islamaumaroc

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب -16-

  دعوة الحق

118 العدد

                                                   - 16 -
قبيلة مذحج
اتفق الجميع أصحاب المطولات اللغوية و الجغرافيون و المؤرخون و النسابون على أن مسكن مذحج الأصلي هو اليمن(1) .
أما وزنها فعلى مسجد(2)  و أكد سيبويه أن الميم من أصل الكلمة و منهم من رأى أن دالها غير معجم.
أما سبب تسمية هذه القبلة بمذحج فالمشهور عند العارفين بالأنساب أن جدهم الأول مالك بن أدد بن زيد ازداد على أكمة كانت تعرف بمذحج فسمي باسمها.
ويظهر أن خلقا  كبيرا منهم استوطن في عصر قديم حضرموت، و يقول المؤرخون أن تلبيتهم في الجاهلية إذا حجوا، كانت : « لبيك رب الشعرى، و رب اللات و العزى ».
و صنمهم المشهور هو يغوث المذكور، مع أصنام جاهلية أخرى في الآية 23 من سورة نوح : « و قالوا لا تذرن آلهتكم و لا تذرن واد و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا ».
و يذكر بعض المفسرين أن يغوث كان على صورة أسد، و يظهر أن عبادته بدأت من زمن نوح و بقي معبودا حتى ظهور الإسلام.
و من ألد أعداء هذه القبيلة أبناء عامر بن صعصعة الذين حاربوها محاربة لا هوادة فيها وقت ظهور الإسلام.
و لقد انتقل خلق كبير منهم في العهود الإسلامية الأولى إلى البصرة حيث كان لهم فيها النفوذ القوي.
شاركت هذه القبيلة في القرآن الكريم بستة ألفاظ وزعت فيه على الشكل الآتي :
1- مفردة : « رفث » الموجودة في الآية 187 من سورة البقرة. جاء فيها : « أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هن لباس لكم و أنتم لباس لهن، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم، فالأن باشروهن، و ابتغوا ما كتب الله لكم، و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل الآية ».
و الرفت هو اللفظ الوحيد المستعمل في القرآن الكريم الدال على القبح في هذا المعنى، و قد اتفق على هذا عدد كبير من المفسرين(3) و بينوا أن الحق سبحانه و تعالى استعمل لهذا المعنى في آيات أخرى كثيرة ألفاظا مختارة ك : « أفضى بعضكم إلى بعض » ( الآية 21 من سورة النساء ) و « فلما تغشاها » ( الآية 189 الأعراف) و « باشروهن » ( الآية 187 من سورة البقرة ) و « أو لامستم النساء » ( الآية 43
النساء ) « دخلتم بهن » ( الآية 23 النساء ) و « فأتوا حرثكم » ( 323) و « من قبل أن تمسوهن » ( 227 البقرة) و « فما استمتعتم به منهن » (24 النساء ) و « تقربوهن » (222 البقرة ).
و أعتقد أن الحق سبحانه و تعالى استعمل هذا اللفظ الخشن، اللفظ الدال على القبح استهجانا لهم لما وجد منهم قبل الإباحة(4) ، و قد وردت هذه المفردة مرة أخرى في السورة نفسها الآية 197، و معناها بلغة مذحج جماع.
2- كلمة : « الحليم » التي تفيد عكس ما تفيده الآية 80 التي يقول فيها سبحانه و تعالى : « من يشفع شفاعة حسنة بكن له نصيب منها و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، و كان الله على كل شيء مقيتا » و معناها بلغة مذحج مقدرا. و قد أعطاها الزمخشري معاني أخرى(5)  هي شهيد و حفيظ(6)  و أضاف و     « قيل مقتدرا ».
و لابد أن أشير إلى أن هذه اللفظة لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن.
3- لفظة : « ظاهر » الآية 33 من سورة الرعد التي جاء فيها : « أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، و جعلوا لله شركاء قل سموهم، أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول، بل زين للذين كفروا مكرهم و صدوا عن السبيل، و من يضلل الله فما له من هاد » و معناها بلغة مذحج « كاذب » و الملاحظ أن الراغب الأصفهاني أغفل هذه اللفظة فلم يشر إليها في كتابه : « المفردات في غريب القرآن ».
4- كلمة : « وصيد » الموجودة في الآية 18 من سورة الكهف التي جاء فيها : « و تحسبهم أيقاظا وهم رقود، و تقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، لو اطلعت عليهم لوليت منهم قرارا و لملئت منهم رعبا » و معنى الوصيد بلغة مذحج الغناء و ذهب كثير من المفسرين(7)  أن معناها المقفلة و عززوا قولهم بالآية : « عليهم نار موصدة ».
5- مفردة « كبت » الكائنة في الآية 5 من سورة المجادلة التي يقول فيها سبحانه و تعالى : « إن الذين يحادون الله و رسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، و قد أنزلنا آيات بينات، و للكافرين عذاب مهين ».
و معناها بهذه اللغة « لعن » و من نزلت عليه لعنة الله فهو هالك لا محالة. و قال الراغب الأصفهاني : « الكبت : الرد بعنف و تذليل » و عزز تفسيره بقوله تعالى : « ليقطع طرفا من الذين كفروا أو بكبتهم فينقلبوا خائبين(8) ».
6- كلمة « الخرطوم » اعتقد عدد كبير من المفسرين و المهتمين بلغة القرآن أن هذه اللفظة من لغة مذحج(9)  و ليس ببعيد أن تكون هذه المفردة ظهرت أو لما ظهرت في مذحج بعد أن تسربت إليها من اللغة الآرامية أو لعلها ثبتت و انتشرت في هذه القبيلة أكثر مما ثبتت و انتشرت في القبائل العربية الأخرى الأمر الذي جعل هؤلاء المهتمين يحسبونها مذحجية، و هي في الآرامية :  «Hartoumo» بمعنى الأنف(10) .
و توجد هذه المفردة في الآية 16 من سورة القلم التي يقول فيها الحق سبحانه و تعالى : « سنسمه على الخرطوم » و في كلمة الخرطوم ما فيها من الاستخفاف و الاستهانة بالكافر المجرم.

19- قبيلة مديــــن
شاركت هذه القبيلة في القرءان الكريم بثلاث مفردات وردت فيه كما يلي :
1- فعل : « افرق » في قوله تعالى : « قال رب أني أملك إلا نفسي و أخي فافرق بيننا و بين القوم الفاسقين » الآية 25 من سورة المائدة و هي هنا في هذه الآية بمعنى فاقض بلغة مدين(11)  و بهذا فسرها الزمخشري أولا فقال(12)  : « فافصل بيننا و بينهم بأن تحكم لنا بما نستحق و تحكم عليهم بما يستحقون » ثم أردف هذا القول بما تفيده هذه اللفظة في معناها العام و هي دلالة توافق معنى الآية أيضا في نظري : قال : « أو فابعد بيننا و بينهم و خلصنا من صحبتهم » غير أن الراغب الأصفهاني يدقق أكثر و يحصرها في المعنى الذي تفيده اللفظة في لغة مدين فيقول(13)  : « و فرقت بين الشيئين فصلت بينهما سواء كان ذلك بفضل يدركه البصر أو بفعل تدركه البصيرة ».
و قد تكررت هذه المفردة بصيغ أخرى في القرآن الكريم. جاء في سورة المرسلات الآية 4 « فالفارقات فرقا» و هم  الملائكة الذين يفصلون بين الأشياء » و بنفس المعنى وردت في قوله تعالى : « و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث و نزلناه تنزيلا(14) . و في قوله عز و جل « فيها يفرق كل أمر حكمي(15) » و يغلب على الظن أنه ما سمي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاروقا إلا لكونه نصب نفسه فارقا بين الحق  و الباطل.
2- كلمة : « الحليم » التي تفيد عكس ما تفيده كلمة الأحمق و كلمة « الرشيد » التي تعطي معنى معاكسا للسفيه في لغة مدين(16)  و ردتا في الآية 87 من سورة هود التي يقول فيها الحق سبحانه و تعالى : قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا و أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد » و لقد كرر عز و جل كلمة الحليم بهذا المعنى كثيرا في القرآن الكريم سيما في السورة المذكورة الآية 75 « إن إبراهيم لحليم أواه منيب » و في الصفات الآية 101 « فبشره بغلام حليم » كما كرر كلمة « رشيد » بهذا المعنى في أماكن كثيرة من القرآن الكريم(17) .
3- لفظة : « آنية »(18)  في قوله تعالى : « تسقى من عين آنية » و هي في لغة مدين بمعنى حارة.
و لا يستبعد أن تكون كلمة « آن » في قوله تعالى : « يطوفون بينها و بين حميم آن »(19)  من أصل مدين أيضا دالة على شدة الحرارة و إن كان اللغويون يذهبون إلى أن آنى الشيء يآني أدرك منتهاه، فيقولون في هذه الآية : « بين حميم آن » بالغ أناه في شدة الحر. و كل مدرك آن(20)  و لكنني أرى أن القرآن الكريم الذي أعجز الشعراء الفطاحل و الناثرين المجيدين ببلاغته أتى بما لا يستطيع الإنسان وصفه من الدقة في المعنى في كلام وجيز خفيف ينساب كما لا تقدر أن تنساب أحسن سنفونية عرفها البشر ، فوصف الحميم بلفظة من مدين أغنت عن الإتيان بكلمة كثيرة لا تفي، و هي مجموعة، بما تفي به هذه الكلمة التي شرفها الله فأوردها في هذه الآية الكريمة؟
أما التي في قوله تعالى : « و يطاف عليهم بآنية من فضة و أكواب كانت قواريرا(21)  فتدل على ما يوضع فيه الشيء و هي جمعا لإناء.

20- قبيلة خزاعـــة
قبيلة قحطانية ، خزعت ( أي تخلفت ) عن الازد لما خرجت هذه الأخيرة من مكة لتتفرق في البلاد(22)
و فضلت المكوث فيها. و لقد رأيت أن من النسابين  من يجعلها عدنانية من مضر، و لكنهم قلة. كنت تسكن أراضي شاسعة في الجزيرة و غيرها و لكني أعتقد أن منازلهم الأصلية كانت « الابواء » بين مكة و المدينة و في وادي غزال و وادي دوران و عسفان في تهامة الحجاز(23)  أما صنمها التي كانت تقدسه فيدعى « ذو الكفين » تعبده مع قبائل « دوس ».
شاركت هذه القبيلة في القرآن الكريم بلفظتين :
1- « أفيضوا » في قوله تعالى : « أفيضوا من حيث أفاض الناس و استغفروا الله إن الله غفور رحيم » الآية 199 من سورة البقرة و معناها في لهجة خزاعة انفروا(24) ، و أعتقد أن القرآن الكريم قيد معناها قليلا فصار : « أفاض الناس من عرفات إلى منى، بمعنى دفعوا، و كل دفعة أفاضة(25) »  أي « دفعتهم بكثرة تشبيها بفيض الماء(26) »
و العجب العجاب أن يقول : Edouard Montet  مترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية(27)  بسبب وقوفه على هذه اللفظة : « ما معنى هذه الجملة الغامضة ! المعتقد أن المقصود من الأماكن المقدسة التي تزار قصد الحصول على المغفرة(28) ».
أما أن تكون الجملة غامضة فهذا أمر لم يقله أحد، و عيبها الوحيد أنها غاية في الوضوح، حملت في كلمات قلائل، و بأسلوب شعري جميل أمرا إلى السادة المتعجرفين بالاختلاط بالناس، موحدة بذلك العباد في شعائر الله.
2- كلمة : « أفضى » في قوله تعالى : « و كيف تأخذونه و قد أفضى بعضكم إلى بعض و أخذن منكم ميثاقا غليظا » الآية 21 من سورة النساء، و معنى الإفضاء الجماع بلغة خزاعة(29) ، و لم ترد هذه المفردة إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، و لا يخفى ما في هذه المفردة من البلاغة و التصريح لأن المقام يقتضي أكثر من أن يقال : « خلا بامرأته » وهذا هو البيان الذي أخرص العرب. و ليحقق هذه المعجزة حين كان استعمال هذه المفردات يزيد المعنى دقة، و الأسلوب جمالا، و المقام رفعة، و الكلام حلاوة، و السياق خفة، و الموسيقى رشاقة، و النغم غنة.

      
(1)الصحاح ج 1 صفحة 340، المنجد في اللغة صفحة 489، الأعلام ج 8 ص 80.
(2)  باتفاق جميع الباحثين إلا لويس معلوف الذي ضبطها بالفتح وهو خطأ شنيع، أما ابن خلكان فقد ضبطه بالضم في الوفيات.
(3)  و من بينهم الراغب الأصفهاني الذي قال في كتابه المفردات في غريب القرآن : « الرفث كلام متضمن لما لا يستقبح ذكره من ذكر الجماع و دواعيه » صفحة 199.
(4)  الكشاف الجزء الأول صفحة 115.
(5)  الكشاف الجزء الأول صفحة 286.
(6)  وقد وردت نفس هذه المعاني في كتاب « المفردات في غريب القرآن » لأبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني صفحة 414.
(7)  منهم الراغب الأصفهاني « مفردات غريب القرآن صفحة 525 » و الزمخشري » الكشاف الجزء 11 صفحة 383 » و غيرهما.
(8)  نفس المصدر أعلاه صفحة 420.
(9)  من بينهم أبو القاسم ابن سلام.
(10)  غرائب اللغة العربية 180.
(11)  أبوا القاسم بن سلام، حاشية الجلالين صفحة 104 من الجزء الأول
(12)  الكشاف الجزء الأول صفحة 332.
(13)  المفردات في غريب القرآن صفحة 377.
(14)  الإسراء الآية 106.
(15)  الدخان الآية 4.
(16)  ابن سلام حاشية الجلالين 198 من الجزء الأول و جدير بالذكر أن أشير هنا إلى أن الإمام جلال الدين السيوطي الشافعي الذي أخبرنا أن نقل جميع ما أورده أبو القاسم بن سلام من الألفاظ غير القرشية في القرآن لم يذكر هاتين اللفظتين في إتقانه رغم ورودهما عند ابن سلام.
(17)  78 هود و 7 الحجرات و غيرهما.
(18)  أبو القاسم بن سلام حاشية الجلالين صفحة 284 من الجزء 2 و لم يذكره السيوطي في الإتقان
(19)  الرحمن الآية 44.
(20)  الصحاح الجزء السادس صفحة 2273.
(21)  الإنسان 15.
(22)  الصحاح الجزء الثالث صفحة 1203.
(23)  الأعلام الجزء الثاني صفحة 338.
(24)   حاشية الجلالين أبي القاسم بن سلام صفحة 31 و الإتقان للسيوطي
(25)  الصحاح صفحة 1099
(26)  المفردات في غريب القرآن صفحة 288.
(27)  Le Coron, Payot, Paris, 1949  1949.
(28)  ورد هذا التعليق في الحاشية رقم 7 من صفحة 107 الجزء الأول جاء فيها
« Quel est le sens de cette phrase obscur ! il s’agit probablement des Lieux Saints qu’on visite pour obtenir le pardon divin »
(29)  أبو القاسم بن سلام حاشية الجلالين صفحة 77 من الجزء الأول و الإتقان صفحة 136.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here