islamaumaroc

هذا الشعر ماذا أعطى حياة الإنسان؟

  دعوة الحق

118 العدد

لو سئلت هذا السؤال بالنسبة إلى العلم فقيل لك : ماذا أعطى العلم حياة الإنسان ؟ لأجبت على الفور و بدون تفكير إلى أقرب أدوات الحضارة إليك  فقلت أعطى أشياء كثيرة كهذا التلفزيون، و هذه الساعة، و ذلك التليفون. و لو سئلت نفس السؤال أبسط الناس، لما احتاج إلى أدنى صعوبة ليجيب بما أجبت به أنت المثقف الحصيف. ذلك أن معطيات العلم ليست معنوية فقط، و لكنها أيضا مادية، تلمس باليد، و ترى بالعين، و هي قد دخلت جميع البيوت، و اتصلت بحياة الناس العملية، و كان لها أكبر الأثر في أساليب حياتهم، و من ثم أصبحت بالنسبة إليهم جزءا منهم لا يمكن الاستغناء عنه.
و الناس غالبيتهم لا تعرف كيف صنعت تلك الآلة أو هذا الجهاز، فذلك لا يدخل في نطاق اختصاصهم، و ليس من الضروري أن يعرفوه، إلا أنهم يعرفون كيف يستعملون أجهزة العمل و مخترعاته المختلفة بقليل من الخبرة و المران. و معنى هذا أن الناس إذا فاتهم العلم في أدق شؤونه و نظرياته، فقد وصلت نتائجه إليهم، و أصبحت في خدمته، و في متناول أيديهم لتحقيق رفاهيتهم و راحته، بحيث بشيء من المال يستطيعون أن يقتنوا من أقرب متجر إليهم آلة علمية لاستخدامها في بيوتهم، غافلين عن أن وراءها – أي الآلة – متاعب كثيرة قاسية عاناها العلماء قبل أن يتوصلوا إل اختراعها على الشكل الذي هي عليه.
و ذلك هو الشأن في مخترعات العلم، و لو أنا حاولنا القيام بنفس العملية بالنسبة إلى الشعر فنتساءل ماذا أعطى الشعر حياة الإنسان ؟ لصادفنا عدة مصاعب تعترض سبيلنا، و تمنعنا من التوصل إلى جواب واضح حاسم نطمئن إليه. لأن ثمرات الشعر ليست مما يدخل في نطاق الماديات كجهاز التلفزة أو جهاز التلفون، و لا هي مما يستخدم في مرفق من مرافق الحياة، ليؤدي لنا خدمة معينة كالشأن في مخترعات العلم. و نحن لا نستطيع أن نلجأ إلى الشعر في حل مشاكلنا المعلقة، أو نقضي بواسطته حاجات الآخرين، و أدق مخترع علمي قد يفيدنا من حيث تعجز عن ذلك جميع دواوين الشعر منذ أن بدأ الإنسان يقول الشعر إلى اليوم. فإذا نحن ذهبنا إلى أقرب مكتبة إلى بيوتنا فاقتنينا ديوانا شعريا كما نقتني ثلاجة أو مكواة، فليست قصائد الديوان بالتي يمكن استخدامها أو الانتفاع بها كما ينتفع بالثلاجة و المكواة. هذا علاوة على كونها تحتاج في تناولها – أي قصائد الديوان – إلى مهارة خاصة ناتجة عن الثقافة و التربية الفنية، و على حين أن أفراد البيت الذين لا يملكون هذه المهارة يبقون بعداء عنها، بل هم يجهلون وجودها و إن كانت منهم على بعد خطوات..! في الوقت الذي يتمكنون فيه جميع من استعمال كل مخترعات العلم مما تمتليء به بيوت الموسرين، و حتى بيوت متوسطي الدخل من الناس.
لذلك يسهل تداول مخترعات العلم ببيعها أو رهنها لتؤدي نفس المهمة التي كانت تؤديها في البيوت التي خرجت منها، أما دواوين الشعر فنادرة هي البيوت التي تستقبلها بحفاوة و عطف، و تنزلها منزلتها التي تستحقها، و لو أنك سألت سيدة من السواد الأعظم – حتى و لو نالت قسطا من الثقافة – ماذا تفضلين : ديوان شعر أم آلة لعصر الفاكهة ؟ لما ترددت في تفضيل الثانية و على شفتيها ابتسامة سخرية لتفاهة السؤال و سخافته..!
و نخرج من ذلك بفائدة، و هي أن من الصعوبة تحديد ما أعطى الشعر حياة الإنسان، بنفس الدقة و الوضوح اللذين نحدد بهما معطيات العلم الكثيرة المادية المحسوسة, و لكن هذا لا يصدنا عن محاولة ذلك، و إن كنا غير طامعين – و نعترف بهذا منذ الآن – في أن نكون واضحين بالقدر الكافي لإزالة كل غموض أو التباس، بل سنحتاج إلى غير قليل من الجهد لنكون واضحين نسبيا. و إذا كان العلم لا يحتاج إلى محام على الإطلاق، لأن مخترعاته التي توجد تقريبا في كل بيت عصري، هي التي تتولى الدفاع عنه، ضد الذين يكيلون له التهم و يحملونه مسؤولية جرائم الحرب، فالشعر يحتاج إلى ألف محام و محامي، لأن أثره في حياة الإنسان و فضله عليه، مما يجعل موضوعا للناقاش، و مثارا للخصومات. كل هذا لأن أثره غير ظاهر للعيان، و لا ملموسا بالأيدي، و إنما هو مما يدرك بالعقول، و يحاط بالأفها، و لابد أن تكون هذه العقول و الأفهام قد بلغت من الشفوف حدا معينا لتقوى على استساغته و التجاوب معه.
أضف إلى نفعية مخترعات العلم السابق ذكرها و التي لم نذكرها، أنها مما يستعمل و ينتفع به دائما و كل يوم بل كل ساعة، و إن لم نقل كل دقيقة. فنحن لا نقول – مثلا – لا يروق لنا إبداع موادنا الغذائية داخلا الثلاجة هذا اليوم، أو لا يطيب لنا استخدام المكواة، بنفس الطريقة التي تعزف بها عن القصيدة الشعرية أو نتفتح لقراءتها، إذ أن هذه تتصل بالمزاج و الجو النفسي و الحالة العاطفية، على حين أن مخترعات العلم لا علاقة لها بذلك، لأنها ضرورية دائما و بكيفية مستمرة، بحيث لا دخل للحب أو الكراهية في تركها أو استعمالها. هذا بالطبع إذا لم نكن مدرسين للشعر كوسيلة للعيش، و إلا كانت قراءته و تدارسه ضربة لازب بالنسبة إلينا، لا نستطيع الفكاك منها، حتى و نحن كارهون لها، و لكن دراسي الشعر على هذا النحو أقلية لا يؤبه بها من بين مجموع المثقفين، أما الباقون فهو عندهم مسألة هواية و مزاج لا أقل و لا أكثر.
و ارتباط الشعر بالمزاج الذي لا يكاد يستقر، أبعده عن أن يكون أمرا ضروريا للحياة عند الكثيرين من الناس، و حتى المثقفين منهم. هذا علاوة على كونه لا يحقق لهم منافعهم و لا يستجيب لمطالبهم بنفس السرعة التي يحققها العلم بأدواته الحاسمة القريبة النتائج. أنت – مثلا – لا تستطيع الاعتماد على قصيدة شعرية في إصلاح أنابيب المياه، أو تحويل قطعة من المعدن إلى مقلاة أو ملعقة، و إنما هي شيء بذاق ثم ينتظر به أن يترك أثره في النفس و الذوق و الخيال على مهل و دون داع إلى العجلة. وقد تحتاج إلى قراءة كمية هائلة من الشعر، قبل أن تضفر منه بما يحدث تحولا في قواك الذاتية، أما مخترعات العلم فهي سريعة النفع، و نفعها محقق لا شك فيه. فما بينك و بين الاستفادة المحققة من المكواة إلا أن تصلها بمنافذ التيار الكهربائي في أقرب جدار إليك. و قل نفس الشيء بالنسبة لكل أدوات الحضارة المادية.
و لو طاب لنا الاستمرار في هذا الضرب من المقارنة لكان في وسعنا أن نرى الشعر كثير الطمع فينا، تواقا إلى استغراق كل كياننا، لأن ذلك هو السبيل إلى استساغته و التغلغل في أعماقه البعيدة، نعم إمنا ثمن ما في الشعر من متعة رائعة أن تهبه ذاتك، و تتخلص من كل ما حولك، لترتمي في أحضانه، فهو إذن شيء لا يقنع منا ببعض حواسنا، و لا يجزء من اهتمامنا، و إنما يجب أخذنا من جميع أقطارنا، و ما كذلك مخترعات العلم، فهي لا تتطلب منك أكثر من ضغط على زر، أو إمرار الأصابع على مفاتيح، أو وضع القدم على جهاز، فإذ بكل شيء على ما يرام، و لك أن تفعل ذلك و أنت تتناقل حديثا مع صديق، أو تشتغل بشيء عملي آخر في نفس الوقت. فسيدة البيت – مثلا – يمكنها أن تكوي الثياب، و في الوقت نفسه تحدث جارتها عبر النافذة عن أحوال الطقس، أو عن متاعب الأطفال، جون أن تحس بأن في الجمع بينهما ما يسبب لها قلقا أو خللا في العمل الذي تقوم به .
و لكن هل جاءك أن منهمكا في قراءة قصيدة شعرية يمكنه الجمع بين قراءتها و بين عمل آخر في وقت واحد ؟ كلا إن ذلك غير ممكن، و حتى عندما تكون مضطرين إلى قراءة الشعر لشرحه و بيان مقاصده و مغازيه، نجد أنا نزهق روحه، و نحوله إلى قواعد جامدة، تسيء إلى مائيته و عفويته و انطلاقته.
و في هذه الناحية يفتقر الشعر إلى إحدى مزايا العلم الكثيرة، و هي أنه يقنع من الإنسان بجزء من اهتمامه، الأمر الذي نجده بالنسبة لمخترعات العلم. و لئن كان بعض الناس مستعدين للتنازل عن كل مشاغلهم للشعر، فإن ذلك ليس في وسع الجمهرة الكبرى منهم نظرا لأوضاع العصر الذي نعيش فيه، إذ هي أنانية إلى أبعد حد، و لا تريد التنازل عن شيء، و لا تستطيع فتح قلوبها عن مصاريعها ليعيث فيها فسادا هؤلاء المجانين الذين يدعون شعراء.! و ليتنا كنا قادرين على التخلص من قبضة الشاعر و جوه الغامر بمجرد انتهائنا من قراءته، ألا تراه كيف يلاحقنا، و يرسل أطيافه حولنا، و يمد لنا في أسباب الإغراء لنعود إليه مشوقين، في الوقت الذي لا نجد لدى مخترعات العلم شيئا من ذلك. فأنت ما أنت تنزل من سيارتك لتدخل إلى مكتبك، متى تنقطع كل صلة لك بها، لتنصرف إلى عملك. و سيدة البيت بمجرد انتهائها من كي الثياب، تنقطع كل صلة لها بالمكواة، بل لا تفكر فيها إطلاقا إلا عند الحاجة إليها. و لكن اعتذاريات النابغة، جرت ذيولها على عصور من التاريخ الأدبي، و ما زالت تجرها إلى اليوم، و سيجدها أحفادنا الذين سوف يأتون، تنتظرهم في لهفة و شوق ..!
و نحن إذ نقول هذا، لم نضع في اعتبارنا البحوث و الدراسات العلمية، لنقابلها بالقصائد الشعرية، لأن هذا ليس من غرضنا في هذا الحديث. و إنما عرضنا لمخترعات العلم المادية، للبرهنة على أن في وسع العلم أن يتصل بحياة جميع الناس، و يؤثر فيها مباشرة و بواسطة آلات تلمس و ترى و يمكن تملكها و استخدامها عند الحاجة، لتحقيق المنفعة المنوطة بها، من حيث يعجز الشعر عن ذلك، مما جعل الناس يسلمون بمدى تأثير العلم في حياتهم، و يشكون كثيرا في أن يكون للشعر في حياتهم مثل هذا الأثر. ففي إمكان الواحد منهم الإشارة إلى اقرب مخترعات العلم منه، ليقول أن العلم أعطاني هذا لأصنع به كيت و كيت، و ليس في وسعه أن يفعل نفس الشيء ليقول : هذا ما وهبني الشعر لأفعل به كذاو كذا.
فإذا حاولنا ألوصول إلى لب الحقيقة لنرى : ماذا أعطى الشعر حياة الإنسان، تعين علينا ألا نلقي إلى طرق ( الدعاية ) بألا، و إلا نترك الأوهام تجد سبيلها إلى نفوسنا،و أن نمحو كل ما حشيت به أدمغتنا من طرف أعداء الشعر، قصد صرفنا عنه نهائيا و إلى الأبد. و سنرى بعد قليل أن ما كنا نشك فيه قد أصبح حقيقة لا سبيل إلى تجاهلها أو إنكار أنها حقيقة. و لا شيء غير الحقيقة. و سوف لا نستخدم الأساليب المعقدة الملتوية، المليئة برموز الفلسفة و الأفكار الموغلة في التجريد، و إنما سنحاول أن نكون واضحين بقدر الإمكان، طالما كان غرضنا هو إزالة الجفاء الذي بين الكثيرين من الناس، و بين هذا الفن العتيد، و لكن كما قلنا في سطور ماضية، لا مطمع لنا في أن نكون شديدي الوضوح، لأننا بصدد الحديث عن أمر روحي معنوي لا تمثله في الخارج أشياء مادية.
أما بعد، فماذا أعطى الشعر حياة الإنسان ؟
إذا لم يكن في استطاعتنا أن نشير إلى شيء بارز في حياة الإنسان فنقول : هذا أحد هبات الشعر، كما نفعل ذلك بالنسبة لآيات العلم الكثيرة، فليس معنى ذلك أن الشعر لم يهب حياة الإنسان شيئا، فهي مدينة له بالشيء الكثير، مما لا يسهل على الأوساط من الناس تصوره، أو الإحاطة به.
و لعل الكثيرين يرون أن ما أنا بصدده يزج  بالشعر في صميم المنفعة، على حين أنه أمر لا علاقة له بالناحية النفعية، و حينئذ فلا معنى لهذا التساؤل عن أثر الشعر في حياة الإنسان، و مقارنة القصيدة الشعرية بالمخترعات المادية التي تقاس قيمتها بمدى منفعتها للناس، في الوقت الذي لا يمكن بحال من الأحوال، تطبيق هذا المقياس على العلم الشعري : و هو اعتراض قد يبدو وجيها إلى حد ما، و لكن ما رأيك في أن لي وجهة نظر أخرى في علاقة الشعر بالمنفعة يخالف ما استقر عليه رأي أغلبية النقاد حول هذه القضية ؟ ماذا يقول النقاد أولا ؟ يقولون أن الفنون تنقسم إلى قسمين : فنون نافعة، و فنون جميلة، يدخل في نطاق الأولى فن الحلاقة و فن النسيج و فن الطبخ و فن الخياطة وغيرها من الفنون العملية التي تهدف إلى إرضاء الأذواق الخارجية، هي أذواق الناس الذين يؤدون ثم انتفاعهم بها، و يدخل في نطاق الثانية فن الشعر و فن الرسم و فن الموسيقى و غيرها من الفنون التي تعبر عن أذواق أصحابها و مشاعرهم أساسا، و دونما تدخل الاعتبارات الخارجية أو الميول الذوقية النفعية للآخرين. ذلك ما يقوله النقاد في هذه القضية، و هو رأي أوافقهم عليه، و لكن إلى حد ما، فعندي أن الشعر بعيد عن المنفعة في المدى القريب فقط، لا في المدى البعيد، أعني أننا عندما نتناول قصيدة لنقرأها لا ينبغي أن ننتظر منها أن تنمي معلوماتنا، أو تعلمنا شيئا كنا نجهله، أو تحقق لنا منفعة كيفما كان نوعها، إذ أن هذا لا يدخل في مهمة الشعر الأساسية، غذ هو شيء يمنع و يلذ و يبهج، و لا شيء بعد هذا ، و لكني لا أرى تجرد الشعر عن المنفعة في المدى البعيد، أعني عندما ننظر إلى آثاره على الأجيال و العصور و المجتمعات في عقود من السنين. بحيث يمكننا أن نتساءل على هذا النحو : ماذا استفاد الناس من الشعر على التغير السياسي و الاجتماعي في فرنسا إبان الثورة الفرنسية ؟ ماذا استطاع الشعر أن يؤدي من خدمة للحركات التاريخية الهامة ؟ إلى أي مدى نهض الشعر بواجبه في معركة تحرير فلسطين ؟ إلى غير ذلك من التساؤلات التي من هذا القبيل. و لكن لا يمكننا أن نتساءل عن هذا النحو : ما هي الفكرة الجديدة التي استفدناها من هذه القصيدة أو تلك ؟ ما هو النجاح الذي استطعنا تحقيقه في حياتنا من جراء انكبابنا على قراء عمل شعري و مدارسته ؟ و الحجة التي اعتمد عليها في التفرقة بين المدى القريب و خلوه من المنفعة، و المدى البعيد و اقترانه بها، هي أن العمل الشعري إذا قرأناه لا يعني بالنسبة إلينا إلا حالة نفسية خاصة يريد الشاعر نقلها إلينا، فليس لنا أن نطالبه بأكثر من ذلك، اللهم إلا ما كان من تكافؤ بين أسلوب الشعور و طريقة التعبير، و ما استطاعت هذه الأخيرة تحقيقه من إيصال التجربة إلينا بأمانة و صدق. أما عندما تنضم الأعمال الشعرية بعضها إلى بعض، في تسلسل تاريخي منسق، فإذ ذلك تتمخض بتجمعها و تفاعلها عن مجموعة من القيم و المبادئ و المثل التي تكيف على ضوئها الجماعة البشرية المتأثرة بها في شعورها و تفكيرها و نظرتها إلى الحياة. ذلك لأن القيم و المبادئ و المثل، ليست أمورا فردية، و إنما هي أمور جماعية و معاني عامة، مما يشترك فيه مجموعة من الناس.
و لنكون واضحين يمكن أن نضرب هذا المثال : أمامك ورجة جميلة قطفتها و وضعتها في آنية جميلة من البلور، فهذه الوردة لا يصح أن تنتظر منها نفعا ماـ إذ هي مجرد شيء جميل يلذ العين و الأنف، و يعطر البيت بألطف النفحات، و لا شيء بعد هذا. و لكن فو فرضنا أنك قطفت مجموعة من الورود ضخمة، لأمكنك أن تجلب منفعة بواسطتها بعد أن كانت الوردة المفردة مما لا ينتفع به على أي وجه من الوجوه، يمكنك مثلا تقطير تلك الورود لاستخلاص مادة العطر التي فيها، كما يمكنك غرس سوقها محادية لجدار بيتك الخارجي كي تحجبك بعد ترعرها عن أنظار المارة المتطفلة، و هكذا دواليك. و إذن فلا معنى لالتماس المنفعة من القصيدة المفردة، تقرأ في فترة زمنية محدودة، و يصبح له معنى إذا نحن نظرنا إلى الشعر في مجموعه، داخل نطاق جيل من الأجيال أو عصر من العصور.
و الآن و قد نحينا ذلك الاعتراض جانبا بردنا عله و بيان رأينا فيه ، يمكننا أن نمضي في الإجابة على ذلك السؤال الوارد : ماذا أعطى الشعر حياة الإنسان ؟ ها هنا نجد أنفسنا في أمس الحاجة إلى أن نتأمل طويلا في كثير من القيم الاجتماعية و المبادئ الخلقية و المثل العليا التي آمنت بها الإنسانية من قديم، وكانت من عوامل تطورها و حضارتها و أخذها بأسباب الرقي المادي و الروحي. كما يتعين علينا أن نلقي ضوءا على أنواع من السلوك الفردي و الاجتماعي.
فإذا كان الشعر لا يهبنا أشياء مادية كالعلم، فهو يهبنا ما هو أهم، يهبنا القيم التي تكمن وراء تلك الأشياء، هي لها بمثابة الروح من الجسد، و الحقيقة الباطنة وراء الأشكال الظاهرة. و لنبدأ القصة من أولها :
في تاريخ الإنسانية البعيدة العهد بالقدم، لم يكن هناك علم ينظم للناس أمور دنياهم، و يضع لهم القواعد التي يسيرون على ضوئها فيما يأخذون و ما يدعون، و يصوغ لهم الأفكار و المبادئ و يخلق لهم المقاييس و الموازين ليزنوا أو يقيسوا بها الأشياء. و إنما كان هناك شعر، هو الذي يتولى القيام بهذه المهمة الدقيقة. فأين كان العلم في جاهلية العرب عندما كان شاعرهم يقرر هذه القاعدة الاجتماعية ؟
   و من لم يذد عن حوضه بسلاحه
      يهدم و من لا يظلم الناس يظلم
و كثير هي القواعد الاجتماعية و الخلقية و مبادئ السلوك التي تصدى الشعر لإعطائها موضعا في حياة الناس، وقت إن لم يكن للعمل وجود في حياتهم، بالمعنى الذي نعرفه لكلمة علم. فصور عالية للشهامة و النجدة و المروءة و غيرها من الصفات الخلقية المثلى، تولى الشعر صياغتها و بثها في الناس، قامت عليها صروح من العادات و التقاليد المتوارثة خلفا عن سلف. و روائع من البطولة كان الشعر واقفا من ورائها يدفع بها نحو المعالي، و من أمامها يدعوها إلى القدم، و من حولها يزف بها أهازيج الفخر و أناشيد الحماسة.
كان ذلك قبل ظهور العلم في حياة هؤلاء الناس بمخترعاته المدهشة، و فتوحاته المظفرة، و عندما ظهر وجد قواعد للحياة الاجتماعية قارة، و مبادئ للتعايش سائدة، فوقف منها شارحا و ناقدا مزحزحا لكثير من القيم القديمة، ليضع مكانها قيما جديدة، و لكنه لم يستطع أن يجعل الإنسان على هذه الأرض، أسعد مما كان، إن لم نقل أنه حول سعادته إلى شقاء و تعاسة. و مع وجود العلم، استمر الشعر يؤدي نفس المهمة التي كان يؤديها من قبل، و كل ما في الأمر من جديد، أن مهمته كانت سهلة فأصبحت صعبة، بسبب ظهور هذا المنافس الخطير، الذي خلق له كثيرا من المصاعب، و انتزع من رعيته كثيرا من الأنصار. و الآن و قد بلغ العلم مدى بعيدا في حياتنا العصرية الآلية، ننظر فنرى بصمات الشعر على كثير من العادات الاجتماعية و مظاهر السلوك. كل المظاهر الجميلة في حياة الناس، تقف من ورائها معاني طافت بأخيلة الشعراء، و خواطر سبحت في آفاقهم، فصاغوها كلما عذبا مستساغا ذاب في حياة الشعوب كما تذوب قطعة سكر في ماء حار، و بفعل الوراثة العامة انتقلت تلك المعاني و الخواطر من جيل إلى جيل، و من يدري ؟ فلعل وراء كلمة غزل عذبة يبثها عاشق في أذن حبيبته في لندن أو باريس، معنى اهتز له وجدان شاعر عربي أو يوناني قديم، و قد لا يكون ذلك العاشق سمع بذلك الشاعر أو علم بوجوده إطلاقا، و لكنها الوراثة العامة، تنتقل عبرها الأفكار و العواطف و الخواطر بطرق و وسائل شتى. قد تكون هي اللقاء المباشر بين الطرف المرسل، و الطرف الآخذ،و قد تكون هي الكتب، أو اختلاط الشعوب في السلم أو الحرب، أو غير ذلك من الطرق، و أكاد أقول : و عن طريق النسمات التي طالما حملها الشعراء رسائل الشوق إلى أحبابهم النازحين.. و رب جارية أهداها ملك أجنبي إلى أمير عربي، فحملت إلى قصره أطرافا من أدب قومها، تبثها حولها، و تجعل لها حياة ثانية، أو سفارة قام بها سفير عربي إلى بلاد أجنبية عاد منها بأقباس منن الحضارة، كان لها الأثر العميق في بعض قومه. و هكذا نستطيع حصر الوسائل التي بواسطتها تنتقل الأفكار و المعاني و صور الحضارة من شعب إلى شعب. و غير خاف أن الشعوب الحاضرة هي وارثة الشعوب الماضية، و هي قد ورثت عنها الأرض و الثروات المادية و كمية هائلة من القيم و المبادئ و المثل و قواعد السلوك الاجتماعي. نعم قد يستطيع جيل أن يشق لنفسه مسلكا جديدا في الحياة، مستمدا من معطيات عصره، و لكنه لا يستطيع استئصال الأصول البعيدة القرار.
قد يقول قائل : نحن نسلم معك بكل هذا و بوجود الشعر وراء كثير من المظاهر الجميلة في الحياة، و لكن ما رأيك لو سألناك عن أولئك الذين لا يعرفون الشعر، و لا يتصلون به من قريب أو بعيد ؟ هل تجرؤ على القول بأن للشعر في حياتهم أثرا ؟ و هنا أجيب بأننا لا نتأثر دائما بشتى المؤثرات عن طريق مباشر، فهناك عشرات المؤثرات التي تعمل فينا عملها، دون أن ندري عنها شيئا أو نشعر حتى بوجودها. خذ لذلك مثلا : العطور، فبعض الناس لا يستعملونها، و لكنهم لا يستطيعون صدها عن أنوفهم إذا ما مرت بهم آنسة يفوح العطر من أطراف ثوبها، و كذلك الشأن في معاني الشعر و أخيلته و العواطف التي يعبر عنها، قد لا تصل أحد الناس بالنص الشعري الممثل لها، و إنما يتصل ببعض من لهم بالشعر إلمام، و قد لا يتصل بهم، و إنما يستفيد من المعطيات الشعرية يوصفها داخلة في كيان المجمع، مؤثرة في آدابه و أخلاقه و أسلوب حكمه على الأشياء. فأنت إذ تضع باقة من الزهر في حجرتك، أو تعجب بصورة زينية فتدور برأسك نشوة الأماني العذاب، قد تكون في كل هاذ متأثرا دون وعي منك بخواطر شاعر لا تعرفه، و لا تصل أسبابك بأسبابه.
و إذا كان للشعر هذا الأثر في الحياة الاجتماعية اتصل بكل مظاهرها من لغة و عادات و أفراح وأتراح و أعياد و مواسم و غيرها. لنأخذ ظاهرة اللغة مثلا : نجد الشعر قد أبدع فيها و أثر في مدلولاتها، و وسع من مجازاتها. بل يكاد المجاز كله يكون من إيحاء الشعر، كما وهبها المائية و الجمال، و جعل لألفاظها القدرة على الإيحاء. صنع بها كل ذلك مفردة و مركبة، فاللفظ الواحد يثير في الذهن و الخاطر ما لا يحصى من المعاني و الصور و الأخيلة، و لو لم يستعمل في سياق خاص. و اللغة هي العصب الحي في الحياة الاجتماعية، و هي صلة الوصل بين الأفراد و الجماعات، و وسيلة التفاهم الفعالة، بواسطتها يتم تبادل المصالح و المنافع، و تحدد الوسائل و الغايات، و تحدد البرامج و توضع الخطط، و إن لدلالاتها المتنوعة أثرا في ذلك كله. فما تعنيه اللفظة عندنا له دخل كبير في تحديد ما نريد تحديده من شؤوننا. فنحن عندما نستخدم كلمة استقلال، أو حرية أو تربية، أو غيرها من الكلمات المتصلة بحياتنا لا نفصل بين إيحاء الكلمة و بين الغرض الذي استخدمت من أجله. و على هذا يمكننا القول بأن للشعر أثرا كبيرا في حياتنا الاجتماعية، عن طريق اللغة التي هي أداة الشعر و أداة الحياة الاجتماعية. و يمكنك أن تلاحظ أن ثلاثة أرباع ألفاظنا المستعملة في الحياة اليومية مجازية الدلالة – و المجاز ظاهرة شعرية – و قل أن نستعمل الألفاظ في معانيها الحقيقية، نفعل ذلك حتى في أبعد الأمور عن الشعر و الحياة الروحية. فالتاجر و المشتري يستخدما المجاز على نطاق واسع، و كذلك العامل و الطبيب و المحامي و موظف الإدارة و غيرهم. التجار يستخدمون المجاز كوسيلة للتأثير على الزبون، و هذا بدوره يستعمله لاستدراج صاحب البضاعة إلى التخفيض من الثمن. و العامل يستخدمه للتخفيف من عناء العمل، و للتعبير عن سخطه على حياة الكد الذي لا يعرف الوقوف. و أما الطبيب و المحامي فلهما في المجاز أقوى الأسلحة لنجاح عملهما كما هو معروف و مشهرو. و لتصعد إلى الحافلة و لتصغ إلى كلام الركاب لنجده مليئا بالمجاز، فهذا صاحب التذاكر يداري ملله من عمله الروتيني بالنكتة، و السائق يمازح أحد الركاب لنفس الغرض، و الركاب بدورهم ما يفتأون يعلقون على كل حادث صغير يجري داخل الحافلة، مستمتعين بالصداقة العابرة التي تكونت بينهم بمجرد تحرك الحافلة. و لو أنا فعلنا نفس الشيء بالنسبة إلى أسواقنا و حماماتنا و مقاهينا و شوارعنا، ما عجزنا عن أن نجد المجاز مستخدما على نطاق واسع.
و إذا كانت اللغة مجرد رموز يرمز بها إلى الأشياء و المعاني التي تدل عليها، اعتبرت بمثابة العملة، قيمتها في كونها تدل على عدد من الأشياء التي ينتفع بها. فأنت إذا كانت معك مائة ألف فرنك، فكان معك عدد من الملابس و الأغطية و أدوات الحضارة المختلفة، فإذا كنت من أصحاب الملايين، فكأنما عندك طائفة من الدور و شتى العقارات الأخرى. و نفس الشيء تقوله بالنسبة إلى اللغة. فحين تستخدم اللفظة فتملأ راسك بشتى الخواطر و الصور، تكون مالكا لهذه الخواطر و الصور نفسها. و ما اللفظة إلا رمز لهذا الذي تملكه. و من ثم يكنك التصرف فيه إذا كنت ممن يستطيعون ذلك. أما إذا لم تستطع، ففي إمكانك الاستمتاع بذلك الدفء اللذيذ الذي تشيعه اللفظة في نفسك، كما يستمتع الغني البخيل بأوراقه المالية يعيد عدها مرات في اليوم.
و اللغة من جهة أخرى مؤثرة في السلوك الفردي و الاجتماعي، إذا الناس يتصرفون على حسب مدلولات الألفاظ في أذهانهم، فكلمة يقولها لك أحد الناس، قد تعتبرها ماسة بكرامتك، فتناصبه العداء، و تكيد له أنواعا من الكيد، و كلمة أخرى تلقى إليك قد تعتبرها عربون صداقة و مودة، و الحال أنها ربما قيلت بدافع المجاملة ليس غير، يرتفع صاحبها في نظرك إلى صف الناس الأخيار الأفاضل، و على ضوء هذا تأخذ في إطرائه في الأندية و المجالس و هكذا. و كل هذا ناتج عن اختلاط الحقيقة بالمجاز في مدلولات الكلمات عند الناس. و ما المجاز إلا ظاهرة شعرية ما في ذلك شك. و يمكنك أن تتخذ من ظاهرة المجاز في اللغة منطلقا نحو ما لا يحصى من المظاهر الجميلة في حياة الناس الاجتماعية، لتلمس أثر الشعر فيها بقليل من التأمل.
و إن أشد العلماء بغضا للشعر، لا يستطيعون التخلص من مجاز اللغة في أحاديثهم إلى زوجاتهم، و مناغاتهم لأطفالهم، و مباسطاتهم و مداعباتهم مع أصدقائهم، لأن هذا المجاز مكسب شعري للغة، لا نقدر على تجريدها منه مهما حاولنا، و لأنه أيضا ينسجم و الفطرة الإنسانية التي لا تبديل لها و لا تحريف.
و ليست اللغة وحدها هي التي يتجلى فيها الأثر الشعري، فهناك ظواهر أخرى لا تقل عنها تأثرا بالشعر. و لكن اللغة هي أهم تلك الظواهر على الإطلاق، لما لها من صلة مباشرة بالشعر، إذ هي أداته المعبرة، بل نستطيع القول بأن الظواهر الأخرى إنما جاءها التأثر بالشعر من خلال اللغة، هذا المعبر العجيب الذي تعبر عليه عواطف الشعراء، إلى الناس بطريقة سحرية قد لا نتصور مقدار براعتها و إثارتها للدهشة، لتعودنا عليها في قراءة الشعر و الانتشاء به.
و لقد قلنا سابقا أن الشعر قد أعطى كثيرا من القيم التي تستكن وراء مخترعات العلم. و علينا الآن أن نتقدم بشرح هذه النظرية بشيء من الأناة.
و بادئ ذي بدء، أود أن أذكر بأن تلك القيم قد لا نراها اليوم بوضوح، أو على الأقل، لا ترى بوضوح عند الكثيرين، و ذلك لعاملين اثنين : أولهما أن تلك القيم الشعرية قد تلبست بمختلف مظاهر حضارتنا، و مر على تلبسها بها زمن ليس بالقصير،  بحيث صارت جزءا منها، مما جعل تمييزها و ردها إلى أصلها  أمرا ليس هينا، إذ عامل الألفة صيرها بمثابة الأمور الطبيعية التي لا تستلفت النظر. و ثانيهما أننا دأبنا على رؤية تلك المظاهر بعيدة عن أن تكون لها أية صلة بالشعر مهما بعدت، فعند أكثرنا أن الشعر هو مجرد الفن المعروف، له حدود لا يتجاوزها.
و لكي لا نضل في متاهة من الكلام العام المجرد، لنأت ببعض مظاهر الحضارة و أدواتها، محاولين تبين القيم الشعرية الكامنة وراءها. و لنأخذ من مظاهر الحضارة أقربها إلينا بوصفنا مثقفين، و حينئذ نجد القلم – و هو ظاهرة حضارية – أقربها إلينا، فماذا وراء القلم من قيم شعرية ؟ يمكنك التحدث عن الإيحاءات الشعرية للقلم طويلا دون أن ينفذ ما يستطيع القلم أن يثيره في الذهن و الخيال من معاني شعرية جميلة. فالقلم – هذه الأداة الصغيرة العجيبة – هو ترجمان العقول و النفوس، و لسان الشعوب و المجتمعات، و المقيد لشوارد الخواطر و أورابد الأفكار. و هو مستودع الأماني و الأحلام، و نجى النفس و الضمير و الوجدان. و الرسول الذي يصل بين المتباعدين، و ينقل أشتاتا من الفكر و الخيال عبر الأجيال و العصور، و يصون ما تفتقت عنه العبقريات من بدائع الأفكار و بارع الأخيلة و طرائف المعاني. و يمكن للقارئ أن يسترسل على هذا النحو في تمثل ما وراء القلم من معني شعرية، ما كانت لتوجد فيه، لولا إيحاء الشعر. و لا ينقض هذا أن نجد القلم لا يدل على هذه المعاني و أمثالها عندما يمسكه التاجر للقيام بالحسابات، و عند موظف البريد وقت تسجيله للطرود، و عند العالم الرياضي لما يستخدمه في حل المشاكل الحسابية المعقدة. فقد يجول بخاطر الواحد منا هذا السؤال : هل تخطر هذه المعاني لبائع الفاكهة، عندما اشترى منه نصف كيلو من التفاح، و كيلو من البرتقال، فيأخذ قلمه لإجراء عملية جمع يكون خارجها ثلاثة دراهم ؟ و أنا أجيب بأن هذا لا يجرد القلم من قيمه الشعرية الكثيرة. فلو فرضنا أن هذا التاجر كان له إلمام بالثقافة، فخلا إلى نفسه ذات يوم، ليحرر خطابا إلى صديق عزيز عليه، أو حبيب أبعدته عنه الأيام، لأصبح القلم في يده شيئا آخر غير ما كأنه في الدكان. القلم في الدكان مجرد أداة للحسابات، آلة جامدة لا إحساس لها و لا شعور، أما في الاستعمال الأدبي و في الشؤون الخاصة العاطفية، فهو كائن حي، يختلج بكل العواطف التي حملها ليوصلها إلى الطرف الآخر.
ذلك ما يخص القلم، فإذا نحن حاولنا نفس المحاولة بالنسبة لشتى الأشياء التي تتصل بحياتنا، وقفنا ذاهلين أما القيم الشعرية التي تشع منها.
و القلم الذي نستخدمه نتوخى فيه غالبا أن يكون جميلا، ذا شكل لطيف، غير مكتفين بجانبه النفعي فقط، و إلا لما بحثنا عن الأقلام الجميلة، فكل قلم يرسل مدادا من لسانه صالح لنا، و صانعوا الأقلام يدركون هذا جيدا، فيبذلون جهودا كبيرة من أجل إتحافنا بأقلام جذابة كما نودها أن تكون، قصد الحصول على كمية كبيرة من نقودنا. و العارضون من التجار يدركون هذا جيدا أيضا، فيتولون عرضها في واجهات متاجرهم بأسلوب جذاب، يزيدها جمالا على جمال، و قد يختارون آنسة بالغة الأناقة و الظرف، لتناولنا القلم بأناملها اللطاف، إمعانا في تملق إحساسنا الشعري. و من ثم فنحن غالبا ما نقع في الشرك المنصوب لنا، فنشتري القلم، و قد نظن به على الكتابة العادية و ندخره لتسجيل أعز شؤوننا الشخصية، و قد نقدمه هدية لأحب الناس إلينا، كعنوان للمودة و التقدير العظيمين. وقد نكون من عشاق الأقلام الفاخرة الثمينة، فنقتني مجموعة نفيسة منها، و نحفظها في علب مذهبة داخل أدراج مكاتبنا، لنأخذ منها ما يروق مزاجنا بين حين و آخر. و قد نزيد على ذلك فنرثى لواحد من هذه الأقلام إذا سرق أو ضاع منا بطريقة ما، أو انكسر، أو تعرض يوما لعبث صبي خبيث ... شاعرين بمشاعر الكآبة و الانقباض، و قد يكون أول ما يخطر ببالنا عند زيارتنا لمدينة كبرى، أن نبحث عن أجمل الأقلام المعروضة في متاجرها.
و كل هذا يخرج بالطبع عن نطاق الجانب النفعي للقلم، و يدخل في إيحاءاته الشعرية الجميلة.
أرأيت إلى هذا الغنى الشعري الذي تزخر به هذه الأداة الصغيرة ؟ فكيف بنا لو تأملنا في الورق و الحرف و المطبعة و المجلدات، و كذا الأواني و التحف النادرة و أدوات الزينة، و معارض الفنون و آيات الموسيقى، و أزهار الحقول و البساتين، و ما إلى ذلك، من معاني شعرية لا تنتهي ؟ و كلها مما يتصل بحياتنا، و يكيفها و يوجهها. و قد لا نفطن إلى أننا نتأثر بقيم الشعر، حتى عندما نزاول أعمالا بعيدة عن الشعر، يمكنك أن تأخذ مثالا على ذلك : الموظف الذي يقصد إلى مقر عمله، تاركا الطريق المختصر غير الجميل، ليسلك شارعا جميلا بمتاجره و أشجاره و نظافته، و كذا سيدة البيت التي تستغني عن خادمة ذميمة الخلقة، لتعوضها بخادمة مقبولة الشكل، أو تذهب إلى السوق لتقتني أشياء لا فائدة فيها، و ليس لها من القيمة سوى أنها جميلة، أو تنظر مفتونة إلى طفل جارتها الجميل، تلاعبه و تداعبه.
و كثيرة هي الأشياء المتصلة بحياتنا من قريب أو بعيد، و التي لا نستطيع تجريدها من القيم الشعرية الكامنة فيها، فأنا مثلا لا أستطيع إفراغ صوت السيدة أم كلثوم العذب من الثروة الشعرية التي يوحيها إلي، بحكم ما تلقيت من تربية فنية دخلت في صميم كياني الذاتي. و أنت عندما ترى منظرا طبيعيا أخاذا فتقف أمامه مسحورا خاشعا، لا تستطيع إخلاء نفسك من المعاني الشعرية التي تصور عنه تجاوبا مع تجربتك الفنية. و هكذا يمكن أن نقول أن عملية اهتزازنا لكثير من مظاهر الحياة الجميلة، تدخل في تكوين طبعته الآثار الشعرية الراسية في أعماقنا، و التي تكيف أذواقنا، و توجه انفعالنا، و تضع لانفعالاتنا قيمها الجميلة العذبة. بحيث لا نبعد إذا قلنا أن أكبر هبة و هبها الشعر للحياة، هي الشخصية الإنسانية نفسها، بقيمها المثالية و انفعالاتها الشاعري، ة تجاوبها الروحي مع أشياء هذا الكون، فقد لا نشعر أن للشعر دخلا في تقديرنا لكثير من روائحنا و أشيائنا المفضلة، في نطاق الماديات و المعنويات.
و إنا للشعر آثارا أخرى في حياة الإنسان ربما كانت أبعد مما ذكرناه. فالشعر هو الذي ألبس التضحية حللا قشيبة في عيون الأبطال، و وهب في الموت طعما لذيذا عند المجاهدين، و بعث الأمل يانعا في خواطر اليائسين، و زين البذل و السخاء في نظر الملوك و السلاطين، و فتح القلوب الصلبة لتقبل عقائد الأنبياء و المصلحين، و أنقذ أعناقا من سيوف الجلادين، و واسى أذلة كانوا أعزة، و ملأ بيوتا كانت خالية، و جدد العزم في نفوس كانت خائرة، و حل مشاكل كانت مستعصية، و إذا شئنا أن نتعمق أكثر، يمكننا القول بأن الشعر أعطى حياة الإنسان معنى إنسانيا لا سبيل إلى التغاضي عنه، إذ أنه مزق غشاء الفردية الشيقة و هيأ للفرد أن يتصل روحيا بالآخرين، واجدا في هذا الاتصال متعته الكبرى، في الوقت الذي يتمكن فيه من سبر أغوار نفسه، على ضوء التجارب الروحية للآخرين الذين يقرأ أشعارهم. و الشعر إلى جانب الفلسفة هو الذي بث فينا روح التساؤل عن المصير، و مغزى وجودنا على هذا الكوكب، و الثورة على كل مظاهر التشويه و النقص و البشاعة المادية و المعنوية، و جعل نفوسنا قلقة مضطربة جانحة نحو الأسمى و الأجمل و الأمثل.
و الشعر هو الذي منحنا ألوانا من الحياة، فما أكثر الآفاق التي فتحها أمامنا، و الدروب التي شقها، و المنعطفات التي أبدعها، و الأكوان التي خلقها، فأصبحت حياتنا أكثر عمقا وسعة، و هو الذي جعل الإنسان صديقا لهذا الكون، و حافظ عصورا و أجيالا على التوازن بين المادة و الروح، و رفع أصغر الأشياء إلى جانب الأشياء الكبيرة، و انطلق في أرجاء الكون يكتب آياته على متون البحار، و في كهوف الجبال، و فوق الروابي، وعلى شطآن الجداول، ليجعل من هذا الكون متحفا رائعا لا يدركه البلى مهما تقادمت عليه الدهور و العصور. و الشعر هو الذي جعل الماضي و الحاضر و المستقبل هيكلا واحدا، و أذاب الفوارق بين الطبقات في مملكته الكبيرة، و أعطى للقيمة الإنسانية الدرجة الأولى في ميزان القيم، و بث في الناس حب الإنسان لأخيه الإنسان، دون الخضوع في هذا الحب لأي شرط، و رفع لرسل الإنسانية و أبطال التاريخ الإنساني تماثيل شامخة على مر الأيام، تلهم الأجيال روائع التضحيات، و تحدثها عن عظيم الذكريات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here