islamaumaroc

هل الثقافة الإسلامية أصبحت خاضعة لمرور الزمن

  دعوة الحق

118 العدد

كل نظام – كيفما كان – لابد له من أداة تعبر عنه و تربط الناس به و تجمعهم عليه و تقيم له من حوله أنصارا و أدلة. و تدفع عنه جميع الملاحقات التي قد تسيء إليه.
و الرسالة الإسلامية – ككل الأنظمة – لها ملابساتها التاريخية و الموضوعية و لها تفسيراتها الواضحة للحياة و للكون كله. و لها و سائلها التي تخدم فكرتها العامة. و لها إيحاءاتها التي تتفق مع طبيعة التصور الإسلامي. و لها أخيرا تسجيلاتها على الظروف النفسية و الاجتماعية التي تسبح في المحيط الإنساني. و لا يمكن بحال تجريدها عن هذه الملابسات، و هذه التسجيلات، و الزج بها في مجالات أخرى، قد يكون لها أثر عليها، و تنحرف بها عن مجراها الطبيعي الذي أراده لها الله.
و خير وسيلة لتغطية هذه الجوانب و لخدمة  الفكرة الإسلامية بصفة عامة و للاستجابة لمطالبها الكبيرة، و معالجة ما قد يطرأ عليها من سوء تقدير أو سوء تفكير – هو سبيل الثقافة الإسلامية بمعناها الصحيح، الذي لا ينفك عن مدلول الصوت الإلهي الذي يتجاوز حدود الزمان و المكان، و يتجاوز البيئات و الأحداث و يتجاوز المحيط البشري بكامله. فقد تنقضي آراء الناس بصوابها و خطئها – و تنقضي مذاهب الناس و أفكارهم، و لا تنقضي رسالة الإسلام هذه الرسالة التي لا تخضع لنتاج هجين. و لا لأي مجهود بشري يختلف كثيرا أو قليلا عن فكرتها الأساسية التي تستطيع طبع جميع التجارب الإنسانية و جميع التطورات المختلفة – في أي شكل من الأشكال – ما استقامت على طريقها. و ربما يفضي بنا ذلك إلى القول – بأن الثقافة – في مفهومها الأصيل المتحرر من نوازع الأهواء و الشعارات – لا تعكس خلافات و لا خصومات، و لا تحتاج إلى الدق في الطبول و النفخ في المزامير. بل فيها ما يعزي الناس عن كل مآسي الحياة. و فيها ما يتحرى العبير عن آمال الإنسانية الصادقة في مفاهيمها الواضحة. تجاه محاولات لسيطرة مفاهيم أخرى عليها تبعد عنها كثيرا في الصدق و الاتجاه. و كما قال صاحب كتاب :  الإنسان ذلك الكائن المجهول » :  إن العلم النقي لا يأتينا أبدا بالشر مباشرة. و لكنه يصير خطرا حين يحبس داخل المادة التي لا روح فيها و لا حياة. » و لكن الأمر ينعكس حين تنعكس هذه المفاهيم، و ينمحي أثرها عندما تقف على عتبة الباب الذي دخل منه الفكر البشري .. بغروره و جموحه و جحوده  و جموده و خضوعه و قسوته و تصرفاته التي تنطوي على الكثير من المتناقضات، و التي هي نتيجة حتمية لظروفه النفسية و الفكرية و الاجتماعية. إذ كل إنسان محكوم بهذه الظروف التي لا قدرة له على تخطيها، و لا على إسدال الستار عنها. محكوما بجهله بضعفه بضرورته بغريزته. و محكوم أخيرا بعدم قدرته على مقاومة التيارات التي قد تحيط به أحيانا فتسلبه الانفعالات الخلاقة و رضى النفس و يقظة الضمير، و بعض هذه الأشياء قد يكون لها أسبق الآثار إلى نفسه، و بعضها قد يستبد به فيرمي به في حيرة مريرة و قلق مستمر.
و كل ذلك – كيفما كان الأمر – يشكل مخايل التفاهة في مقدار ما يملكه الإنسان من قوة و إرادة و حرية، و في حظوظه الهزيلة التي ربما تخطاها العين. و إزاء ضراوة هذه الأحداث التي توحي خطورتها بكثير من المبادرات – فإن الإنسان لا يجد نفسه مضطرا لشيء كما يجد نفسه مضطرا لأن يتوثق من صلابة الكريق. وفي كل طريق يمر بها إلى تشييد صرح حياته و تحصينا عن الأضرار و ملء جميع فراغاتها التي لا تنتظره و لا تعذره. و هذه الطرق – مهما تعددت – فإنه لا يجد لنفسه معبرا إلا على طريق الله الذي رسم خطوطها لعباده في رسالته الخالدة التي هي كفيلة بتبديد مخاوفه و تحقيق مطالبه، و تصحيح أوضاعه، و ضمان نموه الطبيعي في عنى عن الصنعة البشرية القاسية.
و من أجل ذلك كانت الحياة الإسلامية – بعد اعتمادها على الإيمان الصحيح – تعتمد كذلك على الفهم الصحيح و على الوعي الصادق الذي يكون فكرة حية قوية متناسقة مع الروح الإسلامية من أجل حماية أهدافه و مخططاته، لتقضي على كل ضجيج زائف من حوله، و على كل الشعارات العابرة. و كما يصاب الإسلام من جانب أعدائه – و هذا مفهوم لنا جيدا – كذلك يصاب من جانب أوليائه – إذا هم نصبوا أنفسهم للدفاع عنه بالباطل – عن حسن نية – نتيجة أفهام عليلة و وسائل معطوبة و أوعية غير تقية.
و تكوين هذه الفكرة هو معنى البناء الثقافي الذي ننشده، و الذي هو جدير بخدمة التصورات الاعتقادية و التعبدية و التشريعية، و بترديد اللحن الأزلي من أجل صياغة أجيال مومنة و بناء حياة إسلامية متمتعة بشعورها بالأمن و بالاستقرار و بسكينة الله و ببشائر الأمل و بالسعادة الروحية التي لا يغني غناءها شيء. و من شأن هذا البناء الثقافي – أن يقضي على كل واقع سيء و على كل حركة معاكسة و على كل شعور محترف و على كل عزلة ثقافية. و على كل تصرف يتعامل مع الفروض و التقديرات و لا يتعامل مع الواقع و يشل كل نشاط من شأنه ألا يربط على قلوب الناس و بجمعهم في صعيد واحد. فلا قيمة لهذه الثقافة – ذع الثقافات الأخرى – إذا لم تتحول إلى قوة كبيرة تحقق الاستجابة المطلوبة منها و تكيف الناس بها. و لا قيمة لها أيضا – إذا لم يكن لها نصيبها المعلوم من المشاركة في الحياة كما يقول أندري جيد، و لا مكان لها بين الناس – إذا لم تكن مسبوقة بقوة الدفع و التلقي الصادق حتى يتم الانطباع بالمفهوم الثقافي في أحسن الظروف و أحسن الأحوال. و من ثم كان لا مكان أيضا لضروب المعرفة المجردة المستقلة عن المعرفة العملية و الخاضعة للمتاع الفكري و للمران الذهني و لرياضة عقلية تقرأ في خضوع. ويعلم الله أننا نبلغ بها حد الإسفاف حين نفهمها على هذه الوجوه المقلوبة التي تعكس لها فكرتها الشمولية الواسعة المدى التي تحفها سكينة الله – في وحدة شاملة تصل الأرض بالسماء و تنظم الدنيا بالدين و تكشف الجهالة بالعلم و تحيي المادة بالروح، و تحمل معاني كبيرة للحياة في نطاقها الواسع. فنظرا لذلك – فنحن و إن استنفدنا ما لدينا من جهد – فلا نستطيع – بأي ثمن – تخليد مجدنا الثقافي الذي أصبح تحوم حوله الشكوك، و مشكلة تطلب الحل، و مسألة تريد الجواب – إلا إذا طبعناه بذلك الطابع البارز المتميز الضارب في أعماق الماضي البعيد، و جردنا له من أنفسنا كل العوامل و الدوافع الكفيلة بفهمه و ترويجه و إقناع الناس به و تقريبه من أذهانهم، بدلا من أن يفرض عليهم فرضا باسم الدين، فلا قيمة للحق المجرد، إذا لم يكن نصيب في حس الناس و لا في شعورهم و لا في مجالاتهم. لأته – كما قال صاحب كتاب  « كفاحي » : « - لا يكفي أن يكون الإنسان صاحب حق، بل عليه أن يعمل لإقناع الناس بهذا الحق. »
بيد أنه ينبغي ألا يفهم من المحافظة على هذا الطابع الثقافي المتميز – ما دمنا بصدد بناء الفكرة الإسلامية عن طريق الوسيلة الطبيعية – أننا نريد لها الانعزال عن الركب البشري و عن التراث الإنساني و نجعلها في حجر صحي. فقد يصبح حديثنا عنا – و الحالة هذه – حديثا عن شيء غير مفهوم في أذهان الناس و لا في واقع الناس. و إنما المهم ألا تمس الصورة الإسلامية، و إلا تتعرض لسوء تعديل أو تغيير في القصد و الاتجاه،  و لك أن تستفيد منها – بعد ذلك – ما تشاء. دل على ذلك ضرورة الاستفادة من المناهج التجريبية و من العلوم التطبيقية التي لا يشك أحد في جدواها، و لا في ضرورة الاستفادة منها، بدون قيد ولا شرط كما دلت عليه – أيضا – المفاهيم الإسلامية.
غير أن الذي نخشاه هو ما يرجع إلى الفرض الثقافي الذي لا ينسجم و لا يتكيف مع المزاج الثقافي الإسلامي، لأن لكل ثقافة ذوقها و أسلوبها و مقوماتها و أبعادها و أهدافها التي تنتظرها و التي تنطلق منها.
فمن جودة الحس و كمال اليقظة و الانتباه – حينئذ – أن نكون حذرين عند الاقتباس من الطرق التربوية و من النظم التعليمية من جهات أخرى، حتى لا تتسم تغذيتنا من هذه الاقتباسات. و من هذه الطرائق التفكيرية التي طبختها عقول أخرى، و حتى لا نصطدم بواقع ثقافي غير واقعنا، و نصدر عن مفاهيم غير مفاهيمنا، لأن كل ثقافة هي ملك للأمة، و الحضارة ملك للجميع.
على أننا – في مجال هذه التحريات لا نخشى على الفكرة الإسلامية من الدخول عليها من أبوابها الضيقة و من تسلط الأفكار المتلصصة عليها. لأن لها قوتها من الضلاعة و الأصالة و القدرة على التصرف و رد صاع بصاعين – ما يجعلها قادرة على الأخذ و العطاء. و على مطاردة القوى المجهولة إن اقتضى الحال. و لكن أخشى ما نخشاه أن يضيع المسمون في غمرة هذه المادية الجارفة، و تحت تأثير« التطور المطلق» الذي هو شعار الفكر الغربي المعاصر، و الذي أصبح في مقدوره أن يستضعف الأقوياء و يتملك الضعفاء و يستفز الناس من أرضهم و من عقائدهم و من تقاليدهم و يضرب على أقفيتهم فلا ينهضون إلا و قد استولى عليهم الذعر و اليأس و القنوط و سوء الحال. و كيفما كان الحال، فليس من شك في أن الوقوف على الأحداث الإسلامية في الماضي و الحاضر و ما نزل بالمسلمين – مما يزيدنا إيمانا بأن الإسلام – بالرغم من ذلك – لم يستطع أن يتغلب عليه متغلب، و إن ذاق أهله ألوانا من التظلم و صنوفا من التحكم. كما يساعدنا كذلك على فهم مغزى الخصومات و الانحراف بالمفهوم الإسلامي. و على الغاية من تصيد كثير من الشبه له. و على تفسير كثير من الإضافات السيئة التي ألصقت به.
و بعد .. فما هو المنهج العلمي الذي تمليه الرغبة الصادقة في تحسين المجال الثقافي و في تحسين الاستفادة منه، و ما هي الوسيلة التي تجود بالخير الكثير على الوجه الذي تنشده الأمة الإسلامية بالخير الكثير على الوجه الذي تنشده الأمة الإسلامية إزاء هذه التركة الثقيلة و هذا الميراث الضخم الذي وضعه الله بين يد المسلمين، ائتمنهم الله عليه و شرفهم به. ؟
إننا لا نستطيع الأخذ في المناهج التفصيلية و تحري حسن التوزيع و التصنيف للنظم التعليمية – شأن كل ثقافة – و لا يمكن أن نخوض في ذلك قبل أن نقول كلمة صريحة في هذا الصدد تعتبر أساسا لتوفير كثير من ضروب النجاح و ضروب الالتقاء و تقريب مسافات الخلق تتلخص فيما يلي :
أن الواقع الثقافي كشف أن أعمالنا في هذا الميدان ستنساق مع كثير من ضروب العبث  و مع دواعي الفشل – إذا لم تستهدف القضاء على كل المعوقات في سبيل تعميق الفكرة الإسلامية الصحيحة على هدى من هذه الثقافة و ترسيخها في قلوب الناس. و ننتزع لها كل قوة من نفوسنا لتكون لها صورتها الواضحة في جميع مظاهر حياتنا. فما دامت القدرة على التعبير عنها خاضعة للتزييفات و للأعمال الغير الهادفة و لخداع العواطف و للجهود الضائعة المحصورة في نطاق ضيق – فلن ننتهي إلى رأي واضح. و ستبقى علاقتنا بها و بماضينا المجيد كذلك مبتوتة الصلة و أمرا مفروضا – كما ستبقى – أيضا مستعيرة دوافع التعبير و دوافع التفكير من جهات أخرى. و بخاصة في الوقت الذي اختلط فيه الدعاة بالأدعياء. و التائحة الثكلى بالنائحة المستأجرة. فلا الصراع بين الثقافتين، و لا مدى التلاؤم بينهما، و لا سيطرة الأوضاع المادية و لا أسبقية الاحتياجات و المطالب الاقتصادية و لا نشوة الاكتشافات العلمية و الفتوحات الفكرية المعاصرة و لا الاهتمامات المتزايدة في غمار ملحمة التصنيع – هو الذي سلط عليها الأضواء الزائفة، و جند لها كل القوى. و إنما الأسباب الحقيقية التي أرهقت أعصاب هذه الثقافة، تتمثل في فقدان شعورها الشمولي، و في فقدان فعاليتها الكبيرة في أذهان الناس، و في دنيا الناس، و التي هي جديرة بالتصفية و التمهيد لكل ما من شأنه أن يشهد لها مواقفها الأصلية المدخرة. فحينئذ، الأمر لا يحتاج إلى أكثر من إصلاح مواقف الناس من هذه الثقافة، و تصحيح الانتساب إليها و الرأي فيها، و معالجة ضعفهم و قصر نظرهم على هدى و بصيرة مما تخدمه هذه الثقافة في تعبئاتها الواسعة. فهم – لذلك في حاجة إلى الصدق مع أنفسهم و مع رسالتهم و مع أفكارهم و تحديدها في وضوح لتعيش في وضوح بدلا من إلغاء الاتهامات على الآخرين.
و يشهد الله أنهم إذا ما عملوا على ذلك – بصدق و إخلاص – فإنهم يستفيدون من ثقافتهم الكثير و يفهمون عنها الكثير و يفهم الناس عنهم الكثير كذلك.
فإذا أراد رجال الفكر الإسلامي أن يستمتعوا بثقافتهم – من أجل استئناف حياة عملية واسعة طافحة بالبشر جدير بالاحترام – فعليهم أن يجددوا كل شيء من حولهم، يجددوا شعورهم بهذه الثقافة و بالغرض منها و بمطالبها الواسعة التي تتخطى البيئة و الأقاليم، و يجددوا كذلك تصوراتهم و مواقفهم مما تخدمه هذه الثقافة في أصالتها و صفائها و ي انطباع الناس بها على الوجه المقبول – لضمان مسيرة مومنة صادقة طويلة إلى الله، تكمن بواعثها في المنطقة الوجدانية العملية البعيدة عن التزوير و المتاجرة و في قلوب المومنين الذين راضوا أنفسهم على تلمس ما في هذه الثقافة من معنى صحيح، لتصحيح الأوضاع، و الكشف عن وجوه الريبة و الالتباس في حياة الناس و في تقييمهم للأشياء و في التفاضل بينها على أساس الوضع الإسلامي الذي يضع الأشياء في موضع سلم القيم الإنسانية لا في غيرها. و على أساس الغايات الخلقية و الخير العام الذي لا يعيش في دنيا الأطماع و لا في دنيا الفتوح، و لا في دنيا النفوس المفتونة بشهواتها و مغرياتها.
و كم يكون الفكر الإسلامي سعيدا إذا حقق رجل الفكر ما ينتظر منه من الالتزام الجاد المخلص بمقدرات هذه الثقافة و بمعنوياتها و بأصولها و فروعها، لأن في الالتزام بذلك، التزاما لهم بالانتصار على قوى التسلط لتفتيت الفكرة الإسلامية، و على كل القوى و الأشباح المخيفة، و إلا فعليهم أن ينتظروا و يحتملوا أكثر ما يلزم و أكثر ما يمكن من ثمن فشلهم. و الله بالغ أمره.


أثقب اللؤلؤ
دخل بشار على المهدي و عنده خالد يزيد بن منصور الحميري، فأنشده قصيدة بمدحه بها، فلما أتمها قال له يزيد : ما صناعتك أيها الشيخ ؟ فقال له : أثقب اللؤلؤ. فقال له المهدي : أتهزأ بخالي ؟ فقال : يا أمير المومنين ما يكون جوابي له و هو يراني شيخا أعمى ينشد شعرا. فضحك المهدي و أجازه؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here