islamaumaroc

زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي -6-

  دعوة الحق

118 العدد

توجه أعضاء الوفد المغربي، لدى عودته من بخارى إلى طشقند عاصمة الجمهورية الأوزبكية إلى مقر رئاسة الحكومة لزيارة وزير خارجيتها، و يعق معر الرئاسة في حي عصري جميل، يشرف على شوارع المدينة التي ازدانت جنباتها بالحدائق الغناء، و المسارح الكبرى، و الدور المتعددة للثقافة و التهذيب و التسلية البريئة، فاستقبلنا، في لطف و ترحيب و بشاشة، نائب رئيس الحكومة، و وزير خارجيتها السيد شرور عظيموف المعروف بالوداعة و الوقار، و الممتاز بالاطلاع الواسع، و شمول المعرفة، و قد كانت لنا معه جلسة طيبة تبودلت أثناءها عبارات الود و المجاملة، ثم قام فألقى كلمة معبرة عن عواطفه، و مشاعر الشعب الأوزبكي،  و مرحبا بالوفد المغربي الذي أوفده صاحب الجلالة الحسن الثاني للتعرف على بلاد الاتحاد السوفياتي، ثم قال : إننا لنقدر كفاح و بطولة الشعب المغربي الذي نسمع عنه الشيء الكثير، كما نكبر الجهود الوطنية و الإنسانية التي بذلها المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه في سبيل إسعاد أمته و وطنه، لقد اطلعنا على التضحيات الجلى التي قام بها في وقتها، كما أننا نعلم مواقف ملككم النبيلة الدالة على غزارة علم، و بعد نظر، و تعقل  و تبصر، و أن المواقف التي تقفها حكومة الاتحاد السوفياتي بجانب العرب في قضيتهم العادلة لتدل على متانة الروابط الوشيجة التي تربط العرب و المسلمين بإخوانهم في الاتحاد السوفياتي .
و قد شكره رئيس الوفد المغربي على ما قوبل به من حفاوة و ترحيب و تكريم معتبرا ذلك موجها إلى مقام حضرة صاحب الجلالة نصره الله و الشعب المغربي الذي يتشوق لمعرفة إخوانه المسلمين في هذه المنطقة النائية، و أعرب له سيادته باسم الوفد عن مدى إكباره للجهود المبذولة لإسعاد الشعب، و ما تقوم به الحكومة من بناء و تشييد و تعمير و تطوير لمدينة طشقند العاصمة التي أصيبت في السنوات الأخيرة بزلزال عنيف عام 1966 أتى على بنيانها من القواعد، فهد أركانها و قوض دعائمها، و تركها خرابا يبابا كأن لم تغن يالأمس.
                                              * * *
و بعد هذه الزيارة الودية التي كانت بالنسبة لنا فرصة فريدة لمزيد التعرف على أحوال المسلمين و أوضاعهم في جمهورية أوزبكستان، فمنا بالتجول في أحياء المدينة التي تشهد نشاطا و حيوية، و تكتظ بجموع أبنائها في لباسهم التقليدي الشرقي الجميل تلفح وجوههم حرارة الشمس اللاهبة، التي لا يخفف من حدتها و توهجها إلا جمال المدينة و بهجتها و وداعتها.
و قد تعرفنا على مخازنها الكبرى التي تضاعف عددها في بحر العشرين سنة الأخيرة، و تطورت تطورا يمكن المشتري من اقتناء جميع الأشياء اللازمة للعائلة من مخزن واحد الذي يتوفر، لفرط معروضاته، على أي نوع من أنواع البضائع، و كيفما كانت الكمية المطلوبة، فقد اتسعت التجارة بهذه المدينة، و تضخمت بالمؤسسات الكبرى، و ازداد اتساع شبكة طرقها،و كثرت المطاعم العامة المجاورة للمعامل الكبرى التي تحفل بآلاف من العمال الكادحين..
و إن المرء ليأخذه الدهش المعجب حينما يزور معمل النسيج الشهير بمدينة طشقند، المكتظ بمآت من العاملات الجادات اللواتي يعملن بنجاح في شركات النسيج على آلات معقدة، و يعطين البلاد أقمشة جيدة، و ثيابا جميلة مهذبة
                                             * * *
و عندما تكبدت الشمس السماء، و توهجت أشعتها توجهنا إلى مسجد البلاد الجامع الرحب الذي يسمى ب « خواجه علم أحرار » لأداء صلاة الظهر، و قد احتشد فيه ذلك اليوم ءالاف المصلين المخيتين الذين يفيض من وجوههم نور الإيمان، و تملأ حنايا قلوبهم محبة الله و رسوله، و يهيمون متطلعين ولهين في كل ما يتعلق بالإسلام و المسلمين، لقد صافحناهم، ورأينا عيونهم تجول في ماقيها دموع فرحة اللقيا، و وجههم تطفح بالحب و الخير و الصفاء، فقد جمع الله الشتتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا، لقد أمسكوا بأيدينا، و ضغطوا عليها معبرين عن أخوتهم و صفائهم، ثم سحبوها محتفظين بتلك الصبابة لتتبرك بها أسرهم. إن المنظر، حقا، مؤثر لأحوال إخواننا المسلمين في هذه المدينة، لقد كادوا يتفرغون للعبادة، و ينقطعون متحنتين زاهدين، و هم إلى جانب هذا يتشوفون لكل من يطمئنهم على حالة الإسلام، و أوضاع المسلمين، و إن ظل الإسلام لا زال ممتدا واسعا ظليلا على القارات الخمس .. و أوضاع المسلمين تسير في تحسن مستمر، و تقدم مطرد، و رأي جميع، أننا لم نتحدث إليهم بكلمة، ولم يقم أحدنا خطيبا للوصول إلى قلوبهم، و لكن المنظر كان أبلغ من خطاب، و أقوى من كل قول، و أشد تأثيرا على النفس، كانت الخطبة صامتة أسالت الدموع، و أثارت الأشجان، و فتحت أبواب الأمل، و أحدثت تأثيرا في النفس يحفى القلم دون توفيته بعض حقه، و للقلب على القلب دليل حين يلقاه.
                                            * * *
و كم كان بودنا أن نزور و نحن في مدينة طشقند معهد الاستشراق الذي لم تتيسر لنا زيارته في هذه المدينة الحافلة بالمآثر و الأمجاد. و يهتم هذا المعهد الاستشراقي كما هو معلوم، بتراث علماء الإسلام في أوزبكستان الذين أنجبتهم مدن بخارى و سمرقند و غيرهما من أقاليم الشرق الأسيوي، و قد بلغ رصيده ثمانين ألف مخطوط باللغة العربية و اللغات الشرقية، و مما نشر من مخطوطات ذلك التراث الإسلامي كتاب « الآثار الباقية » لأبي الريحان البيروني،و الكتب الأولى من القانون في الطب لابن سينا، و كذلك رسائله الفلسفية مع البيروني، و غيرها ..
كما فاتنا أن نزور متحف تاريخ شعوب أوزبكستان لنقف على النسخة الأصلية للمصحف العثماني الذي رأينا منه صورة فوتوغرافية طبق الأصل لدى زيارتنا لمكتبة الإدارة الدينية، فلقد قطع هذا المصحف الكريم النادر، كما قدمنا في أحد أعدادنا السالفة، مراحل في وطنه العربي الإسلامي منذ القرن الأول للهجرة، قبل أن ينتقل، فيما نقل من تراث الإسلام، إلى سمرقند في العصر المغولي، و تم نقله، بعد ذلك، و في رحلة طويلة قدمنا تاريخها سابقا، من لنينغراد في عام 1922 حيث أودع في المتحف التاريخي لشعوب آسيا في طشقند في علبة من الخشب الثمين داخل صندوق من حديد، و إلى جانبه وعاء من الزجاج مملوء بسائل كيميائي لوقايته من أرضة المبيدة، و العث الأكال.
و لا يمكننا أن نمر في هذا المقام دون أن نشير إلى الجهود المضاعفة التي بذلها رجال الاستشراق في الاتحاد السوفياتي في مجال الدراسات الإسلامية و العربية، فقد كان نسف القرن الماضي بالنسبة للأبحاث العربية، و الدراسات العلمية في الاتحاد السوفياتي فترة مهمة لتدعيم اتجاهاتها التقليدية، و إنشاء تقاليد جديدة، غذ تحولت الدراسات العربية إلى مدرسة علمية هامة ذات شهرة واسعة، و مركز واسع بين مراكز الاستشراق في الغرب و الشرق ..
و يعتمد الباحثون السوفياتيون في دراساتهم على تقدير كبير للتراث الثقافي العربي، حيث اتسعت المراكز الإدارية للغة العربية، و بقية اللغات السامية الأخرى، كما أنشئت مراكز جديدة إلى جانب معاهد لينينغراد و موسكو و قازان، فخصصت كراسي لدراسة الأدب العربي في جامعة طشقند، و باكو، و دوشمبي ...
لقد استطاعت روسيا منذ إنشاء المتحف الآسيوي، في لنينغراد سنة 1818 أن تدخل في السباق الدولي على مخطوطات تراثنا حتى أنه قد بلغ رصيد معهد شعوب آسيا التابع لأكاديمية العلوم لالتحاد السوفياتي اثنا عشر ألف مخطوط حتى سنة 1963 بينها خمسة ءالاف مخطوط عربي إلى جانب سبعة ءالاف مخطوط عربي في مكتبات أخرى ببلغراد.
و لعل الفضل الأكبر يعود في هذا المجال إلى الجامعي الشهير كراتشكوفسكي عميد مستعربي الروس الذي أنفق ما يقارب من خمسة و أربعين سنة في مجال الدراسات العربية، و كتب نحوا من خمسين و أربعمائة كتاب و بحث في التراث العربي، من بينها خمسون و مائتا كتاب في مختلف مسائل الأدب العربي، كما أن له كتابا في « تاريخ الأدب الجغرافي العربي » الذي نشرت ترجمته الكاملة للدكتور صلاح الدين هشام جامعة الدول العربية.
و قد نشر المجمع العلمي للاتحاد السوفياتي ست مجلدات لأعمال هذا المستشرق اللامع الكبير و من أهم مؤلفاته التي خصصها للأدب العربي : « الأدب العري من القرن السادس إلى القرن العشرين » نشره سنة 1919، و كتاب « الشعر العربي من القرن السادس إلى القرن الثامن » و قد حلل هذا الباحث في مقالات عديدة إنتاج كثير من الشعراء الجاهليين و الإسلاميين و الأمويين و العباسيين.
و لأول مرة في تاريخ الدراسات العربية العالمية نشر كراتشكوفسكي عام 1932 مخطوط « رسالة حول الملائكة » لشاعر الفلاسفة، و فيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري، كما نشر بحثا عن « رسالة الغفران » و قام، أيضا، بترجمة ثلاثة كتب للشاعر العباسي عبد الله بن المعتز، و قبل الحرب العالمية الثانية نشر كتابا عن الأدب العربي في إسبانيا و أمريكا، كما درس هذا الباحث أهم الملامح المميزة للأدب العربي الجديد من خلال أبحاث و مقالات نشرها ما بين 1920 و 1930 مع تحليل لأعمال أهم ممثلي الاتجاهات الأدبية المعاصرة في الشعر و النثر ..
و قد قررت الحكومة السوفياتية و رئاسة أكاديمية العلوم نشر الأعمال « المختارة » من مؤلفات هذا المستشرق الكبير في ستة أجزاء تحتوى على دراسة لغوية و تاريخية و تحليلات لبعض المخطوطات.
و يواصل علماء السمفييت الدراسة الدائمة و البحث الدؤوب للمخطوطات العربية، إذ لهم في هذا الميدان ما يفتخرون به من كشف و تحليل و طبع المخطوطات البالغة القيمة.
و في هذا الصدد يقول المستشرق الروسي الشهير « شرباتوف » في مقال له عن دراسة المخطوطات العربية في الاتحاد السوفياتي :
« بدأت مرحلة جديدة من مراحل دراسة المخطوطات العربية في بلادنا، و أدى التغيير الجذري في الحياة العلمية إلى اتساع الدراسات الشرقية، و إقامة مركز استشراق كبير في لنينغراد و موسكو، و كذلك تأسيس مراكز علمية في جمهوريات آسيا الوسطى و القوقاز، وفي كل من هذه المناطق حركة جمع و دراسة المخطوطات الشرقية و العربية خاصة، كما تغيرت و تحسنت ظروف حفظ المخطوطات فيها، و تكونت مجموعات المخطوطات العربية في مختلف المدن كطشقند و باكو .. و أضخمها مجموعة المخطوطات في معهد الاستشراق بطشقند، و  تضم هذه المجموعة ثمانين ألف مخطوط بالعربية و الأوزباكية و غيرهما من اللغات الشرقية ».
و أقدم مخطوط عربية في هذه المجموعة ترقى إلى سنة 344 هـ. و في السنوات الخمسينية صدرت أربع مجلدات في وصف مجموعة طشقند، تتناول أكثر من 2700 مخطوط في التاريخ و علم الطبيعة و الطب و الجغرافية و الزراعة و الأدب و اللغة.
و من الذين لعبوا دورا أساسيا في توسيع و تطويل الدراسات العربية « كريمسكي » المعروف بكتاباته عن تاريخ اللغات و الشعوب السامية و عن الأدب العربي ..
و يقول شرباتوف أيضا « و مما يجد ذكره أن لعلماء بلادنا فضل الكشف عن مخطوطات لم تعرف من قبل، و خاصة ما كان منها يخط مؤلفها، مثل مخطوط الأمير السوري أسامة بن منقذ المعروف باسم « كتاب النازل و الديار » الذي يتضمن مجموعة عزيزة من الأشعار فيما بين القرينين السادس و الثاني عشر، و قد نشر النص الكامل لهذا المخطوط باللغة العربية ».
و في مدينة طشقند اكتشف المستشرق الأوزبكي أ. كريموف مخطوطة يتيمة لكتاب « سر الأسرار » عند دراسة كتب أبي بكر الرازي الكيميائية، و على أساس مخطوطة فريدة أخرى في لنينغراد كتب ت. شوموفسكي أحد تلاميذ كراتشكوفسكي عام 1964 رسالة عن الملاحة العربية و الإرشادات البحرية، فتفرغ لدراسة مخطوط للملاح العربي شهاب الدين أحمد بن ماجد بن معلق السعدي الذي يقترن اسمه بالملاح الشهير فاسكو ديكاما في علم البحار في رسالة علمية نال بها درجة علمية من معهد الاستشراق في موسكو، و تولى المجمع العلمي للاتحاد السوفياتي طبع المخطوط، كما تقدم الدكتور بولجاكوف ببحث في معلومات جغرافيي العرب في آسيا الوسطى في القرنين التاسع و العاشر، ما كان موضوع « أولغافرولوفا » « ما في تاريخ ابن الأثير عن ماضي شعوب آسيا ».
 و من الجدير بالذكر أن نشير هنا إلى أن السيدة كراتشكوفسكايا قدمت بحثا إلى مؤتمر المستشرقين الدولي الذي عقد في موسكو عام 1960، و كان موضوعه : « نوادر المخطوطات القرآنية من القرن السادس عشر » و قد استغرق إعداد البحث عشر سنوات متوالية برعاية المجمع العلمي للاتحاد السوفياتي ، كما حققت و نشرت آثارا مختلفة منها « رسالة ابن فضلان » ، عن رحلته في القرن العاشر إلى منطقة الفولجا، و الرسالة الأولى لأبي دلف الخزرجي عن رحلته إلى آسيا الوسطى و الهند و الصين.
و قد ظهرت أثناء الثلاثينيات الأولى لهذا القرن مؤلفات كثيرة لمستعربي الاتحاد السوفياتي حول تاريخ العصور الوسطى الإسلامية و الأزمنة الحديثة، فنشر يكوبفسكي أبحاثا كثيرة عن العلاقات الموجودة بين السلافيين، و بين الشرق العربي في عام 1926، و كتابا عن النية المجتمعية و الاقتصادية للخلافة الإسلامية في عهد العباسيين، كما اشتهرت المستشرقة بيكوليفسكايا بدراستها للتاريخ الاجتماعي و الاقتصادي عند العرب.
و قد تعمقت الدراسات المخصصة للعصور الإسلامية، فكتب الأستاذ بليانيف « العرب و الإسلام و الخلافة العربية » 1966، و نشر تشوراكوف كتابا عن « تمرد الخوارج في المغرب »، كما نشر ن. إيقانوت كتابا عن القبائل المستقلة و القبائل المرتبطة في شمال إفريقيا خلال القرن الرابع عشر، وقد رجا مني صديقي الأستاذ شمس الدين ابن المفتي السيد ضياء الدين بياخانوف الذي يعمل أستاذا للغة الإنجليزية بطشقند، و يتابع دراساته العليا بجامعة موسكو أن أزوده ببعض المعلومات و الكتب التي تتعلق باللهجات المغربية الدارجة، فتعث إليه بعض الكتب من بينها مجلة « اللسان العربي » الراقية التي يصدرها المكتب  الوطني لتنسيق التعريب في العالم العربي ..
ونتيجة لتطور و توسع العلم، فقد ظهر اتجاهان في نشاط المستعمرين اللغويين السوفياتيين، أحدهما مرتبط بالوضع القومي و اللغوي في العالم العربي، و بالعلاقات الموجودة بين الفصحى و العامية، و الثاني يساهم في دراسة تاريخ اللغة العربية مع شرح و تحليل للكتب الكلاسيكية. و قد ألفت بعد الحرب كثير من القواميس كالقاموس الروسي العربي الذي خصص بالدرجة الأولى للطلبة العرب الذين يتعلمون اللغة الروسية، و القاموس العربي الروسي من ناحية أخرى، بالإضافة إلى عدة قواميس طبعت في مختلف مراكز الدراسات العربية للجمهوريات القومية السوفياتية.
و قد تمت مناقشة خمسة و عشرين رسالة دكتوراه في موضوعات لغوية عربية، كما أن هناك دراسات لمختلف مظاهر اللغة الدارجة العربية، مثل الرسائل الجامعية التي قدمها أخفيلدياني لتحليل خصائص حروف العلة في الدارجة، و اللهجات الدارجة في المغرب التي درسها و قدمها الأستاذ ك. كاملييف.
و الحق أن علماء الاستشراق في الاتحاد السوفياتي جادون في الكشف عن مخبآت تاريخنا، ودفائن المخطوطات النادرة التي تزخر بها مكتبات بلدان آسيا الوسطى.
                                                 * * *
قامت الإدارة الدينية في اليوم الأخير من إقامتنا بجمهورية أوزبكستان بحفلة وداع كبرى حضرها كبار القوم و عليتهم، وبعض الوزراء و أعضاء الإدارة الدينية، كما حضرها رجال الصحافة و السينما الذين التقطوا أشرطة كاملة لهذا الحفل البهيج الذي ينم عن كرم بالغ، و بذل سخي، و تقدير كبير لوفد مغربي جاء يحمل أطيب العواطف و أنبل المشاعر إلى إخوانه المسلمين بآسيا الوسطى، و بعد الانتهاء منا العشاء قام سماحة الشيخ المفتي السيد ضياء الدين باباخانوف بإلقاء كلمة مكتوبة باللغة العربية قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اختار صفوة من عباده بلطائف التخصص طولا و امتنانا، و ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا، و نزع الغل من صدورهم فعاشوا في الدنيا أصدقاء و إخوانا، و صاروا في الآخرة رفقاء وخلانا، وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وأصحابه الذين اتبعوه و اقتدوا به قولا و فعلا وعدلا و إحسانا.
أما بعد، فإنه لشرف عظيم لنا نحن أعضاء الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى و قازاغستان و الأئمة و خطباء طشقند مع المسلمين جميعا نفتخر أن أتيحت لنا هذه الفرصة السعيدة في هذه الحفلة التي أقيمت على شرف الوفد الكريم من المملكة المغربية لهديته الذين شرفونا تلبية لدعوة الإدارة الدينية، وعلى رأسها معالي الوزير لشؤون الإسلامية و الأوقاف السيد أحمد بركاش السيد عبد الهادي الصبيحي و الكاتب العام للشؤون الإسلامية، والمرشد العام للجيش الملكي فضيلة الأستاذ السيد عبد الرحمن الدكالي والعلامة صاحب التأليف العديدة الأستاذ عبد الله  كنون الحسني، والسفير السابق المغربي بموسكو و المناضل لأجل توطيد الروابط بين المملكة المغربية و بين الاتحاد السوفياتي السيد عبد الكبير الفاسي و الأستاذ المجد بوزارة شؤون الدين الإسلامي و الأوقاف و ناشر أفكارها بطريقة مجلة دعوة الحق السيد محمد بنعبد الله سدد الله خطاهم إذ نجتمع فيها من شتى الدوائر و المنظمات الحكومية الأوزبكية، و إنني بصفتي رئيسا لمسلمي الجمهوريات الخمس بآسيا الوسطى أقدم تحياتي الحارة و تمنياتي الطيبة بإسمي و إسم المسلمين، لهذا الوفد الكريم وأشكر لهم الجهود الكبيرة التي بذلوها لإقامة أواصر الصداقة و الأخوة الصادقة بين البلدين، و إن حقوق الإنسان لنفسه و أسرته كثيرة وهو مأمور في نظر الشرع أن يؤدي جميع ما أمر الله به، و أن يؤدي حقوقه و حقوق أسرته و تربية نشأته، أما الظروف الراهنة من دراسته و عمل و مساعدة الأخ لأخيه و صلة الأرحام و أحداث كثيرة و غيرها من النكبات و انقباض الروح تجعل تبعد الإنسان و تذهله عن إذا ما وجب عليه من أمور الشرع أما المومن المخلص سيان لديه اللذات و العقبات و هو يحتفظ بالمأمورات و يجتنب المنهيات، و إنني أشكر شكرا جزيلا لمولاي النسيب الحسب جلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية لتفضله و إحسانه بإيفاد هذا الوفد الذي قرت أعيننا برؤيتهم ضيوفا أعزاء في بلادنا، ونحن نعلم يقينا أن جلالته – نصره الله أراد أن يوثق الأخوة الإسلامية و يجمع شمل المسلمين في المغرب و المشرق قام فوق ذلك في نفس الوقت بواجبات الدين و الحياة في الرحلة الأولى و هو الذي عقد احتفالا حافلا بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم رغبة من جلالته في دعم الأخوة الدينية و توطيد أواصر الصداقة و تقوية الروابط بين الشعوب و التضامن فيما بينها ليتأتى لها رفع منار الإسلام في مشارق الأرض و مغاربها، و إن دولتنا العظيمة الإتحاد السوفياتي لديها أهمية كبرى لهذا الشأن العظيم.
أيها الوفد الكريم :
إن مسلمي الاتحاد السوفياتي مع سائر الشعوب العالمية المتحررة يؤيدون الحركة التحريرية و يريدون أن تعيش شعوب العالم كلها بحقوق متساوية و حرية تامة أصدقاء علما منهم بأن الدين الإسلامي دين عام شرعه الخالق لربط الشعوب أبيضها و أسودها فمحا الله به امتيازات الأجناس و العناصر، و قضى على العصبيات، و قرر مبدأ المساواة.
إن الحكومة السوفياتية قد أعلنت في أول شهر من ولادتها ببيانها لكل الشعوب أنها ستبني علاقاتها مع الأمم على أسس السلام و الحرية و المساواة و الصداقة و التعاون.
إخواننا الأعزاء :
إنني بالاستفادة من رعايتكم أريد أن أتحدث عن حياة المسلمين في الاتحاد السوفياتي، فالمسلمون، كسائر الشعوب السوفياتية، متمتعون بالحرية في الاعتقاد و الاعتناق بدينهم الإسلامي الحنيف كما شاهدتم بأم أعينكم في بعض البلاد التي زرتموها، و يدل على تمتعهم بالحرية في الدين ما يوجد في بلاد آسيا الوسطى و قازاغستان من الجوامع الكبرى، و ما يوجد في القرى من المساجد و أداء الصلاة الخمس و الجمعات و العيدين بازدحام من المسلمين و أداء فريضة الزكاة و الحج و صدقة الفطر و ذبح الأضاحي لمن استطاع منهم وأقف أيضا في مدرستنا الدينية.
سادتنا الكرام شرفتمونا بزيارتكم للمدرسة الإسلامية في مدينة بخارى التي أنجبت كثيرا من العلماء و الفقهاء للعالم الإسلامي و العربي، إن مدرستنا هذه وليدة أعوام لا تبلغ ثلاثين سنة، و لكن نحمد الله تعالى على أنها قامت في طفولتها بخدمة علوم القرآن و السنة النبوية و علوم العربية و علوم الدين، و قد أصبحت بمناهج دراستها و نظمها ممتازة في علوم الدين و الفنون و فيها طلبة من مختلف بلدان آسيا الوسطى و قازاغستان و بلاد تتارية، و باشقيريه، و أذربيجان، و قد تخرج منها عدد كبير من العلماء و المقرئين، و مناهجها شاملة لقسم الدراسات الابتدائية و الثانوية، و مدة الدراسات تسعة أعوام، و تدرس فيها اللغة العربية و آلاتها من الصرف و النحو و الخط و المحاورة العربية و البلاغة و الفقه و الحديث و التفسير و فوق ذلك تحفيظ القرآن و تجويده بإتقان من المقرئين المحليين، و الطلبة في القسم الداخلي خمسون نفرا، و جميع نفقاتهم و كل ما يحتاجون إليه من مرافق معاشهم على ذمة الإدارة الدينية في عهد إقامتهم بها، و القسم الخارجي أكثر من عشرين طالبا تحت إشراف مدرسين يأخذون دراساتهم حسب وفاق المدارس العربية، و المدرسون فيهم من تخرج من هذه المدرسة و منهم من أتم دراساته في جامع الأزهر و جامعة القرويين و الجامعة السورية، و ليس الخبر كالعيان كما شاهدتم أنتم كما ورد في الحديث، نرى من الواجب علينا أن ننقل إليكم شعور المدرسين و الطلبة معهم الذين يكنونه إلى حضراتكم أيها الوفد الكريم و على رأسكم معالي الوزير أحمد بركاش حفظه الله، ثم إني ألفت أنظار مشتركي الحفلة إلى الحوادث التي تعدت من قبل دويلة إسرائيل إلى أراضي أصدقائنا العرب، و مسلمو الاتحاد السوفياتي يرجون من الله أن تكون العاقبة للعرب المحبين للسلام، و بارك الله في جهودكم التي بذلتموها لأجل التزاور و التعاون بإخوانكم المسلمين بالاتحاد السوفياتي و يوفقنا و إياكم لما فيه مرضاته، و في الختام أكرر ترحيبي و أشكر لكم تشريفكم و السلام عليكم.
و قد أجاب رئيس الوفد المغربي السيد الوزير بكلمة جاء فيها :
« لقد تلقينا استدعاء كريما من حكومة الاتحاد السوفياتي، و من الإدارة المركزية لمسلمي آسيا الوسطى و قازاغستان التي يشرف على إدارتها سماحة المفتي الشيخ ضياء الدين باباخانوف، فأمرنا صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني بأن نستجيب للدعوة الموجهة إلينا من حكومة تربطنا بها روابط الصداقة و الاحترام المتبادل، و عينني صاحب الجلالة المؤيد بالله رئيسا على وفد يضم ألمع الشخصيات في ميدان الفكر و شؤون الثقافة، و إننا أمام ما شاهدناه من تطور في مجال التعمير و التصنيع و الحركة الاقتصادية و الفلاحية، و ما شعرنا به حين اتصالنا بإخواننا المسلمين و قيامهم بشعائرهم الدينية، لا يسعنا إلا أن نشكر حكومة الاتحاد السوفياتي، و ننوه بما تقوم به الإدارة الدينية من تعليم و إرشاد، و إصلاح المساجد و تعميرها، و العناية بالأئمة و الموظفين الدينيين، بفضل المساعي و الجهود التي يبذلها سماحة المفتي المحترم، و الذي يرجع له الفضل في هذه الدعوة الكريمة.
إننا نحيي هذه النهضة التي رأيناها في الشعب الأوزبكي و التي بفضلها سيرتفع مستواه في جميع الميادين، و أقوى ظاهرة في ذلك هي ما شاهدناه في طشقند عاصمة الجمهورية الاوزبكية من مجهودات جبارة في بعثها من جديد بعد النكبة التي أصابتها في سنة 1966، و ما شاهدناه في تنفيذ مشروع « سهب الجوع » حيث أصبحت الصحراء القاحلة أرضا خصبة بفضل عملية الري و التشييد و التشجير، و التعمير، كما أعجبنا بمظاهر التقدم التي شاهدناها في الميدان الثقافي، و التي تتجلى في الاستعداد العظيم لإحياء ذكرى مرور 525 سنة على ميلاد العالم الكبير علي شير النوائن، و مرور 2500 سنة على تأسيس مدينة سمرقند.
و قبل أن نغادر جمهورية أوزبكستان، نعرب عن يقيننا في مستقبل زاهر لهذه الجمهورية الصديقة، و لا شك عندنا أن هذه الصداقة التي توجها صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في زيارته للإتحاد السوفياتي في خريف 1966 ستكون لها نتائجها المحمودة.
و في الختام أتوجه بالشكر إلى جميع السلطات التي لينا منها كل عناية و حسن استقبال و السلام عليكم و رحمة الله.
و إثر ذلك تفضل سماحة الشيخ السيد ضياء الدين بباخانوف بتقديم المصحف الكريم الذي طبعته الإدارة الدينية بطشقند عام 1960 إلى أعضاء الوفد و ألبسهم اللباس التقليدي لجمهورية أوزبكستان، وأخذت صور تذكارية لأعضاء الوفد مع الشخصيات الرسمية و العلمية التي حضرت الحف التكريمي ..
التوجه إلى دوشمبي عاصمة تاجيكستان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here