمعتقد أن البحرية المغربية إلى عهد عبد المومن كانت متأثرة بالأساليب العلمية لمعاهد الأندلس و إفريقيا، و هي أساليب ذات أصول شرقية عربية، خصوصا منها ما يلاءم البحر المتوسط، و لعل هذا تؤكده دهشة الربان البرتغالي ( فاسكو دي جاما ) في القرن الخامس عشر، من اختلاف أساليبه – و هي في مجملها ميراث أندلسي عربي – عما وجده عند بحارة المحيط الهندي.
هكذا تابع عبد المومن تقوية البحرية المغربية بعد دولة المرابطين، و سيأتي أخلافه بعد، ليضيفوا إلى قصتها فصولا أخرى .

         
المصادر :
1) الاستقصا                                          : الناصري
2) المؤنس                                            : ابن أبي دينار
3) تاريخ الأندلس في عهد المرابطين و الموحدين : أشباخ – ترجمة : عبد الله عنان
4) القوى البحرية و التجارية في البحر المتوسط  : أرشيبالد لوبيس – ترجمة أحمد عيسى
5) ابن ماجد الملاح                                  : أنور عبد العليم
6) السفارات الإسلامية في العصور الوسطى     : الدكتور العدوي
7) مراكش                                            : جاستون دو فردان
8) تاريخ المغرب                                     : هـ . تيراس

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here